أبجديات: بقلم - عائشة ابراهيم سلطان

سكان ديرة يعرفون تماما احياء المدينة القديمة, وابناء جيلي ممن بعثروا ايام طفولتهم في أزقة احياء مضمخة بالاصالة مثل: (عيال ناصر) و(المرر القديم) و(الحمرية القديمة) هؤلاء وحدهم تجول بخواطرهم صور المدينة القديمة وحارات اللهو التي ظنوا ذات يوم ان اعمارهم ستصلب على بوابات منازلها الضيقة ولن تغادر تلك (السكيدة) التي نسترجع اليوم رائحتها كلما عبرت بنا السيارات اطراف المنطقة. لا ادري كيف تحضر طفولتي كلها دفعة واحدة وانا اعبر تلك المناطق باتجاه السوق او النفق, ولكنني على يقين بأن شيئا مما كان لن يعود ثانية, فلا نحن الذين كنا, ولا الزمان هو الزمان. احياؤنا القديمة, شوارعها التي كانت عتيقة وبسيطة, بيوتها المتشابهة الالوان والمداخل والناس ايضا, صارت اليوم تحمل الى جانب اسماء الميلاد الاولى اسماء اخرى, وهويات غريبة, فهي وسط البلد, وهي السوق, واحياء الصوماليين والهنود, منها تتوزع الشوارع كما البشر, راكضة في الجهات الاربع الى البحر والى الصحراء, والى منطقة (الراس) ذات التاريخ الضارب في نخاع اهل (دبي) لتشم هناك رائحة السمك, ويود البحر وصراخ الهاربين من اصقاع ضفاف آسيا الشرقية, وصراع الجميع, اهالي المدينة والدخلاء على كل شيء, ولا شيء حيث في لحظة ما تجد ان كل الأزمنة هاربة من الجميع في زرقة المياه المحيطة بالمدينة. حينما تريد أمي ان تستعيد نفسها وكل الذين احبتهم ورحلوا, وحين أريد ان اشد نفسي لجذور, يحاول كل شيء حولي ان يقطع صلتي بها, ويوم يفكر رجل جاء من اصالة تلك المناطق ان يذوق طعم بلده ويتلمس نفسه فإن الجميع يشدون رحالهم الى هناك. لدي احساس خفي بأن كل الذين رحلوا من هناك الى حيث يتمزقون اليوم في كل مكان ولا مكان في مناطق الصفوة واحياء العزلة ومناطق تخترق قلب الصحراء وأخرى تنبت في المجهول الآتي, كل هؤلاء لديهم احساس بالشجن والحنين لا تعرفه اجيال اليوم. اجيال اليوم ــ وهذه خطيئتنا ـ لا يعرفون مناطق مدينتهم القديمة, يعرفون اسماء المراكز التجارية مركزا مركزا, ومحلات الفاست فود محلا محلا, ومتاجر الألعاب ومدن الملاهي ومراكز الفيديو ومناطق عشقوها في لندن وسويسرا واسبانيا والمانيا, لكنهم للاسف لا يعرفون احياء المدينة القديمة ولا يحبون ان يذهبوا اليها, لانه كما قالت تلك الصغيرة: (اخاف الذهاب الى هناك فالمناطق ضيقة ومزدحمة بالغرباء!) . عن نفسي اعشق الذهاب الى حيث كانت حارات اللهو القديمة, حيث تنفجر طاقات الماضي كلها وحيث يتفجر غيظي كله على هؤلاء الذين مسحوا آثار اقدامنا الصغيرة, وكتموا قهقهاتنا في جنبات الزمن, لقد قذفوا بترنيمات اللغة الجميلة التي سادت هذه الاحياء في عتمة الليل وفي خضم البحر, ووضعوا يافطات تقول: (مطعم كراتشي) , محلات ساحل باتايا) , (خياط كشمير) , (قهوة رفيق) ... الغضب لا يتعقل الاشياء, وقد تفكر بعمل انتحاري ساعتها ولكنك لا تعرف ماهو , كل ما تفعله ان تكتم دمعة ارتجَّت في قاع القلب وتعود ادراجك الى حيَّك الجديد حيث القصور والفيللات وحيث البشر لا وجود لهم.

تعليقات

تعليقات