الديون: عبودية ينبغي الانعتاق منها: بقلم - عادل محمد حسن

انعقد المؤتمر الدوري للثمانية الكبار في مدينة برمنجهام البريطانية بجدول عمل حافل بالمشاكل التي تعصف بالعالم بدأ من انهيار اقتصاديات النمور الاسيوية ومشكلة الشرق الاوسط.. الى المشاكل التي تحيط بالعلاقات بين هذه الدول غير ان المشكلة المستعصية التي احتلت حيزا كبيرا من المناقشة في اروقة المؤتمر وخارجه تحددت في مشكلة الديون التي تعاني منهاغالبية الدول النامية ففي داخل اروقة المؤتمر خيم جو من التباين بين المشاركين حول كيفية التعاطي مع هذه المعضلة, حيث تحمست كل من بريطانيا وفرنسا مع فكرة اتخاذ خطوات اكثر جدية لحذف الديون في حين ترددت كل من المانيا واليابان وايطاليا بقبول هذه الفكرة اما خارج جدران مبنى المؤتمر فقد احتشد ما يزيد على خمسين الفا من المتظاهرين مطالبين بجدول زمني يمتد حتى بداية الالفية الثالثة من اجل معالجة جذرية لهذه المشكلة الشائكة ومن المعروف ان العديد من الكتاب والسياسيين ورجال الدين وخمسين جمعية خيرية وكنائسية في داخل بريطانيا وخارجها استعدوا منذ اشهر وشكلوا حركة واسعة تعرف بــ (الاحتفال بعام 2000) من اجل تنظيم نشاطات متنوعة هدفها الضغط على الثمانية الكبار المشاركين في مؤتمر برمنجهام لكي يحذفوا 25% من الديون المترتبة على بلدان نامية يبلغ عددها مايزيد على 40 بلدا بحلول عام 2000, اي حذف ما يساوي 250 بليون دولار من الديون المترتبة على هذه الدول. ان اهتمام الرأي العام الغربي بهذه المشكلة ينطلق من دوافع انسانية واخلاقية او من خشية استفحال حالة عدم الاستقرار في عالم اليوم ويزداد هذا الاهتمام اكثر فأكثر عندما يرى الرأي العام الغربي ان مستويات المعيشة تتحسن باطراد في البلدان الغنية في حين يتراجع مستوى المعيشة في البلدان الفقيرة الى مستوى ما كان عليه قبل ثلاثين سنة, اي في عهود السيطرة الاستعمارية ويصاب الرأي العام الغربي بالحيرة عندما يلاحظ الحجم الكبير الذي بلغته هذه الديون والافق المسدود نحو استردادها يكفي الاشارة في السياق الى ان هذه الديون قد ازداد وبشكل اسطوري من 600 مليون دولار عام 1980 لتتضاعف وتبلغ 2.2ترليون دولار اليوم, علما ان كل حجم الاقتصاد العالمي يساوي 25 ترليون دولار, واضحى من الصعب على العديد من الدول المدينة ان تسدد حتى خدمة هذه الديون لان ناتجها القومي الاجمالي يقل عن حجم الاولى وهنا يغدو من الصعب التنبؤ بما سيؤول اليه الحال في السنوات المقبلة فيما لو بقيت هذه المشكلة من دون حل ويؤكد غالبية الاقتصاديين ان لا أمل في تسديد الديون. ان المطالبة بحذف الديون ليست بالممارسة الجديدة في العلاقات الاقتصادية الدولية ولكنها تحتاج الى قرار سياسي فقد تم على سبيل المثال حذف ديون بريطانيا اثناء ازمتها الاقتصادية في الثلاثينات وحذفت الديون المترتبة على كل من المانيا واليابان بعد الحرب العالمية الثانية ايضا اما في اطار الديون المترتبة على الدول النامية فقد رفع او خفف كاهل الديون عن بعض الدول النامية في السنوات الاخيرة ولاعتبارات سياسية ايضا, ومنها مصر على سبيل المثال, وكانت كل من بريطانيا وفرنسا المبادرتين الى حذف قسم من ديونها على عدد من البلدان النامية المدينة ايضا (حذفت بريطانيا 2 بليون دولار) . برزت ظاهرة الديون في مطلع السبعينات اثر التغير الذي طرأ على سياسة الدول الغنية في هذا المجال فبعد العمل بنظام (برنت وودز) القائم على ليبرالية التجارة من ناحية والرقابة على حركة رؤوس الاموال والقروض من ناحية, جاء الرئيس نيكسون في مطلع السبعينات ليعلن ليبرالية حركة الرأسمال في البلدان النامية مما ادى الى بدء عملية الانفجار في الديون, واندفعت البلدان النامية الى الحصول على القروض, ولكن سرعان ما سحقت هذه البلدان بطاحونة الديون وتدهورت اوضاعها الاقتصادية والاجتماعية بفعل قلة التجربة والفساد الذي رافق هذه العملية بحيث تراجع النمو الاقتصادي في بعض البلدان الى 0.7%. وهكذا ومع مرور الوقت تراكمت ديون ضخمة على قرابة 52 بلدا من البلدان النامية, وتقف بعض الدول النامية في قمة سلم الدول المدينة, حيث تتراكم على أندونيسيا, مثلا, ديون قدرها 199 مليار دولار, اما البرازيل والمكسيك والعراق فان ديونها في الوقت الحاضر تبلغ ,179 157 100, مليار دولار على التوالي, وهناك مجموعة اخرى من الدول النامية تقف في وسط سلم المديونية, ومنها جنوب افريقيا التي تبلغ ديونها قرابة 23 مليار دولار ونيجيريا 20 مليار دولار والسودان 17 مليار دولار, اما الدول التي تقف في اسفل سلم المديونية فان ديونها تقل عن 10 مليارات دولار ومنها موزمبيق 5.5 مليارات دولار واليمن 6.5 مليارات دولار واليمن 6.3 مليار دولار والصومال 2.6 مليار دولار, وتزيد هذه الديون على مجموع ناتجها القومي الاجمالي, ان مجموع الديون المتراكمة على كل من غانا وموزمبيق والصومال وبوليفيا, على سبيل المثال, تبلغ 249% و432% و406% و89% من الناتج القومي الاجمالي لهذه البلدان على التوالي. ومما يعقد ايضا مشكلة الديون ان خدمتها وحدها تزيد على الناتج القومي الاجمالي لبعض البلدان المدينة, فالدول الفقيرة تدفع يوميا لخدمة ديونها قرابة 700 مليون دولار, اي ما يعادل 500 الف دولار في الدقيقة, ان تانزانيا تدفع لخدمة ديونها مبالغ تقدر بأكثر من ستة اضعاف عن المبالغ المخصصة للصحة, وتوجه اثيوبيا, التي يعاني 100 الف طفل فيها من مرض الاسهال المزمن, مبالغ تفوق بمقدار ثلاث مرات على المبالغ المنفقة على الصحة, اما غانا فانها معدل ما يدفعه الفرد الغاني لخدمة الديون يساوي 258 دولارا, في حين ان نصيب الفرد من الخدمات الصحية لا يتجاوز 3 دولارات, ولا تخصص الحكومة البوليفية الا مبلغ 10.25 دولارات لكل فرد في مجال الخدمات الصحية, في حين يدفع كل مواطن بوليفي مبلغ 43.51 دولارا لخدمة الديون المترتبة على بوليفيا, وطبقا لاحصائيات منظمة الصحة العالمية, فانه من الممكن انقاذ 20 مليون طفل افريقي من الموت المحتوم حتى عام 2000 اذا ما صرفت خدمة الديون الافريقية على الصحة. ان الاسباب التي أدت, في غالب الاحيان, الى عدم تحول القروض التي تستلفها الدول النامية الى وسيلة لاحداث تغيير في البلدان الفقيرة متنوعة, منها ماهو داخلي ومنها ما يتعلق بسلوك المصادر الدائنة حكومات كانت أم مؤسسات مالية دولية, ففي غالب الاحيان توجه هذه القروض نحو مشاريع ابهة وترف غير انتاجية مما يتعارض والهدف من تقديم هذه القروض. كما يجري التلاعب والتحايل على هذه القروض لتصرف على المؤسسات العسكرية والامنية وعقد صفقات الاسلحة, وتسطو النخب الحاكمة في البلدان المدينة على حصة كبيرة من القروض المقدمة اليها عبر حصولها على العمولات عند عقد الصفقات المختلفة, ويلعب الارتفاع الكبير في كلفة المشاريع, بسبب النهب وفساد الادارة, دورا في فشل القروض بأن تلعب دورا في عملية التنمية, فعلى سبيل المثال قام الفرنسيون والايطاليون بتمويل سد (ريوبارنا) على الحدود بين الارجنتين والمكسيك بقرض قدره 1.5 مليار دولار في عام ,1978 ولكن تم انهاء هذا السد أخيرا بكلفة قدرها 15 مليار دولار. وقدمت الديون في بعض الاحيان الى النخبة الحاكمة, فقد سطت العائلة الحاكمة على 95% من القروض المقدمة الى الحكومة الاندونيسية, والادهى من كل ذلك هو ظاهرة تسرب القروض الى مواقع اخرى خارج البلدان المستقلة, فقد استلفت الحكومة العراقية في النصف الثاني من الثمانينات, مثلا, قرضا قدره مليارا دولار لتغطية مشتريات منتجات زراعية امريكية, ولكن سرعان ما تسرب هذا الى البنوك الايطالية ليتم شراء معدات عسكرية, ويؤكد نعوم شومسكي على انه في الفترة بين عام 1980 ــ 1982 تم تهريب 70% من المبالغ المقترضة لثماني دول مدينة, وتشير مؤسسة مورجان مورانتي المالية الامريكية في تقرير نشر اخيرا الى اختفاء مبلغ 189 مليار دولار من 18 بلدا ناميا في سنة واحدة مع العثور على بعض منها, 31 مليار دولار, في حسابات سرية في البنوك السويسرية والامريكية. وفي تقرير نشره البنك الدولي جرى تسمة 52 بلدا من البلدان النامية يتم فيها التلاعب بالقروض وتوجيهها الى مصادر اخرى غير تلك التي استلفت من اجلها القروض. ان تجربة تسليف القروض الى الدول النامية في المرحلة الماضية قد افرزت ظواهر سلبية لا تخدم عملية التنمية في البلدان الفقيرة, فهي اضافة الى تكريسها لعبودية من طراز جديد على هذه البلدان, عمقت الهوة الاقتصادية والاجتماعية بين فقراء العالم وأغنيائه, فالفارق في معدل العمر قد تعمق, حيث ازداد معدل العمر في البلدان الغنية الى 75 سنة في الوقت الذي بلغ معدل العمر في البلدان الفقيرة 40 سنة, وهناك 800 مليون نسمة ممن يعانون من الجوع في البلدان الفقيرة, ولا ندري كيف سيتم تطبيق قرار الامم المتحدة حول ازالة الجوع في العالم في مطلع عام ,2015 ومن المفارقة ان رأسمال بنك الاعتماد الامريكي يبلغ 2.3 مليار دولار وهو مبلغ يساوي حجم الديون على جمهورية افريقيا الجنوبية. في اطار هذه الصورة المثيرة, فان التوجه نحو العولمة وليبرالية التجارة وحركة الرأسمال سينتابه الكثير من الصعوبات كما ان انعدام تكافؤ الفرص بعمق الهوة بين العالمين وبالتالي زيادة احتمالات الاضطرابات في العالم. ولذا فان معالجة جدية لهذه المعضلة ستلعب دورا في انتشال الدول الفقيرة من فقرها الذي يشكل وصمة عار بجبين البشرية. وسيوفر لعالمنا قدرا من التسامح والاستقرار بعيدا عن دوامة العنف التي تعصف به حاليا والتي لا يسلم منها لا الغني ولا الفقير.

تعليقات

تعليقات