واحد وثلاثون عاما على حرب حزيران: هل ستبقى هذه الكارثة تعيد انتاج نفسها؟ بقلم - ماجد كيالي

في حزيران1967 شنت اسرائيل حربها المنفردة الثانية ضد الاقطار العربية, في محاولة منها لحل الاشكاليات المستعصية التي نشأت معها منذ قيامها قبل عقدين من الزمن , فهذه الدولة اصبحت بحاجة ليس الى تثبيت وجودها, فقط, وانما الى فرض واقع القبول بها لدى العرب, ثم ان تطورها الاقتصادي بات بحاجة الى مزيد من الاسواق لتحفيز عوامل النمو. ولما كان هذا غير ناضج لدى الاطراف العربية فإن التوسع في الاراضي يمكن ان يساهم في حل جزء من مشكلات الاقتصاد الاسرائيلي ويمكن ان يساهم في وضع اليد على مصادر المياه في الجولان والضفة الفلسطينية. وكانت حرب التوسع في حزيران ضرورية من وجهة النظر الاسرائيلية, لتشجيع اليهود على الهجرة والاستيطان فيها, ومن اجل اقناع تجمع المستوطنين الاسرائيليين بمشروعية المنطلقات الصهيونية باستكمال احتلال باقي الاراضي الفلسطينية. تلك هي الاسباب السياسية والاقتصادية والمجتمعية التي وقفت وراء عدوان حزيران 1967 من الزاوية الاسرائيلية, ولكن هذه الاهداف الاسرائيلية, على اهميتها لم تكن تشكل شرطا كافيا لشن هذه الحرب, فقد كان ثمة اهداف وسياسات كبرى وقفت وراءها الدول الغربية وخاصة الولايات المتحدة الامريكية, التي شجعت اسرائيل على حربها وأمنت لها ضمان استثمار نصرها فيها. فجاءت هذه الحرب في ظروف الحرب الباردة بين المعسكرين: الغربي بزعامة الولايات المتحدة الامريكية, والشرقي الذي كان يتزعمه الاتحاد السوفييتي (السابق) وكانت في احد جوانبها احد اوجه الصراع على النفوذ في المنطقة بين الطرفين. كما كانت هذه الحرب محاولة من قبل الدول الغربية لتقويض محاولات التحرر العربي, التي كانت تشهد تصاعدا في ذلك الحين, بمختلف جوانبها: السياسية والاقتصادية والمجتمعية التي كانت تحصل في المنطقة بزعامة مصر (جمال عبدالناصر) آنذاك, والتي باتت تهدد ركائز الوجود الغربي في المنطقة. بكل الأحوال, فقد حققت اسرائيل انتصارا على الاقطار العربية باحتلالها باقي الاراضي الفلسطينية والجولان السورية وشبه جزيرة سيناء فأعادت الاعتبار لمنطلقاتها بالنسبة لادعاءات (أرض اسرائيل الكاملة) , وأمنت الاراضي والمياه لمستوطنيها وسوقا اكبر لمنتجاتها. كما انها من الناحية الثانية استطاعت ان تفرض مكانتها باعتبارها الحليف الموثوق للمصالح الغربية في المنطقة, وعلى انها افضل استثمار للغرب فيها. وفي هذه الحرب كان الفلسطينيون مرة ثانية هم الخاسر الاكبر حيث فقدوا ما تبقى من ارض وطنهم, وهجرت اعداد كبيرة منهم (بعضهم نزح مرة ثانية), وفي هذه الحرب (ايضا) وجهت لحركة التحرر العربية ضربة قاصمة تضعضعت معها مكانة الانظمة القومية ــ الوطنية في الاطار الرسمي العربي, بدأت بعدها حقبة جديدة في النظام الاقليمي العربي, برزت في مظاهرها تغيرات عميقة في البيئة السياسية العربية, حيث ازدادت اهمية الانظمة التقليدية, وتعمقت القطرية في سياسات الانظمة, وحصل الى حد ما انكفاء رسمي عن الانشغال بالقضايا القومية وبالأخص القضية الفلسطينية, على شكل فك اشتباك مع قضية الصراع العربي ــ الاسرائيلي حينا, وعلى شكل الانشغال بالبعد القانوني الدبلوماسي لحل هذا الصراع في اطار الشرعية الدولية, وأيضا في اطار ادعاءات تسليم القضية لأصحابها! ومع ذلك فإن حرب حزيران كانت انتصارا ناقصا لاسرائيل, فلم تستطع هذه الدولة المصطنعة ان تفرض القبول العربي بها, وبالعكس, فقد عمقت هذه الحرب معاداة اسرائيل على الصعيدين الشعبي والرسمي, وكان من نتائج هذه الحرب ايجاد هامش واسع للمقاومة الشعبية, استطاعت المقاومة الفلسطينية البروز من خلاله والاعلان عن حضور الشعب الفلسطيني وتصدر قضيته جدول الاعمال. وخلقت نتائج حرب حزيران تساؤلات وتناقضات جديدة في النظام والمجتمع الاسرائيليين, حيث برزت قضية الخطر الديمجرافي. فالفلسطينيون (هذه المرة) لم يرحلوا بأعداد كبيرة, ووجودهم الى جانب الكتلة الموجودة في (اسرائيل) يهدد الطابع اليهودي للدولة العبرية, وبرزت مشكلة الاحتفاظ بالأراضي (الجديدة) المحتلة في الفكر السياسي الاسرائيلي, فالاحتفاظ بها يؤدي الى مخاطر سياسية وديمجرافية واخلاقية كبيرة, والانسحاب منها يعني التخلي عن احد أهم ركائز المشروع الصهيوني, ومن ناحية ثانية فإن استمرار عقلية الحرب والعدوان يعني استمرار اسرائيل بوصفها قلعة (اسبارطية) معزولة في المنطقة, وهذا يعني استمرار حالة التوتر المجتمعي في اسرائيل, واستمرار تخصيص موارد كبيرة للحرب, والأهم من كل ذلك الاستمرار في الارتهان للسياسات الغربية لا سيما سياسات الولايات المتحدة الامريكية, بما يعنيه ذلك من عدم قدرة اسرائيل على التحول من دولة بذاتها (دولة مشروع) الى دولة لذاتها (دولة لسكانها) , وهي المعادلة التي ستظل تحكمها طالما انها تتمسك بدورها السياسي ــ الوظيفي في المنطقة. وبعد مضي ما يزيد على ثلاثة عقود على حرب حزيران 1967, ما زالت معادلات هذه الحرب ماثلة أمامنا بنتائجها الكبيرة, والنتيجة الأساسية الأولى التي يمكن استخلاصها الآن هي ان اسرائيل في هذه الحرب العدوانية استطاعت فرض الاعتراف العربي بوجودها بانتقال السياسة العربية من حيز العمل لالغاء وجود اسرائيل الى حيز العمل لتحديد حدودها, اي الانتقال من عقلية التحرير الى عقلية ازالة اثار العدوان واسترجاع الاراضي المحتلة عام 1967, والنتيجة الثانية, ايضاً, هي انه وبعد ثلاثين عاما على الحرب وبنتيجة المتغيرات الدولية والاقليمية بدأت اسرائيل تحصد نتائج حربها الحزيرانية في هذا القبول العربي, ولو المشروط, بوجودها وبالتعامل معها, والنتيجة الأساسية الثالثة هي ان الانهاك المتبادل لم يستطع الغاء احد الطرفين, وبالأخص فإنه وبرغم الميزات التي تتمتع بها اسرائيل في عصر الاقتصاد والتكنولوجيا وعالم المعلومات والادارة, وبرغم ميزة الضمانة التي تتمتع بها جراء علاقتها بالقطب المهيمن على العلاقات الدولية (الولايات المتحدة الامريكية) فإن اسرائيل لم تستطع حتى الآن تحقيق أهدافها في تهويد الأرض الفلسطينية المحتلة عام 1967, وتغييب الشعب الفلسطيني, كما انها لم تنجح على الصعيد العربي في فرض املاءاتها لصيغ (السلام) الاسرائيلي, ولا ادل على ذلك من الممانعة الشعبية والرسمية العربيتين للتطبيع ولعلاقات التعاون الاقليمي ولمشروع النظام الشرق أوسطي. في حرب حزيران حصدت اسرائيل نجاحات ولكنها واجهت اخفاقات ايضا, ولعل اسرائيل تعيش اليوم مأزق انتصارها على شكل التناقضات السياسية والمجتمعية والثقافية التي تعشش فيها, والتي يلخصها التناقض بين قدراتها الذاتية وبين الدور الذي تحاول الاضطلاع به في المنطقة ثم بالتناقض بين نزعة تحولها لدولة عادية وبين استمرارها دولة وظيفية. كانت حرب حزيران1967, الحرب الثانية التي تخوضها اسرائيل منفردة ضد الاقطار العربية, وبرغم الانجاز الذي حققته اسرائيل الا ان هذا الانجاز ظل يفتقر الى المقومات اللازمة لاستمرار نجاحه وتطوره. فقد وجدت الدولة العبرية نفسها في حالة حرب دائمة مع الاقطار العربية, وفرض عليها مقاطعة عربية شاملة, ولذلك فقد ظلت هذه الدولة مدينة بحياتها وبكل نجاحاتها لعلاقتها بدول أوروبا الغربية والولايات المتحدة الامريكية, فهذه الدول هي التي ساهمت في بناء القاعدة التحتية والاقتصادية لاسرائيل, وهي التي امدتها بكل انواع العتاد العسكري, كما ان المساعدات المالية والقروض التي انهالت عليها هي التي مكنت هذه الدولة من تأمين مستوى معيشة مناسب لتجمع المستوطنين, يتناسب مع دخولهم ومستوى معيشتهم في بلدانهم الاصلية. وتأكيدنا لهذه الحقيقة لا يعني اغفال العوامل الذاتية المهمة التي ساهمت في نجاح المشروع الصهيوني, ومن ضمنها طبيعة النظام السياسي والاقتصادي الاسرائيلي, ومستوى الوحدة المجتمعية, والتوافق على الاولويات الوطنية. فقد ساهمت كل هذه العوامل التي تضافرت مع العوامل الخارجية (الدعم الغربي الضعف والتشتت العربيين) في ترجيح كفة اسرائيل في حروبها ضد الاقطار العربية, حيث تغلبت العوامل النوعية المتضمنة في اسرائيل على العوامل الكمية المتضمنة لدى الاطراف العربية. ومن الاساس فقد تمت صياغة اسرائيل باعتبارها امتدادا للغرب في المنطقة من الجوانب السياسية والاقتصادية والتكنولوجية الثقافية... الخ, وهي التي امتلكت قيمة مضافة من الغرب في صراعها مع العرب بحكم علاقاتها الاستراتيجية الوطيدة مع الدول الغربية وبحكم ضمان هذه الدول وخصوصا بريطانيا وفيما بعد الولايات المتحدة الامريكية لأمنها ولتفوقها النوعي على العرب في مختلف المجالات. لذلك ظلت العوامل الخارجية اساس قوة اسرائيل والعامل المهم في تقرير سياساتها ودورها برغم كل الحديث عن اهمية العوامل الداخلية ـ الذاتية. في شهري مايو وحزيران من كل عام نتذكر الكارثة التي حلت بأمتنا العربية, ففي المرة الأولى وقبل نصف قرن جرى اغتصاب فلسطين وأقيم الكيان الصهيوني لإعاقة مسارات تحرر الأمة العربية, وفي المرة الثانية قبل واحد وثلاثين عاما وجه هذا الكيان ضربة قاسية لمحاولات النهوض العربي, من المهم ان نتذكر, ولكن الأهم هو ما تفعله هذه الامة لتجاوز التذكر الى محاولة مقاومة نتائج هذه الكارثة التي ما زلنا نعيشها, والتي ما زالت تعيد انتاج نفسها على شكل تشتت عربي, وعلى شكل تغييب لدور الجماهير ولأشكال الادارة الديمقراطية والمؤسساتية, وعلى شكل غياب ارادة عربية واحدة لمواجهة التحدي الاسرائيلي في مختلف المجالات: السياسية والاقتصادية والعلمية والأمنية والثقافية, فإلى متى؟ كاتب فلسطيني*

تعليقات

تعليقات