التعليم الياباني قاطرة الاعجاز في التقدم!، بقلم: أ.د مصطفى رجب

تثير التجربة اليابانية او المعجزة اليابانية الفكر الباحث المنقب المستفسر عن اسرارها في مختلف انحاء العالم في امريكا واوروبا , حيث يعكف اهل العلم والتقدم والتكنولوجيا على دراسة الانجاز الاستثنائي لهذا البلد الشرقي الذي ينافسهم في امضى اسلحتهم ومخترعاتهم. كما يثير دهشة سكان العالم الثالث واعجابهم من ناحية اخرى دون ان يتمكنوا من اللحاق به على كثرة ما حاولوا وجربوا. وهذه التجربة اليابانية تعنينا نحن العرب لعدة اسباب هامة ذكر منها الباحثون مايلي: 1 ــ اليابانيون قوم شرقيون مثلنا بدؤا مسيرتهم نحو التقدم من واقع العزلة والتخلف الحضاري كما بدأنا ولكن شتان بين بداية وبداية فلماذا هذا الفارق؟ 2 ــ اليابان حققت التحديث والتقدم بالمحافظة على تراثها وتقاليدها ومؤسساتها القومية والدينية, اي انها استمدت تقدمها من ماضيها وجذورها, والعرب يريدون تحقيق التقدم دون التضحية بتراثهم وتقاليدهم لكنهم لم يتمكنوا حتى الان من تحقيق المطلب الاول وهو التقدم او الحفاظ على المطلب الثاني الا وهو التراث الحضاري والقومي المستمد من تاريخنا الطويل. 3 ــ ان اليابان تمثل طليعة قوى بشرية حضارية هائلة جديدة توشك ان تستلم زمام الامور من الجنس الابيض وهي قوة شرقية ليست ذات اطماع عدائية بالنسبه لنا. 4 ــ عرفت اليابان منذ البداية كيف تعتمد على نفسها وبقدراتها وقواها الذاتية في تحقيق التقدم دون ان تسمح لاي عون اجنبي ان يخترقها او يضربها بأي شكل لكنها في الوقت نفسه لم تمتنع عن اللجوء بشكل واسع الى الخبراء الغربيين والاستفادة منهم الذين كانت تختارهم بعناية فائقة. ويعزز البعض هذا التقدم الهائل خلال ثلاثة عقود من السنين ما بين 1870 الى الان الى دعامتين اساسيتين: اولا: وجود حكومة قوية. ثانيا: وجود نظام تربوي شامل. وتتمثل الحكومة القوية في النظام الامبراطوي القائم ويمثل الامبراطور طبقا للدستور الياباني (رمز الدولة ووحدة الشعب ويستمد مركزه من ارادة الشعب الذي تتركز في يديه سلطة السيادة) . ولكن بالغاء مجلس النبلاء بعد الحرب العالمية الثانية احتفظ اعضاء الاسرة الامبراطورية فقط بالقاب الامارة ولم تعد بنات الامبراطور الراحل هيروهيتو المتزوجات يحتفظن بألقابهن الامبراطورية. وتعتبر أعلى سلطة في البلاد هي الدايت القومي فهي الهيئة الوحيدة لسن القوانين وهو يتكون من مجلس النواب الذي يضم 512 مقعدا ومجلس الشورى ويضم 252 مقعدا 4/8. اما بالنسبة للدعامة الثانية فهي وجود نظام تربوي شامل له علاقة وثيقة بالتقدم الهائل الذي شهدته اليابان في جميع المجالات. فقد كان العام الخامس من العهد الميجي او عام 1872 بالتحديد عاما تاريخيا للتعليم في اليابان فقد كان (الجاكوس او القانون الاساسي للتعليم في اليابان ومعناه حرفيا نظام التعليم الذي صدر في هذا العام يمثل بصورة نموذجية فكرة التعليم في تلك الايام الذي كان معدا للعمل وفقا لشعار الحضارة والتثقيف (يونمبي كايكا) وتكمن اهميته في انه كان اعلانا من حكومة ميجي الجديدة بتأييد مبدأ التعليم او مبدأ تكافؤ الفرص التعليمية. ولمدة قرن كامل منذ ذلك الحين حقق التعليم الياباني تقدما ملموسا ففي عام 1880 عندما كان نظام التعليم الحديث في اليابان مازال في المهد كانت نسبة الالتحاق بالمعاهد التعليمية من اجمالي عدد السكان تقف عند 41.1% فقط للتعليم الابتدائي, 1% للتعليم الثانوي, 3% للتعليم العالي الا انه في عام 1970 اي بعد 90 عاما كانت النسبة قد بلغت 91.8% للتعليم الاولى 82% للتعليم الثانوي, 17% للتعليم العالي. وتزيد تلك النسب عنها بالنسبة لبريطانيا وفرنسا ودول اوربا الغربية الاخرى, ومن ثم فان مستوى التعليم الياباني يعد من اعلى المستويات في العالم اي ان اليابان لحقت بل وسبقت الدول المتقدمة في غرب اوروبا في ميدان التعليم في فترة قصيرة لا تتجاوز قرنا واحدا, ويصف البعض هذا النمو الرائع للتعليم الياباني بأنه مثير للدهشة كما هو الحال بالنسبة للاقتصاد. ويقال ان تأسيس نظام التعليم الابتدائي في بريطانيا قد استغرق ثلاثة قرون وذلك بفضل جهود عامة الشعب على اساس ان التعليم من اختصاص السلطة المحلية اما في اليابان لم يستغرق هذا الوقت كله لاخذ الحكومة بزمام الامور في التعليم. وخلال هذا القرن من الزمان تحول المجتمع الياباني من مجتمع العلاقات السلطوية 1890 الى المجتمع القائم على تبادل المنافع والاحترام والتعاون 1947 ومن الدول الامبراطورية التي اسسها المستعمرون الى دولة الثقافة والديمقراطية التي كونها الشعب ومن مجتمع ولاء الافراد للنظام الامبراطوري وتطوير قدراتهم وتنمية مواهبهم ومهاراتهم العقلية حماية لهذا النظام الى مجتمع الفرص التعليمية المتكافئة وتنمية قدراتهم ومهاراتهم متحررين من التفرقة العنصرية والمركز الاجتماعي او الاصل الاسري لبناء مجتمع السلام. كما تحولت اهداف التربية من النهوض بالنظام الامبراطوري والوحدة تحت ظل الامبراطور الاب الى النهوض بالشخصية المتكاملة للفرد او احترام ذاتيته وقيمه. فلقد كانت سياسة تبني الحضارة الغربية بدءا من حكومة ميجي تتسم بالوعي والارادة الحرة مما ادى الى المزج بين الثقافتين اليابانية والغربية بصورة حافظت الى حد كبير على الشخصية اليابانية ولقد كانت للنظرة الاقتصادية الجديدة للتعليم التي توضح اهمية العنصر البشري في النمو الاقتصادي تتناسب تماما مع احتياجات واضعي خطط السياسة التي تستهدف نموا سريعا للاقتصاد القومي, فلقد ادركوا من جديد اهمية الاستثمار الذي لعب دورا هاما في النمو السريع للاقتصاد الياباني في الماضي واعترفوا بضروة وضع تطبيق سياسات تعليمية ذات علاقة بالسياسات الاقتصادية. ويظهر برنامج الدخل القومي الذي تقرر في عام 1960 بصورة نموذجية انتشار مثل هذا الاعتراف بين صانعي السياسة حيث حدد البرنامج التعليم باعتباره جانبا اساسيا للتخطيط الاقتصادي المستقل لاول مرة على اساس الاعتراف بانه نظرا للتقدم السريع للعلوم التكنولوجية وتطور البنيان الصناعي والاتجاهات المتطورة في القوى العاملة فانه من الضروري بحث مشكلات تنمية القدرات البشرية بصورة ايجابية بما في ذلك التعليم والتدريب والبحث والتي كانت تميل حتى ذلك الحين الى اعتبارها منفصلة عن المشكلات الاقتصادية في سباق النمو الاقتصادي وعلى اساس وجهة النظر هذه وضع البرنامج بين اهدافه الخمسة الاساسية! زيادة القدرة البشرية والنهوض بالعلوم والتكنولوجيا وكذلك اثار الكتاب الابيض وعنوانه (نمو اليابان والتعليم) الى ان النظرية الاقتصادية للتعليم اصبحت مقبولة بصورة ايجابية لدى واضعي خطط السياسة التعليمية.

تعليقات

تعليقات