قنبلة الهند.. والمنظر الفاضح!!بقلم - جلال عارف

السادة في النظام العالمي الجديد بقيادة امريكا ابدوا انزعاجهم الشديد من التجارب النووية الهندية, وحتى الآن يبدو ان الرد سيكون هو.. معاقبة باكستان !! وبعيدا عن عمليات (التهويش) واعلانات قطع المعونة عن الهند, فإن الحقائق تقول ان معظم المعونات لن تمس, وان دولة مثل اليابان تقدم للهند الف مليون دولار سوف تمنع عنها 26 مليون دولار! والهند تعرف ان امريكا وغيرها من الدول المتقدمة لن تستغنى عن سوق به ألف مليون زبون.. وبالتالي سوف تستمر العلاقات والمعونات.. ان لم يكن من الباب فمن الشبابيك والسراديب.. وما اكثرها! ايضا لابد ان نغض النظر عن حكاية ان الهنود (استغفلوا) المخابرات الامريكية فلم تعرف بالتجارب الا بعد وقوعها, فإذا كانت المخابرات الامريكية قد اصابتها الخيبة القوية, فأين باقي المخابرات.. وكلها صاحية وعينها على هذه المنطقة المليئة بالاحداث والقريبة من العملاق الصيني والوحش الياباني! اما وقد وقعت الواقعة, وابدى العالم الاندهاش واظهرت امريكا الغضب, فإن كل التحركات بعد ذلك اتجهت الى باكستان.. ومع التحركات كان هناك ماهو اكثر من الغضب واشد من الانفعالات الاولية. امريكا طلبت بحزم من باكستان ضبط النفس, وبألا ترد على الهند بتجارب مماثلة وهددت بتوقيع العقوبات اذا لم تستجب باكستان. واسرائيل هددت بضرب المنشآت النووية الباكستانية معلنة بكل وقاحة انها لن تسمح لاي دولة عربية او اسلامية بامتلاك السلاح النووي لانه يمثل ــ كما تقول ــ تهديدا لوجودها, وهو الامر الذي اعاد للاذهان ذكرى ضرب المنشآت النووية العراقية, كما ذكرنا بما قاله ذو الفقار علي بوتو عند اعدامه, من انه يدفع ثمن قرار امتلاك باكستان للسلاح النووي. ومع تهديدات امريكا, وانذارات اسرائيل, لاتفلت الهند الفرصة ويعلن وزير الداخلية الهندي: (لقد تغير الوضع الجغرافي الاستراتيجي في المنطقة بعد تجاربنا النووية, ويجب على باكستان ان تطوي صفحة سياستها المناهضة للهند خصوصا فيما يتعلق بكشمير) . ولاشك ان وضعا خطيرا قد ولد في شبه القارة الهندية لكن ليس هذا مايزعج سادة النظام العالمي الجديد.. فهم على مدى نصف قرن كانوا سعداء بحروب شبه القارة الهندية التي تلتهم ثلث ميزانية الهند وباكستان, ولعلهم مازالوا سعداء حتى في ظل التطورات الجديدة, ولكن ما يقلقهم هو ضبط الوضع حتى لاينفجر في وجوههم اذا مازال احتكارهم للسلاح النووي, واذا اصبح متاحا لشعوب طال اضطهادها ونهب ثرواتها ومنعها من التقدم والتطور. ومشكلة سادة النظام العالمي الجديد وعلى رأسهم امريكا ان نفاقهم في قضية السلاح النووي لم يعد ممكنا اخفاؤه. ان الهند وباكستان لم توقعا على اتفاقية منع انتشار السلاح النووي, ولم يكن ممكنا لسادة النظام العالمي الجديد ان يسمحوا لها بذلك لولا انهم يريدون استثناء اسرائيل لتصبح القوة النووية الوحيدة وتفرض سياسة الابتزاز على الجميع. الهند لم تخرق المعاهدة لانها لم توقعها, وباكستان من حقها ان تمتلك سلاحها النووي, ونفاق الدول الكبرى الذي يريد منع باكستان من ذلك يبدو كالعورة التي لايمكن سترها امام حقيقة امتلاك اسرائيل للسلاح النووي ورفضها كل المقترحات لجعل المنطقة منطقة خالية من كل اسلحة الدمار الشامل. واذا كان الحياء قد منع دول اوروبا من اتخاذ قرارات حاسمة في قمة الدول الصناعية, فإن نفاق امريكا في هذه القضية يبدو بلا حدود. انها تتحدث عن الاخطار النووية, وفي ترسانتها ثمانية آلاف رأس نووي, وهي ترفض ان تسعى باكستان (باكستان وليس الهند) لامتلاك السلاح النووي في حين تسمح لاسرائيل بامتلاك 200 قنبلة ذرية, وتطالب العرب ان يخضعوا لهذه الحقيقة وألا يحاولوا حتى مناقشتها حتى لايغضب النظام العالمي الجديد.. وما اشد عواقب هذا الغضب! وتعرض امريكا على باكستان تحرير صفقات الطائرات العسكرية التي كانت قد عطلتها سنوات, وتعرض ايضا اسقاط ديون باكستان التي تصل الى 32 مليار دولار مقابل ان تتخلى باكستان عن مشروعاتها النووية, وتخضع للامر الواقع كما خضع العرب من قبل للامر الواقع الذي فرضته اسرائيل بمساعدة امريكا لتصبح الدولة النووية الوحيدة في الشرق الاوسط.. بكل ما لذلك من آثار سياسية وعسكرية بعيدة المدى. ويبلغ النفاق الامريكي مداه حين تترافق الضجة حول التجارب النووية الهندية, مع الضغوط والتهديدات لباكستان, مع الامعان في التدليل لاسرائيل.. وبدلا من ان تعلم امريكا من منطلق مسؤوليتها كقوة عالمية مسيطرة ان الامر كله يحتاج لمراجعة, وتدرك ان انحيازها لاسرائيل لم يكن له من نتيجة الا الغطرسة والابتزاز.. بدلا من ذلك لاتجد امريكا غضاضة في ان تبتلع كل اهانات نتانياهو, وتعلن على لسان اولبرايت ان دعمها لاسرائيل سيستمر طالما تشرق الشمس ثم يذهب نائب الرئيس الامريكي (آل جور) الى اكبر تجمع صهيوني في امريكا ويلقي خطابا نصفه بالعبرية, يؤكد فيه ان الدعم الامريكي لاسرائيل سيزداد في السنوات المقبلة (اي عندما يخلف كلينتون في الرئاسة!) وان تحالفهما مستمر من الآن.. والى الابد!! ولا جديد بالطبع الا ان ذلك يحدث في الوقت التي تطلق فيه امريكا تهديداتها ضد كل من يطمع في دخول النادي الذري الدولي, ولا يمنعها الحياء من ان تؤكد في نفس الوقت تأييدها الاعمى والاطرش والاخرس لاسرائيل وهي تبنى ترسانتها النووية وتبتز بها العالم كله وتفرض الأمر الواقع على الجميع. وسواء كانت التفجيرات النووية الهندية قد تمت دون علم امريكا فعلا, او بتغاضيها واغلاق عينيها حتى لا ترى, لانها تعلم ان ذلك يخدم استراتيجيتها ويقيم توازنا جديدا مع جارة الهند القوية.. الصين, فإن عصرا جديدا قد بدأ وسوف يفرض نفسه على الجميع. تجارب الهند النووية تكشف هشاشة النظام الدولي الجديد الذي تقوده امريكا لانه نظام لا اخلاقي يقوم على احتكار الاقوياء لكل شيء وحرمان الآخرين واغراقهم الى الابد في الضعف والفقر والجهل والتخلف. تجارب الهند النووية لابد ان تفتح الباب لآخرين لكي يسعوا لامتلاك القوة, وهذا ما يقلق الغرب ويزعج امريكا. تجارب الهند النووية تترك العرب والمسلمين وحدهم في دائرة الحصار, هم وحدهم الذين تضع امريكا عليهم الفيتو حتى لايمتلكوا شيئا من اسباب القوة. وهم الضحايا ولكنهم متهمون بالارهاب وهم (العدو) الذي تحاول امريكا (اختراعه) لتحشد الغرب وراءها في حرب صليبية جديدة بعد ان سقط (العدو) الشيوعي واعلن الاستسلام. والمنظر فاضح.. العراق يتعرض الآن لحرب التجويع والابادة لان هناك شكا في انه يمتلك الخبرة لانتاج السلاح المتقدم, وليبيا محاصرة لانها انشأت مصنعا لانتاج الغازات السامة.. او هكذا تتهمها امريكا, والعرب ممنوعون من مجرد التفكير في اللحاق باسرائيل عسكريا, وهم الآن يخترعون وهما اسمه (القنبلة الذرية الاسلامية) ويحشدون الجهود لمنع خروجها الى الوجود. فهل تفعلها باكستان.. ام تخضع للضغوط وتستسلم للابتزاز؟! واين نحن مما يجري حولنا؟ هل سنظل نتفرج قانعين بموقعنا على هامش التاريخ.. ام نقرأ الاحداث جيدا, وندرك ان عصرا جديدا قد بدأ, وان الفقراء والضعفاء يستطيعون ان يفرضوا وجودهم اذا امتلكوا العلم والارادة, وان احتكار الكبار للقوة لايمكن ان يكون ابديا. التاريخ لم ينته ــ كما زعم البعض ــ بخضوع العالم للسيطرة الامريكية وهناك صفحات كثيرة مازالت تنتظر من يكتبها, ومازلنا ــ رغم النكبات والنكسات ــ قادرين على ان نقول كلمتنا.. اذا امتلكنا الارادة, وتسلحنا بالعلم, واستهدفنا العدل والحرية. فهل نفعل؟! قولوا: يارب

تعليقات

تعليقات