النظام العربي والتطورات الاستراتيجية بالجوار الآسيوي: بقلم - محمد خالد الأزعر

خلال الأيام الأخيرة تابع العالم نتاج سباق التسلح الجاري في شبه القارة الهندية لنصف قرن بالكامل, فما عرفناه عن صواريخ باكستان والهند, وصولا الى التفجيرات النووية الهندية, ليس الا لحظة الذرورة وانفراج الستار عن جهود علمية وسياسية ضخمة محمومة, تراكمت منذ عام ,1947 والمتوقع أن تكون لحظة الحقيقة هذه من صنع المركب الصناعي العسكري الاقتصادي السياسي الاستخباري في الدولتين. هذا هو الدرس الأول من المشهد الباكستاني الهندي, والذي مؤداه أن الأزمات الاقتصادية والاضطرابات الحكومية والضغوط المتوالية الداخلية والخارجية, لم تشغل الدوائر المعنية بتأسيس قاعدة القوة الشاملة الرادعة, المشار إليها بالمركب المذكور, عن مهمتها الأولى وهي الاضطلاع بما يعزز الأمن القومي للدولة, وصولاً إلى صيانة الوطني في زمني السلم والحرب. لقد عملت الدولتان بالقاعدة التقليدية البسيطة هي ان الاستعداد للقتال أول شروط إقرار السلم, وفي هذا المضمار, لعلنا نلاحظ بشيء من الإعجاب والدهشة أن (جواهر لال نهرو) داعية السلم الدولي مؤسس حركة عدم الانحياز, زعيم الدولة التي اعتمدت مبدأ اللاعنف للحصول حتى على استقلالها الوطني, هذا الرجل بعينه هو الذي أعطى إشارة البدء بالمشروع النووي الهندي منذ أكثر من أربعين عاما, إذ لم يجد فيما يبدو تناقضا بين الدعوة إلى السلم والإعداد للحرب في عالم ما زال محكوما إلى حد بعيد بعقيدة القوة. الدرس الثاني أن وسائل تحقيق الأمن القومي للدولة لها دوما الأولوية على أية اعتبارات داخلية كان مصدرها أم خارجيا فالهند أعلنت تصميمها على إزالة أسلحة الدمار الشامل النووية, ولكن بعد ان اطمأنت الى قوتها الذاتية, إذ ما الذي يضرها في تصريح عن المشاركة في حملة لإزالة هذه الأسلحة يمكن أن تستمر إلى يوم القيامة؟! وهي في هذه السياسة المراوغة لم تعبأ باحتجاجات الأمم المتحدة, ولا باجراءات طوكيو وواشنطن العقابية, ولا بقلق الصين, ولا بصدمة الاتحاد الأوروبي .. لقد ذكرت الهند بصريح القول ان تعزيز الأمن القومي هو المحدد الأساسي للحركة الدولية. ومن الواضح ان باكستان بدورها عازمة على النهج ذاته, فما الذي يمكن لها أن تنتظره وقد باتت محاطة بثلاثة قوى نووية كبرى الصين وروسيا ثم الهند؟! ولا علاقة لهذه العقيدة الأمنية بمسار العلاقات الحالية مع هذا المحيط الاقليمي (العالمي!) فمن المفهوم ان الصداقة والعداوة في العلاقات الدولية عموماً, مسألة نسبية, وأن التقلب بين النقيضين أمر وارد في مواقيت وطبقا لمتغيرات معينة. يعنينا كعرب من هذين الدرسين العامين الوثيقي الصلة بقضايا موقع القوة والردع في ادارة العلاقات الاقليمية والدولية, أشياء كثيرة خاصة بخلاف ما ينبغي تفهمه من العموميات, فثمة إمكانية للتساؤل عما إذا كنا قد اخذنا على محمل الجد ضرورة مواجهة الرادع النووي الاسرائيلي, برغم صراعنا الممتد مع إسرائيل؟ ولعل في معطيات المشهد الباكستاني الهندي ما يقدم مبررا معقولا آخر, لعدم الإنصياع للضغوط العاملة على إكراه الدول العربية على توقيع معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية وأسلحة الدمار الشامل, قبل الوفاء بشرط تخلي إسرائيل عن هذه الأسلحة. يعنينا أيضاً أن نراقب عن كثب تطور العلاقات الإسرائيلية الهندية, أخذين بعين الاعتبار, مخاوف إسرائيل من التسلح النووي الباكستاني, ومتذكرين الأبعاد الاستراتيجية للأمن الاسرائيلي التي تصل إلى الباكستان شرقا, بحيث لايستبعد أن تسعى إسرائيل حثيثا لتلمس بل الانقضاض على البرنامج التسليحي الباكستاني بالوسائل السياسية أو العسكرية. إن التحريض الاسرائيلي ضد هذا البرنامج أقدم على سبيل المثال من التحريض الحالي ضد البرنامج الإيراني المزعوم, والمنطق في الحالتين على ما نتصور هو أن برامج الدولتين تنطوي على ما يسميه الاسرائيليون بالقنبلة النووية الإسلامية, وتقديرنا أن السياسة الأمريكية تعمل الآن بصورة مكثفة على تزويد اسرائيل بتطورات الموقف النووي في شبه القارة الهندية وتتبادل الرأي, معها حول ما يتعين عمله. لقد نشأ في آسيا تطور استراتيجي بالغ الدلالة اقليميا وعالميا, ولأن نصف الوطن العربي يقع في هذه القارة, بل ويكاد هذا النصف يجاور منطقة التوازن الجديد في شبه القارة الهندية, فلابد أن يكون النظام العربي في طليعة المراقبين لهذه الدلالة, ولا يدخل في باب المبالغة ان نتحسب لدخول لاعبين كبار في دنيا السياسة الكونية, فقد تجد الهند في نفسها موقع المؤهل لمقعد دائم في مجلس الأمن, وقد تنافسها باكستان على ذلك, ولاتعود اليابان وحدها على مضمار هذا الطموح. ان موسكو ستنظر جديا في المزاحمات الجديدة التي نشأت على تخومها, ما يستنفر لديها إحساس سرعة حسم خياراتها الداخلية, وأخذ زمام المبادرة الدولية لترميم مكانتها المتداعية منذ عقد من السنين. ولابد أن نتوقع تداعيات مستمرة للمشهد النووي البازغ, تطاول منطقتنا وقضايانا, طالما اننا موقنين بسرعة التواصل الكوني, قد تتأخر بعض التداعيات وقد تأخذ وقتا للاختمار والنضوج, لكنها مقبلة بغض النظر عن هذا التأخير. وحتى لا نتأخر نحن العرب عن ملاحقة المستجدات, مكررين بسخافة نمطاً بات من معالم حياتنا السياسية, يتعين علينا أن نتأمل ما يجرى حولنا بعين مفتوحة وتشوف استراتيجي متبصر فالخبرة تقول ان كل تطور استراتيجي دولي, كالذي يعتمل في آسيا الآن, نالنا منه نصيب وغالبا ما كان حظنا منه سلبياً, والشيء المؤكد لدرء مخاطرها يعتمل هناك وأصداءه المنتظرة, هو التعامل معه بايجابية, وليكن دليلنا في ذلك أن المستجدات الاستراتيجية تستدعي تغيرات في أنماط التحالفات والعلاقات الدولية, فلنتحسس أي هذه الأنماط والعلائق أكثر دعماً لأمننا القومي العربي, هذا بالطبع بعد أن نتوافق على عناصر هذا الأمن ونسعى للاستحواذ على ركائز قوته كما يفعل الآخرون من حولنا. كاتب وباحث فلسطيني - القاهرة*

تعليقات

تعليقات