إسرائيل والهند والعقوبات الأمريكية: بقلم-هيلينا كوبان

في السابع عشر من الشهر الجاري غادرت مجموعة من خبراء مؤسسة صناعة الطيران الاسرائيلية البلاد في مهمة جديدة لترويج الانتاج الحربي الاسرائيلي وتقديم الاستشارات التي لا يبخلون بها على العديد من الدول الاسيوية , وخصوصا بعد ان فتح لهم التوقيع على اتفاق اوسلو الطريق إلى هذه الاسواق الغنية (تكاد تشعر بمعاناة هؤلاء الخبراء لانهم يضطرون دائما للابتعاد عن عائلاتهم وتحمل مشقات السفر, الا انهم يلقون معاملة جيدة من قبل مضيفيهم حيث يقضون اوقاتهم على الشواطىء الخاصة ويتلقون الهدايا الثمينة لهم ولافراد عائلاتهم إلى آخر ما هنالك من مغريات) . اما الرحلة الآنفة الذكر, والتي تمت بعد ايام قليلة من قيام الهند بتفجير خمس قنابل ذرية (دوت اصداؤها في جميع ارجاء المعمورة) , فقد كانت إلى الهند, لست ادري لماذا لم افاجأ بالامر, فاسرائيل, كما تعرفون, كانت ولاتزال تحاول منذ عام 1979 على الاقل, تطوير برنامجها النووي دون اللجوء إلى تجربة الاسلحة النووية بواسطة تفجيرات فعلية, الا أنه من المؤكد ان هناك مجالا واسعا لتبادل المعلومات بين الخبراء في كل من الهند واسرائيل. من الممكن ان تقوم الهند باطلاع اسرائيل على الكثير من النتائج والمعلومات التي توصلت اليها من تجاربها النووية, وقد يستطيع المرء ان يذهب ابعد من ذلك ليقول بأنه من المحتمل ان تكون الهند قد قامت بتجربة بعض المكونات أو التقنيات الاسرائىلية في قنابلها وخصوصا ان الدولتين تتعاونان في المجال النووي منذ عدة سنوات, اضف إلى ذلك ان الهند قد تطلع اسرائيل على كيفية اجراء الترتيبات للانفجارات النووية وتنفيذ هذه الانفجارات دون ان تستطيع الاقمار الصناعية الامريكية المتطورة اكتشافها. اما اسرائيل فلديها الكثير من المعلومات التي يمكن ان تتشاركها مع الهند وخصوصا الخبرة التي جمعتها على مدى العقد الماضي في مجال (تجربة الاسلحة النووية دون الحاجة إلى تفجيرها, ولكن بمحاكاة هذه التفجيرات على شبكة متصلة من اجهزة الكمبيوتر العملاقة, كما ان وفدا من مؤسسة صناعة الطيران الاسرائيلية يمكن ان يزود الهند بمعلومات قيمة عن انظمة التخزين للاسلحة النووية وتقنيات اسقاطها على الاهداف المعادية بواسطة الطائرات الحربية بعيدة المدى أو حتى بواسطة الطائرات غير المأهولة والتي يمكن توجيهها والتحكم بها عن بعد. كما انني لم افاجأ بوقاحة اسرائيل وصفاقتها عندما ارسلت هذا الوفد مباشرة بعد ان اعلن رئيس الولايات المتحدة بيل كلينتون عن فرض عقوبات اقتصادية على الهند كعقاب لها على ما قامت به من تجارب نووية. ان الامر لم يفاجئني لان رئيس الوزراء الاسرائيلي لا يتردد ان يسخر علانية من الرئيس الامريكي بينما لايزال يحصل على مليارات الدولارات من اموال دافعي الضرائب الامريكيين, وسيرا على خطى رئيس الوزراء الاسرائيلي فان مؤسسة صناعة الطيران والتي تجني ارباحا طائلة من خلال مشاريعها المشتركة مع القوات العسكرية الامريكية, لن تتردد بالسخرية من واشنطن وتحديها. لقد اظهر رئيس الاركان الاسرائيلي امنون شاحاك انه يتمتع بحس دبلوماسي سليم عندما الغى زيارة كان من المتوقع ان يقوم بها للهند قبل ايام قليلة من مغادرة وفد مؤسسة صناعة الطيران, الا ان موقف الحكومة الاسرائيلية الرسمي والذي تم التوصل اليه بعد مداولات مكثفة بين وزارتي الخارجية والدفاع هو عدم اصدار بيان علني ردا على التجارب النووية الهندية باستثناء التنويه إلى ان اسرائيل وقعت على معاهدة حظر اجراء التجارب النووية وتدعو جميع الدول الاخرى أن تحذو حذوها, كما قررت الحكومة الاسرائيلية عدم التعليق على معاهدة حظر انتشار الاسلحة النووية والتي لم توقعها لا اسرائيل ولا الهند. لقد كان رد الفعل الامريكي الاول بعد التجارب النووية الهندية يتسم بالحزم, ولكن كيف سيكون رد فعل الدوائر التنفيذية والتشريعية الامريكية تجاه الدول التي لم تتجاوب مع دعوتها لمقاطعة الهند؟ وما هو موقفها من الدول التي تستمر برفع مستوى علاقاتها في مجال الصناعات العسكرية مع الهند حتى بعد ان اجرت خمس تجارب نووية؟ لقد اتسم موقف الكونجرس بالحزم الشديد لمجرد ان هناك شكوكا بأنه من (المحتمل) ان تكون ايران وليبيا تسعيان لتطوير برامج نووية سرية, وبالرغم من انهما وقعا على معاهدة حظر انتشار الاسلحة النووية, اقر الكونجرس (قانون مقاطعة ليبيا وايران) والذي ينص على معاقبة اي طرف ثالث قد يستمر باقامة علاقات عسكرية مع هاتين الدولتين, الان وبعد ان اصبح من المؤكد وبشكل فاضح ان الهند تمتلك اسلحة نووية, فانه يحق لنا ان نتوقع ان يكون الكونجرس الامريكي اكثر حزما واصرارا على معاقبة اي طرف ثالث يمكن ان يستمر باقامة علاقات تعاون عسكرية مع الهند. الا تعتقدون ان توقعنا له ما يبرره؟ ام اننا سنرى الكونجرس الامريكي يطبق نفس اسلوب ازدواجية المعايير ليؤكد بشكل لا يقبل الشك ان الكيل بمكيالين اصبح اشبه ما يكون بالطبيعة الثانية للادارة الامريكية؟ وان ما يقلق الادارة الامريكية حقا ليس انتشار الاسلحة النووية, ولكن التهديد الذي يمكن ان يمثله امتلاك دولة اسلامية للقنابل النووية. احتفظت اسرائيل بعلاقات وثيقة مع جنوب افريقيا العنصرية في السبعينات والثمانينات, وكانت هذه العلاقات تستند إلى تبادل المعلومات والتقنيات والمواد الخام والتمويل ووسائل احراء التجارب بين البرامج النووية في كل من البلدين. لقد حدث هذا في الوقت نفسه الذي توصلت فيه واشنطن إلى قناعة مفادها انه لابد من محاربة التفرقة العنصرية بفرض العقوبات الاقتصادية, ولكن واشنطن سمحت لنفسها بكل الوقت الممكن قبل اقناع اسرائيل بالانضمام إلى فرض هذه العقوبات على النظام العنصري. فكم من الوقت ستحتاج الولايات المتحدة هذه المرة؟ قد يكون من المفيد على الاقل ان نرى واشنطن تبدأ المحاولة في هذا الاتجاه.

تعليقات

تعليقات