العقدة.. والحل: بقلم- مصطفى كمال

ليس سرا ان بعض العرب يعلقون آمالا كبيرة على الخلاف الظاهر على السطح بين الادارة الامريكية واسرائيل , وفي يقينهم ان هذا الخلاف يمكن ان يستثمر لصالح الحق العربي, ويبشر بتعديل ما في سياسة الولايات المتحدة ازاء النزاع العربي ــ الاسرائيلي. وقبل الاستطراد في الحديث بهذا الشأن ينبغي التأكيد على حقيقة مهمة.. تلك هي انه ايا كان حجم الخلاف بين الدولتين... وهو ليس كبيراً على أية حال لن يمس من قريب أو بعيد علاقة التحالف الاستراتيجي بين واشنطن وتل ابيب وهو التحالف الذي يقوم على اساس قاعدة واحدة ثابتة لاتتغير هي الانحياز الامريكي للحليف الاسرائىلي ضد العرب, فرادى ومجتمعين. والمسؤولون الامريكيون انفسهم حريصون على تأكيد هذه الحقيقة ففي ذروة الخلاف الظاهر بين الادارة الامريكية ورئيس الوزراء الاسرائىلي بنيامين نتانياهو حول حجم الانسحاب المطلوب من اسرائيل لاستكمال المرحلة الثانية من اتفاقيات اوسلو, وهل يكون بنسبة 13 بالمائة كما تقترح الولايات المتحدة (مع ان هذا الاقتراح لم يعلن عنه رسميا حتى الان), أم تسعة بالمائة كما يتمسك نتانياهو, حتى يمكن الانتقال بعد ذلك لمفاوضات المرحلة الثالثة والاخيرة لم يترك الرئىس كلينتون أو وزيرة خارجيته مادلين اولبرايت او منسقه بالشرق الاوسط دينس روس مناسبة الا وانتهزوها ليعلنوا على الملأ ان حجر الاساس في الاستراتيجية الامريكية في هذه المنطقة من العالم هو الالتزام بأمن اسرائىل وتفوقها العسكري على كل جيرانها ـ العرب ـ مجتمعين. بل انهم وهم يتوسلون برفق شديد الى نتانياهو حتى يخفف من غلوائه ويتزحزح عن نسبة الــ 9 بالمائة مجرد اربع درجات او حتى أقل, من باب حفظ ماء الوجه ــ لا يحتجون بالشرعية الدولية او ضرورة الالتزام ولو صوريا باتفاقيات اوسلو التي تمت تحت رعايتهم وجرى توقيعها في ساحة البيت الابيض على يد الرئيس الامريكي نفسه ـ وانما كانت وما زالت حجتهم المعلنة هي ان هذا هو ما تقتضيه مصلحة اسرائيل. وهو الامر الذي اتاح لرئيس الوزراء الاسرائىلي ان يرد باستعلاء وصلف لامثيل لهما قائلا: (ان مصلحة اسرائيل يعرفها الاسرائىليون وحدهم, وهم ادرى بما ينفعها وما لا ينفعها) . ولم يكن غريبا ان يؤيد نتانياهو في منطقه هذا 81 عضوا بمجلس الشيوخ الامريكي, هم اكثر من اربعة اخماس مجموع اعضائه, فضلا عن 150 آخرين من سواقط القيد بمجلس النواب. وتحت مظلة هذا التأييد كان بوسع نتانياهو ان يرفض دعوة الرئىس كلينتون لعقد قمة ثلاثية في واشنطن تجمعهما مع الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات من اجل انقاذ عملية السلام بعد فشل لقاءات لندن, وزاد على ذلك بان انتهز فرصة غياب كلينتون عن عاصمته لحضور قمة الدول الثماني في برمنجهام لكي يطير الى امريكا ويعقد عشرات المؤتمرات والاجتماعات مع رجال الكونجرس وقادة المؤسسات وسط حملة اعلامية صهيونية ضخمة كأنما يعلن على الملأ قدرته على تحدي الرئىس الامريكي في عقر داره. وكان المفروض ان يؤدي ذلك الى توسيع شقة الخلاف بين ادارة الرئىس كلينتون ورئىس الوزراء الاسرائىلي الذي راح يستنفر كل (اصدقاء) اسرائىل لكي ينقذوها من (انحياز) كلينتون لما سماه الارهاب الفلسطيني, ولكن الذي حدث كان العكس.. فقد توالت تصريحات المسؤولين الامريكيين وفي مقدمتهم الرئىس ونائبه لتؤكد انه لا تغيير في سياسة الولايات المتحدة ازاء اسرائيل وتدليلا على صدق النويا الامريكية ازاء الحليف الاسرائىلي اعلن عن تقديم صفقة جديدة من الطائرات لاسرائىل هي احدث ما انتجته الصناعات الحربية الامريكية. وحتى عندما صرحت السيدة الاولى هيلاري في لحظة صدق نادرة بانها تؤيد حق الشعب الفلسطيني في اقامة دولته الحرة المستقلة سارع المتحدث الرسمي للبيت الابيض بان هذا القول انما هو رأي شخصي بحت للسيدة هيلاري كلينتون ولايعبر بالمرة عن رأي الادارة الامريكية. وكان آخر ما وصلت اليه الادارة الامريكية لتعبر عن ضيقها ازاء تعثر عملية السلام هو اعلان صريح على لسان المتحدث الرسمي يقول (ان الوقت يقترب من صدور بيان من واشنطن يعلن انسحابها من عملية السلام. وقد يبدو هذا التهديد وكأنه موجه الى الطرفين العربي والاسرائىلي لكي يكون اكثر مرونة, ولكنه في واقع الامر لا يشكل ضغطا الا على الجانب الفلسطيني وحده. ولو كانت الولايات المتحدة جادة في محاولة الضغط على الطرفين على قدم المساواة كما يزعم قادتها لشفعت انسحابها من جهود السلام بانسحاب مواز من مساندتها بكل قوتها وهيلمانها لاسرائىل. وهي المساندة التي تعني تجميد الوضع على ماهو عليه, واتاحة فرصة اوسع لاسرائىل من اجل بناء المزيد من المستوطنات, واستكمال التهام القدس, وفرض اسلوب الابتزاز النووي وتشديد الحصار في الجنوب اللبناني وتعزيز مواقعها في مرتفعات الجولان. وفي نفس الوقت فأن هذا الوضع المتجمد لعملية السلام سوف يساعد ــ كما يتصور نتانياهو وصحبه على تعميق الانشقاقات داخل الجبهة الفلسطينية, وعلى مزيد من تآكل شعبية ياسر عرفات الذي راهن بكل رصيده على نجاح عملية السلام. ومن الطبيعي ان ينعكس الشقاق الفلسطيني على الوضع العربي كله فتزداد تناقضاتهم عمقا وتنافرهم بعدا الامر الذي يجعل من الهيمنة الاسرائىلية ــ الامريكية على المنطقة من اقصاها الى ادناها واقعا لا سبيل الى نقضه او الفكاك منه. هكذا يتصورون.. سواء ظلت امريكا تلعب بالاوراق كلها على الطاولة او وضعتها في جيوبها وانسحبت تاركة اللاعبين يلعبون بلا اوراق. ولكن هذا التصور ليس نهاية المطاف, لانه يفترض من البداية تهافت رد الفعل العربي.. وهو ماعبر عنه نتانياهو منذ ايام بقوله في معرض رفضه لاقتراح عقد مؤتمر دولي لاخراج عملية السلام من النفق المسدود الذي قادها اليه (ليس امام العرب سوى المفاوضات المباشرة مع اسرائيل.. ام تراهم يريدون الحرب وهم لا يملكون الوسائل اللازمة؟) . فهل صحيح ان العرب قد تم استئناسهم الى الابد ولم يعد بوسعهم سوى الاستسلام لادارة نتانياهو والاعيب الامريكان؟ ان الانتفاضة الجديدة التي تزداد اشتعالا في الارض المحتلة تعطي الجواب السليم على هذا السؤال. وهذه الانتفاضة ليست مجرد هبة فلسطينية يستطيع الجلادون الاسرائىليون استيعابها وتصفيتها على المدى الطويل عن طريق تكثيف اساليب القمع والابادة الجماعية ولكنها كما يجب ان يعلم نتانياهو واشباهه رأس الرمح في حركة مقاومة عربية شاملة تمتد من نواكشوط حتى مضيق هرمز أو هكذا يجب ان تكون. ان سلوك نتانياهو, وتواطؤ الولايات المتحدة, قد اسقطا الى الان مقولة ان السلام هو الخيار الاستراتيجي الوحيد للامة العربية. وليست الحرب هي البديل الوحيد وانما يمكن ان يتغير الوضع باكمله اذا تغيرت موازين القوى, واذا استطاع العرب ان يخلقوا على الطاولة اوراقا جديدة غير تلك التي تتحكم فيها الولايات المتحدة لحساب اسرائيل. وما من شك ان التوجه الى اوروبا والشرق الاقصى يمكن ان يعني كسبا لاوراق لها وزنها. ولكن يظل العامل الحاسم في تغيير موازين القوى في يدنا نحن, وليس في اية ايد سوانا. ان مجرد اجتماع كلمة العرب وتجاوز خلافاتهم من اجل وضع استراتيجية واحدة ملزمة للتعامل مع مشكلة الصراع مع اسرائيل كفيل وحده بان يغير الصورة من جذورها. ووقتها, لن تستمر امريكا طويلا في تواطئها مع اسرائىل, بعد ان يتبين لها ان هذا التواطؤ كفيل بأن يكلفها مالا تطيق. ووقتها, سوف يقتنع الاسرائىليون انفسهم بان استمرار امثال نتانياهو في السلطة لا يعني فقط ضياع فرصة السلام بعد ان كانت قاب قوسين أو ادنى, وإنما ايضا طرح شكوك قوية حول بقاء الدولة العبرية من اساسها. وعندما تتخلى الولايات المتحدة عن اسرائىل من اجل حماية مصالحها القومية العليا في الشرق الاوسط ستسقط هذه كورقة شجر جافة تحت رياح الخريف. ولعل نقطة البداية في تجميع القوة العربية في ارادة واحدة موحدة تكون الاستجابة الشاملة لدعوة صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان لعقد قمة عربية عاجلة.. تكون هي القاطرة التي تدفع العمل العربي الجاد من اجل الانتصاف لحقنا من اجل الانتصاف لشرفنا وكرامتنا.

تعليقات

تعليقات