ملاحظات حول الخلاف الأمريكي الإسرائيلي: بقلم- مصطفى كمال

ظاهر الامر يوحي بأن تكتيكات السياسة الامريكية في الشرق الاوسط لم تعد متطابقة تماما مع توجهات الحكومة الاسرائيلية الراهنة التي يعبر عنها بنيامين نتانياهو باصرار, على رفض مبادرة واشنطن الاخيرة لانقاذ عملية السلام من المأزق الذي تجمدت عنده منذ ما يقرب من عامين كاملين . وأول ما يلاحظ حول الخلاف بين الموقفين ان واشنطن لم تعلن عنه, بل انها حتى الآن لم تعلق رسميا تفاصيل المبادرة التي رفضها نتانياهو مكتفية في ذلك بالتلميح دون التصريح. وذلك على العكس من رئيس الوزراء الاسرائيلي الذي يصرح في كل مناسبة وغير مناسبة بأنه لن يقبل اي ضغوط امريكية, وان امن اسرائيل من شأنها وحدها ولن يسمح للولايات المتحدة ان تملي عليه شيئا لا يرضاه. اما الملاحظة الثانية فهي ان خبرة السنوات الخمسين الماضية من العلاقات الامريكية ــ الاسرائيلية توضح جيدا ان اي خلاف بين الحكومتين لا يمكن ان يرقى الى المستوى الاستراتيجي او حتى يقترب منه... وانه سرعان ما يتم احتواؤه لتعود العلاقات المتبادلة اقوى ما كانت. بل ان العادة جرت على ان تبادر واشنطن بتقديم ترضية مناسبة للشريك الاسرائيلي قد تكون على شكل صفقات اسلحة اضافية او تحويل بعض القروض الى هبات ومنح لا ترد, او الضغط على بعض حكومات العالم الثالث لتنشيط علاقاتها مع اسرائيل. واما الملاحظة الرابعة فهي اننا نشهد الآن وضعا عربيا لم يسبق له مثيل في التاريخ, وهو ان دولة صغرى في حجم اسرائيل هو التي تمارس الضغط العلني خاصة دولة كبرى في حجم الولايات المتحدة التي اصبحت بحكم الواقع منفردة بزعامة العالم.. وان يصل هذا الوضع لدرجة ان يتوجه رئيس الوزراء الاسرائيلي بنفسه الى امريكا دون وعد من رئيسها. لكي يمارس من هناك ضغوطا ضد الادارة الامريكية عن طريق اولياء اسرائيل في الكونجرس, وجماعات اللوبي الصهيوني المنتشرة في جميع الولايات المتحدة. وفي مقابل ذلك تعلن مادلين اولبرايت وزيرة الخارجية الامريكية ان الولايات المتحدة لن تحاول ان تعرض حلا على اسرائيل, وانها اي الولايات المتحدة تعتبر التزامها نحو اسرائيل قاعدة استراتيجية غير قابلة للاهتراز ثم تضيف في كلمة لها منذ ايام بالنادي القومي للصحافة بواشنطن, اننا نبرهن دائما على صدق هذا الالتزام نحو الوطن الاسرائيلي ليس فقط بالكلمات ولكن بالافعال وذلك من خلال كفاحنا المشترك ضد الارهاب (يعني ضد المقاومة الفلسطينية) وبالمساعدات التي نقدمها لاسرائيل بسخاء, وفي الخطوات العملية التي اتخذناها ونتخذها من اجل ضمان التفوق العسكري لاسرائيل, بما في ذلك تزويد اسرائيل بالطائرات الحربية من طراز اف ــ 151 وهو آخر ما وصل الى ترسانة القوات المسلحة الامريكية... الخ. هذا ما صرحت به السيدة اولبرايت بالنص واذا كان كل ما قالته معروف وليس فيه اي جديد فان ما يلفت النظر هنا هو ترديده في هذا الوقت بالذات, وكأن الهدف من ذلك هو تأكيد ان التعاون بل التواطؤ الاستراتيجي بين امريكا واسرائيل ــ لن يتأثر بسبب تعثر عملية السلام, وانه ليس في نية واشنطن تحت اي ظرف من الظروف ــ ممارسة الضغط على نتانياهو حتى يخفف من تعنته حتى ولو كان ذلك هو الطريق الوحيد لاحياء عملية السلام. وهذا بالتحديد هو مربط الفرس فاذا كانت واشنطن لا تريد اولا تستطيع الضغط على اسرائيل فان احدا لا يطالبها بذلك. وانما ما يطلبه العرب من امريكا هو ان تكف عن مساندة العدوان الاسرائيلي القائم على ارضهم. فهذا العدوان الآثم في الضفة الغربية وفي الجولان, وفي القدس وفي الجنوب اللبناني لا يستمد وجوده واستمراره الا من المساعدات الامريكية الضخمة العسكرية والمالية التي تتعهد السيدة أولبرايت بأنها غير قابلة للمساس, وانها (سياسة استراتيجية ثابتة) للولايات المتحدة الامريكية. ثم نأتي بعد ذلك للملاحظة الخامسة حول الخلاف العارض بين الموقفين الامريكي والاسرائيلي بشأن مبادرة واشنطن لاحياء عملية السلام, فنشير اولا إلى ان المفاوضات الفلسطينية الاسرائيلية من اجل انجاز المرحلة الثانية من اتفاقيات اوسلو كان يفترض ان تبدأ مباشرة بعد المرحلة الاولى التي تضمنت الانسحاب من غزة ومن مساحة لا تتعدى 3% من الضفة حول مدينة الخليل. وكان المفروض ان تشمل محادثات المرحلة الثانية الانسحاب من نحو 40% من اراضي الضفة, على امل ان تبدأ بعدها مباشرة محادثات المرحلة النهائية بحيث يتم الانسحاب الاسرائيلي من مساحة تصل إلى 85 ــ 95 بالمائة من اراضي الضفة, وعلى ان يشمل ذلك الاتفاق الوضع النهائي للقدس. ولكن الذي حدث هو ان حكومة حزب العمل سقطت قبل استكمال محادثات المرحلة الثانية وجاء نتانياهو فأعلن منذ اول لحظة عدم اعترافه بما نصت عليه اتفاقيات اوسلو, ولا بما تم التوصل اليه مع حكومة حزب العمل, وهكذا توقفت مفاوضات المرحلة الثانية وتوقفت عملية السلام بأسرها وأدى ذلك في النهاية إلى توقف الشق الثاني من (مدريد) الخاص بالمفاوضات المتعددة الاطراف ولم تنجح كل محاولات احياء عملية السلام على مدى ما يقرب من عامين, حتى قدمت واشنطن مبادرتها (التي لم تعلن رسميا حتى الان) وتقضي بأن تنسحب اسرائيل من مساحة تبلغ نسبتها 13.1% من اراضي الضفة الغربية, ولكن نتانياهو تجمد عند نسبة 9% لا يتزحزح عنها خطوة واحدة. وفي الناحية الاخرى, اعلنت السلطة الوطنية الفلسطينية قبولها بالمبادرة الامريكية مع ان النسبة التي قيل انها اقترحتها لا تصل إلى ثلث المساحة التي نصت عليها المرحلة الثانية من اوسلو. والمدافعون عن مواقف عرفات يقولون انه قبل المبادرة الامريكية وهو يعلم سلفا ان نتانياهو سوف يرفضها, وبالتالي يكون قد نجح في خلق نقطة خلاف بين امريكا واسرائيل. ولكن ماذا سيكون عليه الحال لو أن عملية الشد والجذب الجارية الآن بين نتانياهو والادارة الامريكية انتهت إلى تسليم رئيس الوزراء الاسرائيلي بنسبة إلى 13.1% أو شيء قريب منها؟ مع ملاحظة ان ذلك سيكون ــ لو حدث ــ في مقابل امتيازات اضافية تحصل عليها اسرائيل. ان اول ما يتبادر إلى الذهن هنا سؤال يقول: اذا كانت اسرائيل قد احتاجت إلى كل هذا الوقت والمماحكة بحجة الامن لرفع نسبة الانسحاب من 9% إلى 13% أو ما حولها, فماذا سيكون عليه الموقف الاسرائيلي عندما يكون الامر متصل بالانسحاب شبه الكامل (85 ــ 90 بالمائة) كما تقضي بذلك المرحلة الثالثة من اوسلو, والتي يجب ان تنتهي قبل منتصف سنة 1999؟ ام انه لن تكون هناك مرحلة ثالثة على الاطلاق أو على الاقل لعدة سنوات طوال؟ ثم تبقى ملاحظة اخيرة قد ينبغي الانتباه اليها على ضوء تجاربنا السابقة مع الامريكيين والاسرائيليين. تلك هي انه من المحتمل جدا ان يكون الخلاف الظاهر على السطح بين الادارة الامريكية والتعنت الاسرائيلي فيه من المبالغة الاعلامية اكثر مما فيه من حقيقة, وان يكون احد اهدافه هو غسل وجه السياسة الامريكية من وصحة الانحياز الاعمى لاسرائيل, حتى يكون العرب اكثر اطمئنانا إلى وساطة الولايات المتحدة وإلى اي حل تراه. هذا بالطبع مجرد احتمال, وعسى ان يكون من باب سوء الظن, ولكن الايام القليلة المقبلة ستبدي لنا الحقيقة كاملة, وكل ما نرجوه الا تكون مفاجأة غير محسوبة.

تعليقات

تعليقات