رجال العصابات: بقلم - د. مصطفى محمود

كتبت الصانداي تايمز في صفحتها الأولى صباح الأحد 3 مايو الماضي عن تحقيق يجرى عن الدعم العسكري الذي قامت به الحكومة البريطانية لإسقاط نظام الرئيس بول كوروما رئيس سيراليون ويتضمن الدعم تدريب أربعين ألفا من الميلشيات المحلية بالتعاون مع قوات نيجيرية وتوريد شحنات من المدافع من المجر مع ذخائرها وعدد من الجنود المرتزقة وكان الوسيط في العملية هو الضابط ليوتنانت كولونيل تيم سبيسر وهو ضابط متقاعد من أصل بوسني في جيش فوكلاند ومدير لشركة ساند لاين البريطانية وكان الثمن المدفوع عشرة مليون جنيه استرليني قدم عن طريق تسهيلات وخصومات في صفقات الماس. وكان نتيجة هذا الانقلاب هي مائتان من القتلى وفرار الرئيس كروما وعودة الرئيس القديم المخلوع أحمد تيجان. والعملية مخالفة صريحة لقرارات الأمم المتحدة التي صدرت في أكتوبر برقم 1132 والتي تنص صراحة على عدم جواز التدخل العسكري بالمال أو السلاح بهدف إحداث الانقلابات في الدول التي تمزقها الحروب. والعملية تعود بذاكرتنا إلى عملية قريبة في زائير هي خلع العميل الفرنسي موبوتو سيسيكو التي قامت بها أمريكا بمساعدة اسرائيل واحلال عميلها كابيلا مكانه وإلى ذكريات سابقة أليمة في رواندا وبوروندي بعد سقوط طائرة الحاكم وحروب الابادة التي اشتعلت بين قبائل التوتسي والهوتو وبلغت ضحاياها مليون قتيل. والذاكرة تعود بنا إلى موضوع اكبر وأخطر هو ملف التحقيقات الذي فتح في عهد تاتشر للتحقيق في صفقات السلاح التي أرسلتها انجلترا إلى الرئيس العراقي صدام حسين أيام حرب العراق مع ايران. وأقرب إلينا من هذا عملية استدراج عبد الناصر إلى حرب 67 وهزيمته أمام جيش اسرائيلي مدعوم بالطائرات والدبابات من أمريكا.. ويتكرر نفس الشيء في الحروب التي تجرى الآن في جنوب السودان لضرب الحكومة الاسلامية هناك وهي عمليات تجرى جميعها في سياق واحد هو ادارة وصناعة الانقلابات في الدول النامية بهدف اخضاعها واستنزاف خيراتها ولو أدى هذا الاستنزاف إلى ملايين القتلى وإلى تخلف هذه الدول النامية وسقوطها وراء التاريخ . يجرى كل هذا تحت شعارات كاذبة وادعاءات زائفة متكررة من الغرب بأنه حليف وصديق ورسول سلام وتقدم وتمدن وأنه رمز القانونية والالتزام.. وأنه هو (النظام العالمي الجديد) الأمثل. هكاذ تكلمون دائما ولكن أفعالهم تقول دائما شيئا آخر. فوراء كل هذه الانقلابات أطماع في أسواق هذا العالم النامي وبتروله وكنوزه من الذهب والماس واليورانيوم.. وأطماع في أرضه.. وفي مستقبله.. وفي أقواته . وبين الصورة الظاهرة و(النيجاتيف) الحقيقي للنوايا .. فارق الظلمة من النور والباطل من الحق. ويتطور التاريخ لتقوم بهذه العمليات القذرة الآن شركات كبرى للتصدير والاستيراد وعملاء وعصابات ارهابية لتدريب المرتزقة.. بدلاً من أن تخوض الدول الاستعمارية صاحبة المصلحة حروبها علانية كما كانت تفعل في الماضي.. ومن الشركات الأجنبية الآن ما تزيد ميزانياتها على ميزانيات دول. وما جرى في الأقصر وما يجري في الصومال وما يدور في الجزائر نماذج أخرى من هذه المخاطرات المحسوبة التي تباشرها الدول الكبرى بهدف التهديد أو الانذار أو لفت النظر إلى أن هذا الحاكم أو ذاك قد ذهب أبعد من اللازم في تطلعاته الوطنية . وفي الملف الاستعماري تطور أخطر وأكثر خفاء .. هو تدمير ثقافة الدول النامية وعقائدها وأديانها.. والتوصيات التي تقدمت بها أمريكا للوزارات المختصة بإلغاء مادة التربية الوطنية من كتب أولادنا واعادة كتابة التاريخ ومحاولة محو الذاكرة التي تخص هذه الحروب بحجة أنها تربي الكراهية والنفور الذي لا يصح أن يكون بين أصدقاء أحباء يسعون إلى السلام ( وأين هو ذلك السلام؟؟!!) ولا مانع من أن يصبح شيخ الأزهر الجديد هدفا لكل زائر أمريكي كبير وافد .. فالأزهر نفسه وهو قلعة الدين وحصنه الحصين والذاكرة الأمينة لكل علومه الأصولية.. هو الآن الهدف الأول المطلوب هدمه.. فكيف يكون (الكتاب) الذي يلعن اليهود ويفضح فسادهم وافسادهم.. كتابا مقدسا عظيما اسمه القرآن يتلى في كل بيت ويدرس في كل معهد ديني.. وكيف يكون من يلعن اليهود ومن يبشر اسرائيل بالفناء هو الله نفسه.. ويكون لأي يهودي بعد هذا أمل في اسرائيل كبرى أو صغرى .. إنه تجديف وكفر لا يمكن أن تسمح به دول كبرى دورها الأول هو زرع اسرائيل في مصر ورعاية نموها وازدهارها.. وسوف نسمع عن المزيد من هذا الصدام . وسوف نكون شهودا لمعركة سوف تتعدد فصولا. ولا شك أن أحد فصولها سيكون دق اسفين بين المسلمين والنصارى في مصر ومحاولة الادعاء بأن هناك اضطهادا دينيا.. والتهديد بعقوبات اقتصادية وقطع المعونة .. ونسمع هذا من الآن رغم أن وفد الكونجرس الذي جاء للتحقيق في الموضوع.. كانت كل أقواله تنكر هذا الاضطهاد. انه الافتراء دائما. ولا مانع من أن يعاودوا الافتراء مرة أخرى وأخرى. ولا مانع من أن يشفعوا افتراءهم بأعمال ارهابية مفتعلة وتفجير الكنائس والمساجد. ويعيشيون منعمين مترفين في شقق فاخرة في جنيف ولندن غارقين في بحار الشمبانيا. وهذا يعني أن استعمار اليوم لا يتعجل أمره.. وأن أسلوبه المفضل أصبح أسلوب النفس الطويل.. إنه الآن لا يتحرك بجيوشه ليحتل مدنا أو يحاصر قلاعا محصنة كما كان يصنع الصليبيون في الماضي البعيد وإنما .. هو يتسلل الآن إلى الجذور ليقتلعها.. ويسمم الآبار .. ويقتل البذور.. ويلوث الينابيع وينشر الجراثيم ويبث الأفكار الأشد قتلا من الجراثيم. والفيلم السينمائي .. والخبر الكاذب.. التلفزيون الترفيهي.. والفكر المادي الملحد.. والعلمانية المنحلة ونشر العادات الاستهلاكية.. والرفاهية السطحية.. والعادات المظهرية .. والمسلسلات التي تقتل الوقت .. والاعلام المفترس الذي ينهمر علينا من الأقمار الصناعية عبر الفضاء ليمغنط العقول الفارغة .. وليفرغها من محتوياتها أكثر فأكثر.. كل هذا هو استثمار ذكي جديد في ثوب باهر من الالكترونيات يأخذ بالألباب وينسيك تماما أنه استعمار.. وانه عدوان عليك. وينسيك نفسك.. وينسيك مصالحك.. وينسيك أولادك. والعدوان على العقل يجرى الآن على عدة مستويات وعلى عدة أصعدة.. على صعيد الاعلام التليفزيوني.. وعلى صعيد الجريدة المحلية.. وعلى صعيد الكتاب (في الجامعة الأمريكية الآن كتاب مقرر على الطلبة يشتم النبي عليه الصلاة والسلام ويسخر من الاسلام لمؤلف شيوعي يهودي هو ماكسيم رودنسون).. وعلى صعيد الفيلم.. وعلى صعيد الأغنية . وعلى صعيد الاقتصاد نجد ما هو أكثر (فيعتدي على جيبك من خلال التضخم والغلاء والبطالة ويتعدى على عقلك من خلال أفلام خرافية بلا معنى) وكل هذه الخيوط يمسك بأطرافها استعمار اليوم وحيتان الصناعة والاقتصاد.. أمريكا وانجلترا وأوروبا واسرائيل هم رواد هذا العدوان. وأنت وأنا.. وكلنا.. أردنا أم لم نرد.. في حرب مستمرة مع كل هذا فهكذا أراد بنا النظام العالمي الجديد.. الذي تمسك بأطرافه أمريكا.. وبين أنامل أمريكا تختفي اسرائيل.. وفي كفها يختفي أحبار الهيكل بأحلامهم المجنونة.. لنعيش في حرب لا تنتهي . وكنت أظنها حربا قصيرة المدى تنتهي من الخمس سنوات القادمة.. ولكني أراها اليوم .. أطول مما ظننت .. وربما أظلت العشر سنوات القادمة.. وربما أكثر .. إلا إذا تداركنا الله بلطفه. انه الامتحان الطويل الذي لن تكون نهايته إلا نهاية الدنيا نفسها. وهو عمليات الجرد لحصار التاريخ كله والتصفيات النهائية لعداوات العصور . ووقفة كل نفس ما هي الآن مع الله أو لا وأخيرا .. وما كل هؤلاء إلا أدواته وأسبابه لامتحاننا واختبارنا .. وما التاريخ كله .. إلا ملفات لأمم بأفرادها ورؤوسها وحكامها.. وهم يمرون واحدا واحدا أمام جهاز تسجيل دقيق لا يفوته شيء وكلهم آتيه يوم القيامة فردا.. (ومع كل فرد كتاب أعماله). (وكذلك جلعنا في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها) . إن التاريخ كله والسياسة عبر هذا التاريخ هي مسلسل طويل متتابع مع الاجرام والمكر .. يتولاه أكابر المجرمين الذين كانوا رؤوس هذا التاريخ وأباطرته وحكامه. وما يفعل رؤوس عصابات اليوم.. إلا ما كان يفعله رؤساء عصابات الأمس .. وهم اليوم أكثر نفيرا.. وأكثر جندا. واقرؤوا التاريخ من أوله يا سادة.. من أيام قابيل وهابيل.. إلى حروب التتار والمغول والفندال إلى حروب الاسكندر وهانيبال إلى حروب هتلر ونابليون . انه طريق دموي كله . وفي كل خطوة كان المحاربون يقولون أنهم يحاربون من أجل العدل ومن أجل السلام. وأين هو العدل..؟ !!! وأين السلام ..؟!!! سلام على ابراهيم في العالمين . إنما توجد روائح السلام حيثما توجد روائح النبوة .. وما عدا ذلك أكاذيب . الجراحون العظام طريقي مع الجراحين كان طريقا طويلا وأليما.. وكانت آخر جراحه لي منذ شهور هي الجراحة رقم 23 في حياتي وكانت اليد الحانية التي أسعفتني هي يد الجراح الماهر جراح المخ والأعصاب الدكتور أحمد زهدي الذي أجرى لي جراحة ناجحة لعلاج نزيف خارج المخ.. وما أن تعافيت منها حتى وقعت في إشكال جراحي آخر.. كشفت عنه صور الأشعة لشرايين الرقبة .. فقد كشفت الأشعة عن انسداد الشريان السباتي الأيمن الذي يغذي المخ وكان تقدير أخصائي الأشعة أن الانسداد يبلغ مداه سبعين في المائة.. وأنه لابد من جراحة فورية.. وهذه المرة كانت الجـراحة أدق وأخطـر فالقطع سيكون لشرايين الرقبة ذاتها.. ووقع الاختيار على الدكتور روبرت تيلور أخصائي جراحة الشرايين في لندن ووافق الدكتور كمال الجنزوري مشكورا على سفري الفوري للعلاج على نفقة الدولة.. وبعد ساعات.. كنت ممددا على مائدة العمليات للجراحة رقم 24 في حياتي. وأرجو أن تكون الخاتمة.. وأفقت بعد ساعات من البنج الكلي.. ليقول لي الجراح الانجليزي في دهشة كيف كنت تعيش بهذا الشريان .. لقد كان مسدودا تماما لأكثر من تسعين في المائة.. وكيف كنت تفكر وكيف كنت تكتب بهذه القطرات القليلة من الدم التي تصل إلى المخ. لقد جئنا بك من عالم الموتى في آخر لحظة. ولم أصدق أني فتحت عيني .. وعدت أفركها جيدا.. وأنا أقول له.. لا أظن أن يدا يمكن أن تأتي بأحد من عالم الموتى.. لقد عدت يا عزيزي.. لأنه ما زال لي دور أقوم به.. ولأنه لم يأت الأجل بعد. وكانت الجراحة مؤلمة.. وتمنيت ألا أعود مرة أخرى لتلك الاغفاءات الطويلة من البنج الكلي. ان 24 جراحة في حياة فرد واحد هي كم كبير من الآلام. وعدت أشكر الأيدي الخبيرة التي أنقذتي .. وأشكر العناية الإلهية التي هدتها.. ورجوت أن تمضي بقية العمر في هدوء لا تقطعه سكاكين الجراحين ومشارطهم, والأمر لله دائما من قبل ومن بعد . وهل لنا من الأمر شيء ؟؟!! يقول الله لنبيه العظيم.. النبي الخاتم وهو من هو في كماله (ليس لك من الأمر شيء) . لقد نفذ امر الله منذ الأزل.. ولا تبديل لكلمات الله. وإذا أراد الله بأحد رحمة.. فلا ممسك لها وإذا أراده بعذاب فلا منقذ له من دونه. ولله الشفاعة جميعا سبحانه لا يشرك في حكمه أحدا.. هكذا يعلمنا اسلامنا أنه لا ارادة في الكون سوى ارادته.. وأن أي ارادة أخرى تغير و تبدل إنما هي بتكليفه ولو غاب عنها ذلك التكليف ولو ظنت انها تعمل منفردة . وكل من يضر وينفع في هذا الكون انما يضر وينفع بتسخيره . يقول الشيخ الأكبر ابن عربي ان كل ما في الكون متحدث باسمه سبحانه.. كل ما في الكون كلماته وتجلياته وأحكام أسمائه وصفاته وقدره المقدور . لا إله إلا هو يتجلى في الوجود **** خلقا وصنعا وحكمة وملكا كبيرا ظاهرا اينما تلفت القلب في **** السموات والأرض رامزا ومشيرا صفحة الكون إن تأملت رقة **** المنشور سطرت صفاته بها تسطيرا اينما توجهت ثم آياته تلوح **** للعين تبهر السميع البصيرا هي أسماؤه وأوصافه تجلت **** صورا توقظ الألباب والتفكيرا

تعليقات

تعليقات