الليبراليون في الكويت: بقلم - د. شفيق ناظم الغبرا

في بداية هذا الشهر وقع اول حوار موسع نظمته كلية الشريعة في جامعة الكويت بين متحدثين يمثلون اراء وتوجهات التيار الاسلامي وآخرين يمثلون توجهات التيار الليبرالي في الكويت, وقد كانت النقاشات مفتوحة وسادها جو من الاحترام المتبادل, ولكن السؤال المشروع الذي دار في ذهن البعض, خاصة في اوساط قطاعات من التيار الاسلامي: ما هو التيار الليبرالي ومم يتكون؟) وبينما نجد ان للتيار الاسلامي ابعاد تنظيمية وقاعدة تنظيمية تصل الى الكثير من قطاعات المجتمع التي تتداخل والتركيب العشائري والقبلي والعائلي للمجتمع. نجد في المقابل ان التيار الليبرالي لا يمتلك بعدا تعبوياً او حتى صفة شبه موحدة, لحد ان البعض اعتبروا ان التيار الليبرالي لا يمثل سوى بضعة افراد, اذن في قضية الاسلامي والليبرالي هناك حالتان فبينما يشكل الاسلامي تياراً له بعد شعبي ويمتلك ايديولوجية تعبوية, الا ان التيار الليبرالي لا يمثل قوة ظاهرة, اذن ما هو التيار الليبرالي او التيار التحديثي؟ التيار الليبرالي التحديثي يمثل مجموعة من الآراء تتواجد في طول المجتمع وعرضه, وهي مجموعة كبيرة من الناس من عدة شرائح تمثل طموحات المرأة بمزيد من الحقوق, وتمثل طموحات الفرد بمزيد من الخيارات وتمثل طموحات التجار بحرية التجارة وانفتاح الاقتصاد وتوفير ضمانات للاستثمار مقرونة بحضارية في التعامل مع العمالة والموظف والموظفة بحيث يسمح هذا للارتقاء التجاري, فكما يوجد في المجتمع تيار اسلامي منظم, هناك في المجتمعات جماعات وافراد ليبراليون دون أن يعني هذا انهم ليسوا مسلمين او مؤمنين. الليبرالية في صفتها الكويتية او في صفتها العربية هي اذن مجموعة من الافكار التي لا يشترط ان تكون متجانسة والتي لا يشترط ان تكون متناقضة مع الدين ولكنها متواجدة في كل مكان وتتوالد بانتظام بفعل عوامل العولمة والتداخل بين الثقافات وبفعل عوامل الفردية وحب الارتقاء. وتتميز موضوعات الليبرالية التحديثية في سعيها لمواجهة التعصب, وتدعيم الممارسة الديمقراطية, وصون حق كل الاطراف بما فيها الاقليات التي تحرم من التصويت ومن الحقوق. ان الطرح الليبرالي يرى ان التجربة الديمقراطية لا تنجح الا اذا اقترنت بمسألة اساسية: (الاعتراف بحقوق الآخرين وبآرائهم وبتجاربهم في اطار تعايش دستوري وقانوني) , لهذا ترى الليبرالية بأن الديمقراطية لكي تنجح يجب ان تقترن بمجموعة من القواعد اهمها ان الذين يفوزون بالانتخابات يجب الا يتجاوزوا ما هو دستوري وما هو حقوقي تجاه الآخرين. بمعنى آخر ان الدستور يجب ان يمنع نائبا لا يؤمن بحق التعبير او حقوق الانسان من تجاوز حقوق الآخرين بحجة انه يمثل الأمة, فالدستور يكفل الحريات والنائب الذي ينتخب يقسم على الدفاع عن الدستور واحترامه روحا ونصا, لهذا فالديمقراطية لا يمكن ان ترتقي الا باعتمادها على الحصانة الدستورية والحصانة الحقوقية ومن خلال توسيع كل انواع الحريات على كل الاصعدة, بل ان اثارة الخلاف بين الرؤية الليبرالية في المجتمع الكويتي وبين رؤية عناصر رئيسية في التيار الاسلامي حول قضايا من شاكلة الاختلاط في جامعة الكويت او ادخال كتب ممنوعة تتناول التراث بنوع من النقد والكثير من القضايا الشبيهة يساهم في الانقسام الاوسع ويأخذ من الفرد حقه في المعرفة وحقه في ان يمارس تدينه ودينه بدون وصاية او حجر على الافكار والكتب. اذن ان التيار الليبرالي لا يمثل شريحة واحدة, بل يمكن القول بأنه اكبر من مجموع اجزائه, وانه بدون مجموعاته واقطابه تفقد الكويت مكونا رئيسيا من مكوناتها. اذن التيار الليبرالي مكون من مجموعة من المثقفين المنتشرين في ثنايا المجتمع وفي اجهزته,وهو ايضاً ينتشر بنسبة اكبر في الشريحة المدنية من المجتمع باكثر منه في الشرائح القبلية, ولكنه فوق كل شيء منتشر بين السينمائيين والمخرجين, والمفكرين, والمسرحيين, والشعراء, والادباء, وهو بالتالي منتشر بين معظم من يعملون في مجال الثقافة والابداع الفني والادبي في المجتمع. ولكن الليبرالية في المجتمع تتمثل الى حد كبير في القطاع الخاص, فمعظم التجار ومعظم القطاع الخاص خاصة الغرفة التجارية تميل الى الرؤية الليبرالية من خلال حملها لافكار موسعة عن حرية الاقتصاد ومؤثرات العولمة والانفتاح الحدودي وتبسيط الاجراءات الحكومية والبيروقراطية التي تعيق انتقال السلع والافراد, كما وتحمل هذه الفئة افكاراً حول تحويل الكويت الى بيئة افضل لاستقبال الاستثمار الكويتي المهاجر ولاستقبال الاستثمار العالمي, ان الكثير من التجار يؤمنون بضرورة تعلم اللغات وبضرورة مواكبة العصر ويؤمنون ايضاً بحق الاختلاط في الجامعات وبضرورة التعامل العقلي والذهني مع مشكلات المجتمع, وهم في هذا يرون في دول اخرى سواء اكانت هذه الدول خليجية عربية او غير عربية نماذج ايجابية في بناء الاقتصاد والحديث واطلاق يد القطاع الخاص بل ان هؤلاء التجار يرون العالم انطلاقاً من رؤية عالمية ومن تجربة احتكاك مع بيئات استثمارية مختلفة, وهم لهذا يؤمنون بممارسة تميل الى الانفتاح في شكل تنظيم المجتمع. اذن الرؤية الليبرالية لديها الكثير من الانصار, ولديها انصار في الدولة, وفي الاجهزة وفي القطاع الخاص واجواء الاستثمار,وهي تبحث عن مزيد من الانفتاح وعن التنمية, وهي فوق كل شيء قوة اجتماعية تبدو غير مرئية, وهي تمتلك رؤوس اموال كبيرة, وتيار العولمة والانفتاح العالمي يعمل لصالحها ولصالح تصوراتها. وبينما يستمر الخلاف بين الرأيين في الكويت, الا ان قطاعا من التيار الاسلامي لن يمانع في انضمام بعض عناصر الليبرالية كما ان قطاعا من الليبراليين لا يمانع عناصر من الاسلمة المعتدلة بشرط الا تعيق الحريات والا تحول المجتمع الى جهاز رقابة وشرطة اخلاق وتضر الاستثمار والانفتاح: هناك في التيار الاسلامي من يتقبل عناصر العولمة بل ويتعامل معها, وهناك في التيار الاسلامي من يبحث عن الانفتاح في اطار الحفاظ على الهوية والعدالة, بل نجده يجتهد في اكتشاف التوازن المعقول بين هذا وبين ذاك, اذن لا يشترط ان يكون الاساس في المستقبل هو الصراع المطلق بين التيارات فالحوار بين الرأيين قد بدأ, وقد يكون في تحسس كل تيار لمتطلبات الآخر ولمبرراته ما يسمح بالاستمرار في تجربة التنمية والديمقراطية, من الواضح ان طريق المواجهة والقطيعة لا تفيد احدا بل تصب في اضعاف البلاد على كل صعيد. استاذ العلوم السياسية في جامعة الكويت, ورئيس تحرير مجلة العلوم الاجتماعية*

تعليقات

تعليقات