من شواهد تقنين الحرية: بقلم - د. حنيف القاسمي

في نهاية مقالة الاسبوع الماضي اشرت الى ان الدعوة الى صيانة الثوابت والمحافظة على القيم لم تعد قاصرة على الشرفاء من المنتمين الى هذه الثقافة, حيث ان هناك اصواتا عديدة ودعوات متصاعدة تطالب بذلك ليس في الشرق الاسلامي فحسب, بل وفي الغرب العلماني وهي الاصوات التي بدأت تلح وتضغط من اجل اقرار عقد اجتماعي جديد, تمارس فيه الحرية في اطار منظومة تتحقق فيها قيم واخلاق مستمدة من ثوابت المجتمع, وعلى نحو يضمن السلامة من المنزلق الذي آلت اليه مجتمعات التفلت. وقبل ان اورد نماذج من تلك الاصوات, استأذن في الاشارة ــ بايجاز ــ الى نموذج جديد وصارخ للابتذال المستمر, بطله هذه المرة رئيس تحرير جريدة عربية (دولية) تصدر في لندن. وقد تجلت جرأة صاحبنا في مقابلة تلفزيونية بثتها احدى القنوات الفضائية العربية مساء الثلاثاء الماضي 98/5/19, وذلك عندما قرر سيادته جملة من الاحكام الغريبة, فبعد ان ابدى اعجابه الشديد بفن وابداع مايكل جاكسون, واثره العظيم في اثراء الفن العالمي, افتى بأن وضع الرجال الحلق في آذانهم يعد من قبيل ممارسة الحرية الشخصية, ولا يستدعي اي استغراب او استنكار!! وقبل مناقشة هذا التفسير لمفهوم الحرية الشخصية, والثناء على النماذج الغربية المخنثة, اذكر ضجة كبرى حدثت في الهند في عام 1993, احدثتها زيارة كانت مقررة لمايكل جاكسون, وذلك عندما انبرت جماعات هندوسية لافشال تلك الزيارة المتوقعة, بل ومنعها, معتبرة تلك الزيارة والحفلات الغنائية والتي كانت من المقرر ان يقيمها جاكسون اساءة الى ثوابت الشعب الهندي, بل واتهمه الزعماء الهندوس بأنه سيلوث ثقافة الهند! بعد استعراض موقف صاحبنا المثقف العربي ومقارنته بموقف الهندوس لايستطيع المرء كظم غيظه وحزنه للهوان الذي آلت اليه منظومة القيم لدى طائفة من مثقفينا في هذا الزمان, وفي وقت يتدافع فيه الآخرون الى انقاذ ثوابتهم الفكرية وعاداتهم واعرافهم الثقافية, واحاطتها بسياج يمنع الاختراق الثقافي الذي قد يستهدف تلك الثوابت والاعراف. بالطبع لايمثل موقف الجماعات الهندوسية في الهند شذوذا في شأن المحافظة على خصائص الهوية الثقافية للمجتمع, فهناك درس آخر من ماليزيا التي شهدت في العام الماضي حملة ضد فئة مترفة من الشباب, استهوتهم صرعة غربية تمثلت في (البانكس) حيث دأب اولئك الشباب على قص شعورهم بطريقة معينة, ثم تلوينها بألوان زاهية متعددة بعد استخدام المواد اللاصقة لتشكيل الشعر بأشكال مختلفة (مصر تريد حلا: 113). وقد تصدى لتلك الحملة على تلك الفئة رئيس الوزراء الماليزي الدكتور مهاتير محمد, وانتقدها بصورة علنية, وقال: ان هؤلاء (البانكس) بدلا من ان يأخذوا عن الغرب قيمه الايجابية في الجد والاتقان والانضباط في العمل والانتاج, فإنهم نقلوا عنه السلوكيات السلبية, والتي هي ضمن اسوأ ما فيه. وقد اعقب خطاب رئيس الوزراء قرار اصدره وزير التعليم الماليزي يمنع فيه البانكس من دخول المعاهد والمدارس مالم يغيروا من هيئتهم, ويتخلوا عن تلك الصرعة الشاذة التي استهجنها المجتمع الماليزي يضاف الى الموقف الماليزي الحازم تجاه تفشي العادات والسلوكيات الغربية الشاذة ما قامت به عدة دول في جنوب شرق آسيا للمحافظة على الهوية الثقافية لتلك المجتمعات من التأثير السلبي للثقافة الغربية الوافدة عبر القنوات الفضائية وشبكة الانترنت وغيرها, وقد سعت الى تحقيق ذلك عن طريق تقنين استخدام هذه الوسائل في اطار من الضوابط التي تضمن عدم تسريب مواد ذات صلة بالعنف او الفحش. وفي بريطانيا تم عقد عدة ندوات لبحث سبل توجيه استخدام الانترنت ومكافحة الاباحية والعنف في تلك الشبكة بالاضافة الى توجه الحكومة هناك الى فرض رقابة مشددة على الانترنت, وذلك لمنع مواطنيها من مشاهدة مواقع اباحية تتنافي مع سلوك الآداب العامة. كما تتجه الحكومة الى انشاء نظام اطلق عليه (حماية الشبكة) , وهو جهاز الكتروني يتلقى ويرصد المكالمات والاتصالات التي تستهدف الابحار والتجول في مواقع اباحية مخلة بالآداب, او تلك التي تثير موضوعات وقضايا خارجة عن القانون, مثل العنصرية والنازية وشبكات المافيا. توجه الحكومة البريطانية الى محاصرة العنف والاباحية قوبل بترحيب شعبي كبير, واشارت استطلاعات الرأي هناك الى تأييد متزايد, وكذا كان موقف المؤسسات والجهات العلمية حيث اعتبرت هذه المؤسسات ان تقنين استخدام الشبكة سوف يحمي المواطن البريطاني من التعرض لمواقف محرجة ومخزية خلال ابحاره في الشبكة المعلوماتية. في ضوء النماذج المتقدمة يتبين ان هناك ضرورة في المحافظة على الثوابت مع التعامل مع معطيات التقنية الحديثة بادراك ومسؤولية. ولا يعني ذلك ــ بطبيعة الحال ــ جمودا او انعزالا او انغلاقا, فالنماذج المستشهد بها تثبت عكس ذلك تماما. بقيت همسة اخيرة نوجهها الى دعاة الانفلات, وهي تتضمن دعوة ورجاء بتطور وعينا الفكري الى مستوى مثقفي الهندوس حين دعوا الى صيانة ثقافتهم وعدم تعريضها لتلويث مايكل جاكسون واشباهه, فلسنا نطمع في اكثر من ذلك.

تعليقات

تعليقات