أبجديات: بقلم - عائشة إبراهيم سلطان

لن نزايد على توجيهات الاديان, أو ميراث الحضارات, فذلك أمر ليس بالامكان, كما انه ليس واردا ان نأتي بما لم يأت به الاوائل, عندما نعد العدة للحديث عن ذلك المعنى والوجود الدافىء ابدا... العائلة أو الاسرة هي كل الدفء واللجوء, والوجود . الاسرة هي المعنى الأعظم الذي لا يمكننا مقايضته بدفء العالم المصنع, ولا بحنان يباع ويشترى على الطرقات, ولا بأي حب, عندما يكون الثمن تحطيمها, فلقد تعلمنا قبل ان نعرف اصول علم الاجتماع, انها اللبنة والأساس, والبداية الاولى في منشأ المجتمعات والحضارات. لا نفشي سرا حين نقول بأن الاسرة في الامارات تتخبط, وتهتز وتعاني من ضربات قاسية لا تأتي من فراغ, ولا توجه بعشوائية, وتفاجئنا الجداول والمعلومات المبثوثة على الصفحات بأن نسب الطلاق عالية ويزداد سقفها ارتفاعا كل يوم, وبأن المحاكم تضج بسيدات ورجال ينفصلون عن بعضهم بسهولة تامة, تماما كأنهم يحتسون كوبا من (الكاباتشينو) على قارعة الطريق, ويمضون! بعد سنين, عندما يصبح تغيير شكل المأساة مستحيلا, سيتذكرون بأنهم تركوا بالفعل جزءا من نفوسهم على قارعة ذلك الطريق الوعر, وبأنهم ضيعوا أبناءهم بنزق وأنانية, وفقدوا طوال العمر دفء الحياة في فورة عناد شيطانية! في اسبوع وربما اقل من ذلك, تصلك اخبار شتى, اسوأها على الاطلاق خبر طلاق او انفصال احمق لزواج لم يتح له اصحابه ان يتنفس لأكثر من شهرين! ولم تصل ضرورته الى حافة اليأس, وانما وصل طرفاه الى شفا هاوية من الحماقة والانانية, وكان هناك من يسكب المزيد من الزيت, ومن يتفرج بقلب بارد! وعندما يقع الذي نعرف بأنه الابغض حلالا عند الله, نجد الجميع وببساطة يتمسحون بالغيب, ويعتزون بالقدر الذي كان مكتوبا ولا بد ان تراه العيون! ويبدأ الجميع يتسلون بتفاصيل الرواية ويقلبونها على جميع وجوهها يقتلون بها فراغهم وفضولهم, الى ان تلوح مأساة طلاق ثانية... وهكذا!! بعد هدوء العاصفة, استعادت تلك السيدة ذاكرة الامومة, وبدأ الحنين للوجوه القدسية يطرق قلبها بمطارق من شوق ولوعة, وبعد شهور من المحاكم والجلسات التقت بأطفالها, فاجأها الصغير وهو يندس في احضانها كقطعة سكر يكاد يتلاشى ولهاً: ماما انا احبك كثيرا, وافتقدتك لانك تشبهين أمي كثيرا كثيرا!! فارتج المكان, وانشطر قلب الأم. هذه هي المأساة, فلا مأساة اكبر من ان ننكسر ونضيع من قلوب ابنائنا ونحن على قيد الحياة, ونفقد صلاتنا بهم ونحن معهم, ومن هنا نصرخ ملء الدنيا لابد من تحرك, ولابد من حل ينتشل المجتمع ويحفظ كيانه وترابط اسره, ودفئه الذي بدأ يغادره ويتركه عاريا في وجه رياح عاتية تهب علينا من اكثر الجهات صقيعا. المجتمع بحاجة لمن يثبت اركانه, والاسرة ركنه الاول تلقي عبئها في هذا المجال على وزارة الشؤون الاجتماعية, وعلى مجموعة الباحثات الاجتماعيات اللواتي نطالب بتفعيل دورهن بحيث يصبح السد المنيع امام الخلافات الزوجية كي لا تصل الى ساحات القضاء, وبوابات المحاكم لأمور هي التفاهة عينها. ان بحث الحالات الطارئة والخلافات الزوجية المختلفة, والتي يمكن ان تنتهي بسلام, وحتى تلك الاشد تعقيدا او شراسة, مهمة ضخمة نلقيها في ملعب وزارة الشؤون الاجتماعية كي تتصدى لها قبل ان تفكر المرأة او يفكر الرجل في طرق باب المحامي او القاضي, وزارة الشؤون الاجتماعية اليوم مطالبة بأن تخرج من اطار موزع (المعونة المالية الشهرية) الى دور توزيع (الحماية الاجتماعية) وهو نظام معمول به في اكثر المجتمعات تقدماً. لقد جربنا كل الطرق سعادة فأيقنا بأن اكثرها أماناً, طريق الانسان الى أسرته.

تعليقات

تعليقات