أبجديات: بقلم - عائشة إبراهيم سلطان

في البدايات كانت المقولة هكذا: (وفي البدء كانت الكلمة) اصبحت بعد محارق هتلر وانتقال تصفية الحسابات الى اراضينا العربية هكذا : (وفي البدء كان الشرق) وكنا وقتها ندافع ضد بربرية اليهود وجرائم اوروبا. وبعد ان كشف لنا السادات وغيره سر الاسرار وعرفنا ان اليهود (ابناء عمومتنا) وهو ما كان تائها عنا عبر قرون الشقاق صرنا نرقص ابتهاجا بهذا الكشف مرددين: وفي البدء كان السلام! ومنذ البدء وحتى ما بعد الاكتشاف لم نلتق معهم على شىء, ولن نلتقي ومع ذلك نصر على انه في البدء كان السلام! كل القافلة بدءا بتيودور هرتزل وحتى نتانياهو خرجت من عمق الايديولوجية نفسها وتؤدي القسم ذاته قبل ان تأوي الى الفراش, القسم بالحفاظ على ارض الميعاد وابادة الفلسطينيين حتى آخر شخص. البارحة احتفلوا ورقصوا في ذكرى احتلال القدس, وبشكل فاجع ونقلت محطاتنا التلفزيونية رقصهم واحتفالاتهم ولا ادري لماذا؟ هل لتثبت للعالم ان روحنا رياضية جدا, ام لتزيد في غيظنا اكثر؟ ام انها تعمل على اعدادنا نفسيا وضمن جهودها الحثيثة لتقبل الواقع الذي ما من تقبله بد؟ منذ يومين قالها نتانياهو بشكل لا لبس فيه, فلقد اتعبنا الرجل واعجزناه بغبائنا الفاحش, بالرغم من ان كل التصريحات تؤدي الى فهم ما في جعبته, وببساطة وحدنا نصر على الاستغباء, فكان عليه ان يعلن: (السلام لم يعد قائما وتل ابيب ترفض الانسحاب 13%). هل يحتاج احد بعد الى تفسير ما قيل؟ فماذا يفسر نتانياهو والكلام غير قابل للتأويل اطلاقا؟ كل الطرق تؤدي الى القدس عاصمة ابدية لمملكة اليهود العظمى. هذا هو السلام اليهودي, اما سلام اهل مدريد واوسلو فقد بكاه منذ قرون ابو عبدالله الصغير آخر ملوك الطوائف العرب في اسبانيا يوم سلم مفاتيح غرناطة وخرج مودعا وباكيا على ضياع المجد الذي كان. يومها وفي السفينة التي رحلت به في المتوسط جنوبا قالت له امه: (إبكِ اليوم) مثل النساء ملكا لم تحافظ عليه مثل الرجال, ولكم في ابي عبدالله هذا أسوة حسنة! للذين يتباكون على السلام الذي يتهم نتانياهو بأنه قتله بدم بارد, نقول: نتانياهو لا علاقة له بسلامكم وقد اعلنها اكثر من مرة بأن ما حدث في اوسلو خيانة لاهداف اسرائيل. وعندما نقرأ كتابه (الشرق الاوسط الجديد) قد ينخدع بعضنا بموضوعية شيمون بيريز ومنطقة الراغب في السلام, ولكننا سرعان ما نكتشف بأن هذا الاسرائيلي المخضرم لا يقل قناعة عن نتانياهو بضرورة الهيمنة الاسرائيلية على المنطقة وان اختلفت الوسائل, يذكر بيريز في كتابه الحادثة التالية: (في ساعة متأخرة من ليلة العشرين من اغسطس 1993 تنفسنا جميعا ــ نحن والفلسطينيون والنرويجيون ــ الصعداء, فقد تم اخيرا التوصل الى اتفاق عربي اسرائيلي, فرحتي بأوسلو كانت مزدوجة, فقد تصادف تلك الليلة ايضا عيد ميلادي السبعين, في فجر ذلك اليوم العظيم قال لي ابوعلاء ممثل منظمة التحرير الفلسطينية وهو يبتسم: (الاتفاقية هي هديتنا لك في عيد ميلادك!) قلت في نفسي: (يا لها من هدية, هدية متميزة وغير متوقعة, بل من المستحيل تقييمها). اليهود يستنسخون من ابي عبدالله الصغير نسخا اخرى, فهناك المزيد من الهدايا والمزيد من المفاتيح العربية. شالوم.

تعليقات

تعليقات