عندما يصبح الوطن حسابا في مصرف أجنبي: بقلم- الدكتور طلعت شاهين

منذ سقوط الاتحاد السوفييتي وما نتج عن هذا السقوط من تغيرات جوهرية في معطيات السياسة العالمية, ولان الايديولوجية اختفت باختفاء هذه الامبراطورية , او هكذا يتصور البعض, لم يعد أمام السياسيين سوى اختيار الافضل والاصلح في تحقيق المصالح, لم يعد هناك اختلاف بين سياسي واخر في الشرق او الغرب, او في العالمين الاول والثالث بعد اختفاء العالم الثاني, وانضمامه الى العالم الثالث, سوى في الهدف من تحقيق تلك المصالح ونوعها. البعض يفضل مصلحة الوطن في المقام الاول, ولو اتيحت له الفرصة لتحقيق مصالح خاصة الى جانب تحقيق مصلحة الوطن, بالطبع يكون الحال ليس افضل من ذلك, لكن هذا السياسي يتراجع عن تحقيق مصالحه الخاصة في لحظة واحدة فقط, وهي انه لو وجد ان تحقيق مصالحه الخاصة يمكن ان يضع الصالح العام في بلاده في خطر, او حتى يؤثر تأثيرا سلبيا على المصالح العليا والاستراتيجية لبلاده. هؤلاء عادة ينتمون الى العالم المتقدم الذي يخضع لقواعد الديمقراطية الغربية, والانتماءات الايديولوجية قد تختلف فيها الاحزاب على اشياء, ولكنها تجتمع على أشياء أساسية, ومن الاشياء التي تجتمع عليها جميع الاحزاب في أي دولة من دول العالم المتقدم مصالح استراتيجية عليا للوطن, لا يختلف عليها أحد, بل يضعها الجميع في مقدمة أي حوار, ولا يكون الاختلاف فيها الا على الطريقة التي يمكن عن طريقها تحقيق تلك المصالح, كل الطرق تؤدي الى نتيجة واحدة: الحفاظ على مصالح الوطن العليا في ظل استراتيجية لا تتغير اهدافها الا بتغير اهداف الوطن ومصالحه العليا. النوع الاخر من السياسيين يفضل مصلحته الخاصة, او يضع مصلحته الخاصة في المقدمة وقبل أي شيء, بغض النظر عما يعود على الوطن من نتائج ايجابية او سلبية, ولو وجد ان مصلحة الوطن تتعارض مع تحقيق مصالحه الخاصة, فانه على استعداد للتضحية بمصالح بلاده العليا, وكثيرا ما يفضل ان يخسر وطنه ماديا ومعنويا لو وجد انه لن يستطيع تحقيق مصالح شخصية من وراء تحقيق المصالح الاستراتيجية العليا لبلاده. هذا النمط الثاني من السياسيين ينتمي الى بلاد العالم المتخلف, الذي يسمونه في عرف السياسة العالمية (العالم الثالث) , ولا زالت هذه التسمية يتم تطبيقها حتى بعد سقوط العالم الثاني واختفائه من على خريطة السياسة الدولية. النوع الاول من السياسيين يعتبر تقديم مصلحة الوطن على المصلحة الخاصة شيئا طبيعيا طبقا للقيم الاخلاقية التي يطبقها الجميع, سواء كان انتماؤهم للعالم الاول او الثالث, بل ان سياسيي العالم الاول يطبقون تلك القيم الاخلاقية دون ان يتشدقوا بها, او حتى يرفعوها شعارا قبل ان ينطقوا بما يخالف تلك القيم الاخلاقية. لكن النوع الثاني من السياسيين الذين يطبقون قاعدة (مصلحتي فوق مصلحة الوطن) ,الذين لا يخلو منهم بلد في العالم الثالث او المتخلف, يتشدقون بشعار اهمية مصلحة الوطن قبل المصلحة الشخصية,وربما يكونون اكثر تشددا في اطلاق التصريحات والاعلان عن انه (الوطن فوق الجميع) , ولكن في اول تجربة نجدهم على استعداد لاتهام الاخرين بالخيانة العظمى اذا فقدوا القدرة على تحقيق مصالحهم, وتختلط لديهم الامور, حيث يتحول الوطن رقما في حساباتهم الخاصة في البنوك الاجنبية, وعلى استعداد لاتهام المعارضين لتلك المصالح الشخصية بالخيانة العظمى, اي المطالبة بتطبيق عقوبات الاعدام عليهم, تلك العقوبة التي تنتشر في ذلك العالم المسمى بالعالم الثالث, لان كل حركة من جانب المعارضة تعتبر خيانة, وكل مطالبة بأي قيمة حقيقية تعتبر عداء للوطن ومصالحه, اي عداء لمصالحهم الخاصة. توصل الى هذه النتيجة اكثر المشاركين في حوار حول الاوضاع المتأزمة في اندونيسيا في اطار (برنامج سياسي) كنت اشارك فيه مع بعض الزملاء من المحللين السياسيين والمراسلين الصحافيين ينتمون الى عدد من دول اوروبا الغربية وامريكا اللاتينية وافريقيا في احدى المحطات الاذاعية, التي تهتم بكل ما يجري خارج اوروبا, باعتبار ان تلك الاحداث مؤثرة بشكل او اخر على اقتصاديات اوروبا في العالم, ان تلك الاحداث تؤثر بشكل او اخر على اقتصاديات اوروبا في العالم, وكان كل منا يحاول ان يضع امام المستمع افضل السبل لخروج دولة مثل اندونيسيا من ازمتها قبل ان يقع حمام دم مؤكد, ضحاياه من الفقراء الذين لا يجدون قوت يومهم, اولئك الضحايا الذين كان الجنرال سوهارتو يطالبهم بدفع ديون البلاد التي نتجت عن سرقاته وسرقات أسرته لخزينة الوطن. للأسف ان اكثر التحليلات اتفقت على ذلك, رغم محاولات بعضنا, خاصة من ينتمون الى بلاد العالم الثالث مثلي, (ابعاد الشبهة عن سياستنا واتهام بعض السياسيين الغربيين ايضا بالانتماء الى النوع الثاني, لان محاولة الوصول الى جذور الازمة السياسية التي كانت قائمة في اندونيسيا قبيل اجبار سوهارتو على الاستقالة من منصب رئاسة الدولة الذي وصل اليه من خلال انقلاب عسكري قبل اثنين وثلاثين سنة, اطاح فيه بالرئيس السابق احمد سوكارنو كان يؤدي الى تلك النتيجة, لكن الجميع اتفقوا في البرنامج الاذاعي على ان سوهارتو من ذلك النوع الثاني من السياسيين, لانه يعرف تماما ان مصلحة بلاده في تخليه عن السلطة, وتسليمها لاي طرف قادر على اخراج اندونيسيا من ازمتها الاقتصادية التي وصلت بها الى حد الافلاس الكامل, ولكن لأن سوهارتو ينتمي الى النوع الثاني من السياسيين الذين (يطفح) بهم العالم المتخلف, فانه يرى ان (الوطن حقيبة وارقام في حسابات ترقد في خزائن بنوك اجنبية) , لذلك لا يرى شيئا افضل من وجوده على رأس تلك البلاد, التي وصل بها الى الافلاس بينما خزائن البنوك الدولية تطفح بالاموال التي سرقها من الوطن. بل انه اعلن بكل وقاحة انه الوحيد القادر على اخراج اندونيسيا من الازمة, وكأن تلك الازمة من صنع آخرين,وليس نتيجة لاكثر من ثلاثين عاما من الدكتاتورية والسرقة, وأكد انه الوحيد القادر على مساومة البنك الدولي للحصول على افضل القروض بأفضل الشروط(!), ولم يحاول في لحظة واحدة ان يفكر في ان الاموال التي سرقها وعائلته واودعوها في خزائن البنوك الاجنبية كافية لدفع ديون بلاده الخارجية,وانقاذ بلاده من الوقوع في براثن البنك الدولي وصندوق النقد الدولي. هذه الرؤية التي كان يطرحها سوهارتو تؤكد الى أي مدى يمكن للبعض ان يتصور انه فوق كل القواعد الاخلاقية المتعارف عليها, يمارس الدكتاتورية تحت شعارات (الديمقراطية) , ويسرق اموال الشعب ويطالب ذلك الشعب المسروق بتسديد ديونه الشخصية, يسلم الوطن للبنوك الاجنبية مقابل ان يحافظ هو على حسابه الشخصي متخما بالارقام, بينما يرى في المعارضة مجموعة من الخونة تمارس خيانة الوطن. سوهارتو ليس سوى جزء من كل فاسد يشل حركة شعوب العالم الثالث, ويحافظ على بقائها في ظل التخلف, وهذا الكل الفاسد ما كان يمكنه الاستمرار في هذا الفساد الذي يحول وطنا غنيا بالثروات الطبيعية والبشرية الى مكان متخلف في حاجة دائمة للتعامل مع البنك الدولي او صندوق النقد الدولي, اللذين اصبح المحللون السياسيون يبحثون عن اصابعهما وراء كل ازمة سياسية تحدث في اي مكان خارج النطاق الغربي. الولايات المتحدة واوروبا على رأس تلك الالة الجهنمية التي تصنع زعماء في العالم الثالث يعتقدون ان الوطن مجرد حسابات في مصارف اجنبية, كلما ارتفعت ارقام حساباتهم زادت اهميتهم, ويعتبر البنك الدولي وصندوق النقد الدولي من أدواتهما التي تنفذ تلك السياسة الجهنمية التي تحاول الابقاء على تلك الدول فريسة لها حتى بعد الاستقلال, بل ان بعض شعوب العالم المتخلف اصبحت تحلم بالماضي الاستعماري التعس, وكأنه الزمن المفقود الذي كان نعمة ورحمة, وهذا يجعل عمل المعارضة السياسية في تلك البلاد صعبا, لان تلك الشعوب بعدما عانت في زمن الاستقلال لم تعد تصدق الانظمة التي من المفترض انها وطنية. لكن الأمل دائما في صحوة تلك الشعوب, رغم ان الثمن باهظ دائما, سوهارتو لم يسلم السلطة الا بعد ان اشتعلت النيران في العاصمة. كاتب مصري مقيم في اسبانيا*

تعليقات

تعليقات