الدولة.. وكالة للتوظي ـ د. عبدالرحيم الشاهين

هناك قناعة لدى معظم دول العالم المتقدمة والنامية على حد سواء, بأهمية توصيف وتصنيف الوظائف ـ ولو بدرجات متفاوتة بين دولة واخرى ـ كوسيلة عملية وموضوعية لترشيد الوظائف العامة ومجالات استخدامها , وذلك من خلال التوصل بطريقة علمية ومدروسة لانواع الوظائف المطلوبة واهميتها النسبية, ومطالب التأهيل والتدريب اللازمة لشغلها,وربطها بالاستحقاقات المالية الملائمة, ولذلك فان معظم دول العالم تطبق بطريقة او باخرى نظاما لتوصيف وتصنيف الوظائف يتلاءم مع الاوضاع الخاصة بها, سواء كان خطة شاملة او تدريجية, مع تركيز الاهتمام على وصف واجبات كل وظيفة لمساعدة ادارات الخدمة المدنية في تناول الموضوعات ذات العلاقة بالموظفين بشيء من الدقة والموضوعية, وبشيء يتفق مع احتياجات الدولة الوظيفية ومتطلبات التنمية الشاملة. وبذلك فان قضية التعيين في الخدمة العامة تعتبر من القضايا المهمة التي توليها القيادة السياسية في الدول جل اهتمامها من اجل توفير الكفاءات الوطنية القادرة على ادارة دفة العمل الاداري بكفاءة وفعالية عالية. وبحيث تكون سياسة التعيين في الوظائف العامة مبنية على اسس علمية واضحة تحدد من خلالها احتياجات الاجهزة الادارية من الوظائف الحالية والمستقبلية في مختلف التخصصات. وبالعودة الى مشروع قانون الخدمة المدنية المقترح نجد انه لا يتضمن جديدا في قواعد التعيين عن نظام قانون الخدمة المدنية الحالي. حيث حدد الفصل الاول من الباب الثالث في مشروع القانون قواعد التعيين في الوظائف الشاغرة في الاجهزة الحكومية الاتحادية حيث نصت المادة (18) من المشروع المقترح ان يكون التعيين في وظائف وكلاء الوزارة ووكلاء الوزارة المساعدين بمرسوم اتحادي بناء على عرض الوزير المختص وموافقة مجلس الوزراء.. ووظائف الدرجتين الاولى والثانية بقرار من مجلس الوزراء بناء على عرض الوزير المختص وبعد أخذ رأي المجلس ويستثنى من ذلك الوظائف الفنية والتخصصية التي يصدر بتحديدها قرار من مجلس الوزراء فيكون التعيين فيها بقرار من الوزير المختص بعد اخذ رأي المجلس ووظائف الدرجات من الثالثة وحتى العاشرة بقرار من الوزير المختص بعد اخذ رأي لجنة شؤون الموظفين, ووظائف الدرجات من الحادية عشرة وحتى الرابعة عشرة بقرار من وكيل الوزارة المختص وبعد أخذ رأي لجنة شؤون الموظفين. ان القاء نظرة سريعة على قواعد التعيين في الوظائف الشاغرة في الحكومة الاتحادية, وبالرجوع الى قرار مجلس الوزراء رقم (5) لسنة 1991 في شأن نظام توصيف وتصنيف الوظائف العامة الاتحادية في الوزارات الاتحادية نجد انه استثنى وظائف الادارة العليا (وكيل الوزارة وكيل الوزارة المساعد) من نظام توصيف وتصنيف الوظائف, وترك قرار مجلس الوزراء أمر تعيين هذه الفئة من الموظفين وفقا لما يقرره مجلس الوزراء بشأنها. وهذا يعني ان هذه الفئة من الوظائف يكون التعيين فيها بدون الاعلان مثل سائر الوظائف العامة, كما ان القرار لم يشترط مؤهلا علميا أو خبرات معينة في شاغلها. وهذا ما يتناقض مع مبدأ وضع الرجل المناسب في المكان المناسب. ومن ناحية اخرى تعتبر هذه الوظائف من الوظائف القيادية الادارية العليا في الجهاز الاتحادي في الدولة, ولذلك فهي تتطلب كفاءات مواطنة على درجة عالية من الوعي والدراية والخبرة العملية, لان هذه الفئة هي التي تتولى القيادة والمسؤولية, وهي المسؤولة عن ترجمة السياسات والخطط الى برامج عمل تنفيذية, لان استثناء هذه الفئة من الوظائف من شرط المؤهل العلمي والخبرة العملية يعني وصول اشخاص غير ذات كفاءة لتولي هذه المناصب القيادية, قد تعتمد على وضعها الاجتماعي او الاقتصادي او قد تتدخل عوامل المحسوبية والمجاملة والواسطة في شغل هذه الوظائف, وعليه نرى ان يتضمن مشروع القانون المقترح تحديد البيانات والمسؤوليات المتعلقة بهذه الوظائف القيادية العليا, وان يتم تضمين ذلك في نظام توصيف وتصنيف الوظائف, وان يتضمن مشروع قانون الخدمة المدنية المقترح شروط التعيين في هذه الفئة من الوظائف القيادية حتى وان تم استثناؤها من شرط الاعلان. كما يلاحظ ان الفقرة (6) من المادة (21) والخاصة بالشروط الواجب توافرها فيمن يعين في الوظائف العامة الاتحادية استثنت المعينيين بمراسيم اتحادية من شرط اللياقة الصحية للوظيفة. ونعتقد ان شرط اللياقة الصحية يجب ان يشمل جميع الموظفين والمستخدمين دون استثناء وعلى مختلف فئاتهم ومسمياتهم الوظيفية وذلك لصالح الوظيفة العامة ولصالح المجتمع. كما نصت المادة (20) من مشروع قانون الخدمة المدنية المقترح ان يكون التعيين في الوظائف الشاغرة من الدرجة الاولى وحتى الدرجة العاشرة بالاعلان الذي يتضمن البيانات المتعلقة بالوظيفة وشروط التعيين فيها, وحبذا لو شمل الاعلان كل الدرجات الوظيفية حتى الدرجة الرابعة عشرة. ايضا تضمنت الفقرة الثانية من نفس المادة امرا جديرا بالاهتمام وهو ان يحدد بقرار من المجلس عدد ونوع الوظائف التي تحجز للمعاقين وشروط التعيين فيها. وهذا يعني ان الدولة تولي المعاقين المواطنين رعاية خاصة واصبحت توفر لهم العمل المناسب بما يتلاءم وقدراتهم الجسمية ومؤهلاتهم العلمية, وانهم جزء فاعل في المجتمع ومن عجلة التنمية فيه. ان التعيين والتوظيف لهما أهمية بالغة في وطننا العربي بشكل عام لان المشكلة التي تعاني منها الدول العربية انما هي مشكلة مشتركة ومفادها ان نظرة الجمهور الى القطاع الحكومي هي نظرة وظيفية بحتة, بحيث يريد الجمهور بل يتوقع من جهات الاختصاص الحصول على وظائف ادارية باستمرار مهما كانت الظروف والامكانيات حيث ان توقعات الجمهور من الدولة تزداد يوما بعد يوم اذا انها ــ اي الدولة ــ هي اكبر وكالة للتوظيف في نظر الجمهور ولكن السؤال هو التوظيف على اي اسس وعلى اية قواعد؟ ان الاجابة عن هذا السؤال نجدها في تطبيق قواعد الجدارة والاستحقاق وتكافؤ الفرص ليعمل الشخص المناسب بمكان العمل المناسب. لان التنمية الذاتية للموظف ترتبط ارتباطا وثيقا ومباشرا بالتنمية الادارية الشاملة اي اذا شغل الموظف الجديد المكان الذي يتناسب مع تأهيله وامكانياته استطاع ان ينمو ويتطور مع الوظيفة بل ويطور واجبات هذه الوظيفة او تلك. وعكس ذلك هو الجمود والتخبط وهدر الامكانيات واعاقة تدفق العمل.

تعليقات

تعليقات