وداعاً للجنرال سوهارتو ـ بقلم: د. أحمد القديدي

حين أزفت ساعة الرحيل وقف الجنرال مرتجف اليدين يقرأ نص الاستقالة بصوت متهدج متقطع مخنوق بما يشبه العبرة . جاء الرحيل متأخرا, بعد مقتل خمسمائة من شباب اندونيسيا. هذا هو الجنرال يطلب العفو من شعبه بعد ان حكم في رقابة بطانة السوء من المنتفعين والتجار واصحاب العمولات والمقربين والأصهار على مدى اثنين وثلاثين عاماً. لقد جاء الجنرال في انقلاب مارس 1966 على جثث نصف مليون شخص: اسلاميين وشيوعيين ومعارضين وهاهو يرحل في موجة عاتية من الغضب الشعبي على جثث خمسمائة شخص. هذا الذي وصل عن طريق الغدر بالزعيم احمد سوكارنو احد قادة مؤتمر باندونج وباني نهضة اندونيسيا هاهو يودع عن طريق نفس الاذاعة والتلفزيون وايدي الطلبة والنقابيين الاندونيسيين مرفوعة بعلامة النصر. عجيب كيف لم يقرأ الجنرال كتب التاريخ ومن بينها كتاب العبر مقدمة ابن خلدون ليعرف (ميكانزم) انتقال الشرعية بسهول ويسر. فالحارس الذي يقوم بحراستك من خصومك هو الذي يتحول في لمح البصر الى عدو أمني يقودك الى سجنك او الى منفاك او الى حتفك. هذا ما يمكن ان يجري ان ألغيت كل المؤسسات الدستورية الفاعلة وعوضتها الامزجة واذا غاب رجال العلم والصلاح والاستشارة وعوضهم البهلوانات والمنافقون والمصفقون والجلادون. إسألوا طاغوت رومانيا (نيكولاي شاوشسكو) من الذي أوثق يديه ويدي زوجته بحبل من مسد ذات ليلة من ليالي ديسمبر 1989.. انه جندي بسيط في عمر اولادهما كان مكلفا بحراسة قصر بوخارست. الغريب في أمر الجنرال سوهارتو هو ان زوجة الزعيم الراحل احمد سوكارنو وابنته موجودتان تطالبان بمحاكمة الجنرال ومحاسبة دائرته في نوع من انواع يقظة التاريخ ودوران الايام وثأر القدر. كتاب الاغتراب اذا كنت تشعر بغربة ما أو بأنك غريب مؤقتا خارج وطنك او داخله او اذا احسست بنداء من الاعماق يعزلك عن الناس ويجتث جذورك من ترابك ويزرعك بعيدا فافتح هذا الكتاب لتجد فيه السلوى< هو كتاب د. فاطمة السويدي بعنوان الاغتراب في الشعر الاموي طارد عن مكتبة مدبولي بالقاهرة. والحقيقة ان عنوان الكتاب متواضع ولا ينصفه غاية الانصاف, فالباحثة القطرية لم تكتف بحقبة الامويين بل خصصت حوالي مائة صفحة لتحليل ظاهرة الاغتراب بمنظورها الفلسفي والنفسي وابعادها المكانية والزمانية والسياسية والعاطفية والاجتماعية, مع اتخاذ ادب أهل الاغتراب نماذج للتدليل على تطبيق نظرياتها. وتنطلق د. فاطمة من معنى الاغتراب لدى القبائل العربية المهاجرة الى معنى الاغتراب لدى الشعراء, فتنقلك من العصر الاموي الى عصرنا الحاضر لانك تقرأ قصائد رائعة باقية مع الزمن تعبر عن اغتراب الانسان في كل العصور. ومن اطرف مايشد الانتباه ويدعو للتقدير اتخاذ نماذج من الاغتراب الجماعي للتغلغل في اوضاع السياسة والاقتصاد والاجتماع مثل نماذج الصعاليك والخوارج والموالي والعذريين, وقد وفقت د. فاطمة السويدي الى تبيان الثنائية الدرامية في أدب المغتربين بين الخوف والجسارة والحياة والموت والروح والجسد والتمرد والاستسلام والماضي والحاضر الى جانب ان الكتاب ديواني شعري مفتوح تقرأ فيه روائع العرب أمثال تلك الامنية التي تمناها مجنون ليلى حيث يقول: ألا ليتنا كنا غزالين نرتعي رياضاً من الحوذان في بلد قفر ألا ليتنا كنا حمامي مغازة نطير ونأوي بالعشي الى وكر فالتحية الى المؤلفة التي كان لها فضل التأمل الرصين في عيون التراث بعيون عصرنا وفضل كشف بعض اسرار الاغتراب الذي تولد في رحمة العبقرية.

تعليقات

تعليقات