الولايات المتحدة ومصر خلاف غير معلن: بقلم - فايز سارة

تجري منذ وقت محاولات لتمرير قانون يعطي الادارة الامريكية الحق في فرض عقوبات على الدول التي تنتهك حقوق الاقليات الدينية, وطبقا لما تردد في اوساط القوى الدافعة باتجاه هذا القانون, فإن الهدف منه تطبيق عقوبات بحق دول بينها وبين السياسة الامريكية بعض من عدم الاتفاق, وفي مقدمة الدول المرشحة لأن يطبق عليها القانون المذكور مصر, التي يجري التركيز الامريكي منذ وقت على انها تنتهك حقوق من تسميهم اوساط امريكية بــ (الأقباط المصريين) . ويعيدنا الموضوع الى قضية (الاقباط المصريين) التي تزايد الحديث عنها في الولايات المتحدة خصوصا وفي بعض وسائل الاعلام الغربية, وفي ملخصها انه يجري في مصر خرق حقوق الاقباط المصريين الانسانية والدينية, وانه تمارس ضدهم وضد مؤسساتهم الدينية, سياسة تمييز مقارنة بالسياسات التي تتبعها السلطات المصرية حيال المسلمين الذين يشكلون الاغلبية السكانية في مصر. وعلى مدار أشهر, جرت في الواقع وفي الصحافة معا معركة بين الادعاءات الامريكية وضمنها ذلك النفر من (الاقباط المصريين) اسرى الرؤيا الامريكية, وبين الدول المصرية ومعها الاغلبية القبطية في مصر والتي يمثلها الانبا شنودة بطريارك الاقباط, وعدد من قادة الرأي والفكر من اقباط مصر, وكل من الطرفين الامريكي والمصري ادلى برأيه في الموضوع, وقد أضاف المصريون بمن فيهم الانبا شنودة بأن مسألة اقباط مصر ــ اذا كانت هناك مسألة ــ هي قضية مصرية, وليس من حق احد خارجها التدخل فيها, وركز الرد على انه ليست هناك مسألة قبطية في مصر. وكان رد المصريين حكومة وأقباطا ردا قويا وحاسما على ادعاءات مفبركة, هي تتويج لاختلافات سياسية امريكية ــ مصرية نابعة من رغبة واشنطن في الضغط على مصر وسياستها وبخاصة سياستها الاقليمية المتصلة بالجوار الاقليمي, وهي سياسة تتعارض في بعض جوانبها مع سياسات الادارة الامريكية في المنطقة. ويقودنا ذلك الى جملة اسئلة عن ماهية السياسات المصرية التي تتعارض مع سياسات واشنطن في المنطقة ؟ وعن المحاولات الامريكية الهادفة الى الضغط على مصر من اجل دفعها الى التوافق مع اتجاهات السياسة الامريكية؟ والنهاية المحتملة لعمليات الضغط الامريكي على القاهرة؟ وهل من شأن اثارة مسألة الاقباط في مصر, ان تدفع القاهرة الى تغييرات في سياساتها الاقليمية؟ ان التوقف امام المحطات الاساسية في السياسة الاقليمية لمصر, يؤشر الى انها تتعلق ببعدين اساسيين الأول فيهما علاقات مصر العربية, والثاني موقف مصر من اسرائيل والعلاقة المأزومة بينهما. وأهم العناوين في موضوع مصر العربية اربعة, الأول يمثله التقارب المصري ــ السوري والتنسيق المستمر في لقاءات القادة وتشاورهما في القضايا والموضوعات السياسية التي تهم العرب اجمالا, والثاني التوافق الذي تقيمه مصر في الموقف من ليبيا التي مازالت تواجه حصارا دوليا تم فرضه بقوة وارادة واشنطن وحلفائها, والثالث موقف مصر من العراق, والذي اكد رفض القاهرة توجيه ضربة امريكية للعراق, وتبنيها قضية عودة العراق الى الصف العربي, ورفع الحصار عن شعب العراق, والعنوان الرابع يمثله موقف القاهرة من السلطة الفلسطينية, والاصرار على مساعدتها في تحدي سياسة الضغط والاخضاع التي تحاولها الحكومة الاسرائيلية لاجبار الفلسطينيين على قبول الشروط الاسرائيلية في موضوع المفاوضات الفلسطينية ــ الاسرائيلية. اما في موضوع علاقات مصر باسرائيل, ففيه عنوانان مهمان الاول برودة العلاقات المصرية ــ الاسرائيلية, وهو سياق عام ومنسجم مع خط هذه العلاقات منذ بدايتها في العام 1979 اثر توقيع اتفاقية السلام المصرية الاسرائيلية, وما تبعها من سياسات وممارسات اسرائيلية ضد مصر والشعب المصري, وفيها تكرست سياسة التجسس الاسرائيلي ومنها قضية الجاسوس الاسرائيلي عزام عزام, ثم قضايا التخريب داخل المجتمع المصري وبينها قضية نشر الايدز التي قام بها عملاء اسرائيليون اكثر من مرة, وتناولتها الصحافة المصرية على نطاق واسع. اما العنوان الثاني المهم في علاقات مصر مع اسرائيل فهو تصادم السياسات الاقليمية على نحو ما تتبدى تناقضات السياسة الخارجية ازاء الجوار, وحيث ان مصر تدعم مسيرة التسوية وفقا لمحتويات مبادرة مدريد عام 1991 ومبدأ (الارض مقابل السلام) ,وتدفع الى تنشيط المفاوضات على المسارات الثلاثة: الفلسطيني, السوري, اللبناني مع اسرائيل, بينما للحكومة الاسرائيلية في هذا موقف آخر ترسخ مع مجيء حكومة الليكود بزعامة بنيامين نتانياهو الى السلطة مما تسبب في جمود المفاوضات, ووضع مسيرة مدريد امام الحائط بفعل الاملاءات الاسرائيلية. وبصفة عامة, فإن هذه السياسات المصرية, تثير استياء الولايات المتحدة وادارتها, وفي معظم الحالات لم تؤد الضغوطات الامريكية على مصر الى تغيير مواقف مصر على نحو ما حصل في موقف القاهرة من مؤتمر الدوحة الاقتصادي للشرق الاوسط وشمال افريقيا في العام 1997, الامر الذي حرك قوى واتجاهات داخل الادارة الامريكية لتصعيد الضغط على مصر, وكان بين تعبيرات ذلك في العام 1997 قرار الكونجرس وقف المعونة الامريكية الى مصر عن العام 1998 في ضوء تقرير امريكي تم تقديمه في خلاصته ان (مصر تدعي كذبا على الاسرائيليين بأنهم جواسيس) وهي (تساعد سوريا على العدوان والتشدد تجاه اسرائيل) و(تحرض ياسر عرفات على عدم الاتفاق مع الاسرائيليين) . وببساطة شديدة فإن نتائج تلك الحملة ــ بما فيها وقف المعونة الامريكية لمصر ــ لم تؤد الى تحولات في سياسة مصر الاقليمية وإلى حدوث تغييرات في خط علاقات مصر العربية من جهة, وفي الموقف من اسرائيل وسياستها, ولعل في ذلك مؤشر الى الاثر النهائي الذي ستؤول اليه اثارة قضية (الاقباط المصريين) والحديث عن خرق حقوقهم في مصر, خاصة وان (اقباط مصر) وفي المقدمة الأب شنودة وقادة الرأي قالوا كلمتهم ورأيهم, بأن الموضوع موضوع مصري أولا وأخيرا. صحفي وكاتب سوري*

تعليقات

تعليقات