اسرائيل في مواجهة تاريخهابقلم: د. علي الدين هلال

اذا كان مرور نصف قرن على اعلان قيام دولة اسرائيل, في ,1948 مناسبة للحكومة الاسرائيلية للاحتفال بما اعتبرته انجازات للدولة العبرية, فقد اثار هذا الاحتفال جدلا في داخل المجتمع الاسرائيلي نفسه, وبين يهود العالم , حول عبرة نصف القرن الفائت من الزمان, وحول ما ينبغي استخلاصه منه للمستقبل, وقد اثار هذا الجدل تساؤلات مهمة, حول صفحات من التاريخ عملت الدعاية الاسرائيلية على اخفائها باستمرار, كما اثار تساؤلات اخرى, حول الثمن الذي دفعه شعب آخر (الشعب الفلسطيني), والذي طالما عزفت اسرائيل عن الحديث عنه, اضف الى ذلك الجدل الداخلي, فقد اتهم البعض الطريقة التي نظمت بها هذه الاحتفالات, على اساس انها ركزت على دور رئيس الوزراء نتانياهو, وتيار اليمين الايديولوجي المتشدد الذي يمثله, اكثر من تقديمها صورة متوازنة عن المجتمع الاسرائيلي. وهناك واقعتان تعكسان هذا الجدل: الاولى, حدثت في واشنطن ــ العاصمة الامريكية ــ من عدة شهور, عندما اعلن متحف (الثيمثونيان) عن برنامج من سلسلة محاضرات, في اطار الاحتفال بمرور نصف قرن على ميلاد دولة اسرائيل, وبمجرد الاعلان عن البرنامج وعن اسماء المحاضرين, ثارت ثائرة الجماعات الصهيونية, واتهمت المتحف بتنظيم عمل معاد لاسرائيل, رغم ان البرنامج لم يتضمن اسما لأي محاضر عربي, واقتصر على مجموعة من الاساتذة الامريكيين والاسرائيليين, ولكن المشكلة, من وجهة نظر هذه الجماعات, ان البرنامج تضمن دعوة بعض الاساتذة الجامعيين الاسرائيليين الذين ينتسبون الى ما يسمى في اسرائيل بـ (المؤرخين الجدد) , وهم مجموعة من الباحثين الذين يرون انه قد آن الاوان للنظر الى التاريخ الاسرائيلي, وتاريخ الحركة الصهيونية في فلسطين قبل ,1948 نظرة نقدية, وتجاوز التاريخ الرسمي القائم على مجموعة من الاساطير والقصص البطولية لدور الصهيونية في فلسطين. اما الواقعة الثانية, فتتعلق ببرنامج تلفزيوني تسجيلي بعنوان (تكوما) , وهي كلمة عبرية تعني الميلاد الجديد, وفيه ايضا, حرص معدو البرنامج على تجاوز الاساطير السائدة, وتقديم صورة موضوعية, ومنصفة بقدر الامكان, عن الفلسطينيين, فظهر في الفيلم, على سبيل المثال, صورة لأحد الفلسطينيين يتحدث عن الثمن الذي دفعه الشعب الفلسطيني, كما ظهر اب اسرائيلي يشرح لابنه سبب اختلاف طول الشجر المزروع في الحديقة, موضحا ان الشجر الاطول قام بزراعته العرب الذين سكنوا هذه الارض قبل ان يقطنها الاسرائيليون, واثار هذا الفيلم بدوره ضجة كبيرة, واتهم اريل شارون مخرج الفيلم ومعديه بأنهم اساءوا الى صورة اسرائيل. وكلتا الواقعتين تعبر عن المعضلة التي تواجهها اسرائيل عندما تتعامل مع تاريخها, وعندما يتم بحث جدي في الافكار الذائعة والاساطير التي احاطت الصهيونية نفسها بها, فحسب تيودور هيرتزل, مؤسس الحركة الصهيونية, في كتابه (الدولة اليهودية) , فان القضية بسيطة وواضحة فوفقا له, فان هناك شعبا بلا ارض (يقصد الشعب اليهودي), وهناك ارض بلا شعب (يقصد فلسطين), فما أسهل ان يحدث اللقاء بين الشعب والارض, كما يقوم الانسان بوضع الخاتم في اصبعه!! وحول هذا المعنى, بنيت اوهام وافكار ذائعة, منها: ان اليهود الذين قطنوا فلسطين (جعلوا الارض تخضر) , وانهم اقاموا الحضارة في بلاد لم تكن تعرف سوى الفوضى والتخلف, وقاموا بردم البرك والمستنقعات لكي يزرعوا عليها, وانه, عندما أعلنت الدولة, قامت جيوش سبع دول عربية يبلغ عدد سكانها خمسين مليونا, بالانقضاض على (الدولة الوليدة) , ونسجت اساطير اخرى حول (البطولات اليهودية) في مواجهة هذا (الاكتساح العربي) ومن كثرة تكرار الاعلام الرسمي الاسرائيلي في الداخل, والدعاية الاسرائيلية والصهيونية في الخارج, لهذه الافكار, ذاعت حتى اصبحت جزءا من المعارف المستقرة بشأن دولة اسرائيل. والنظرة النقدية, التي قام بها عدد من المؤرخين الاسرائيليين الجدد, والتي سجلها ــ من قبل ــ المؤرخون الفلسطينيون والعرب, تعطي صورة مخالفة, فقد شهدت فلسطين, كاحدى اجزاء الدولة العثمانية: حضارة وثقافة وزراعة وتجارة عبر تاريخها, وعندما بدأت الهجرات اليهودية اليها, كان هناك مجتمع منظم مماثل في تقدمه للبلاد العربية المجاورة له وقتذاك, كما توضح هذه النظرة صفحات سوداء من تاريخ الحركة الصهيونية لا ترغب اسرائيل في القاء الضوء عليها. من هذه الصفحات مثلا, ان اقامة الدولة الاسرائيلية كان الوجه الاخر له هو (تشريد) شعب فلسطين, و(اقتلاعه) من الارض التي عاش عليها اباؤه واجداده لمئات السنين, بما ترتب على ذلك من تحويل الفلسطينيين الى لاجئين, وحرمانهم من حقهم في العيش على ارضهم, ناهيك عن حقهم في تقرير مصيرهم, وان هذا الشعب لم يترك ارضه ودياره طواعية, او كما تزعم الدعاية الاسرائيلية, انه بسبب دعوة الحكومات العربية لهم بالخروج من فلسطين!!, ولكنهم اخرجوا تحت ضغط ارهاب منظم نفذته المنظمات العسكرية الصهيونية, وعلى رأسها: (الهاجاناه) , وهي القوى العسكرية للوكالة اليهودية, وجماعات (ارجون) , و(شتيرن) , التي انبثقت من القوى الاكثر يمينية. والذي لا تذكره اسرائيل, ان حرب 1948 لم تبدأ حقا بدخول القوات العربية فلسطين في 15 مايو, وان العمليات العسكرية قد بدأت في الحقيقة, من جانب الجماعات العسكرية الصهيونية في نهاية عام ,1947 وطوال الشهور الاولى من العام التالي, فعندما صدر قرار التقسيم, من قبل الجمعية العامة للامم المتحدة في 29 نوفمبر ,1947 بدأت المنظمات العسكرية الصهيونية في اجلاء الفلسطينيين من كل المناطق التي كان القرار قد حددها للدولة اليهودية, ثم بدأت في اجلائهم عن الاجزاء من الارض التي كانت مخصصة للدولة الفلسطينية, وكانت من افظع هذه الاحداث, مذبحة دير ياسين في ابريل ,1948 والتي اثارت جوا من الرعب والخوف لدى عشرات القرى المجاورة, ولم تكن تلك العمليات العسكرية ذات طابع عشوائي او غير مخطط, بل تمت وفقا لخطة عامة اقرتها القيادة الصهيونية, وعرفت باسم (خطة دالت) , والتي كشف عنها, وشرحها بالتفصيل, المؤرخ الفلسطيني الكبير وليد الخالدي, في بحث له صدر منذ أكثر من عشرين سنة. ومسألة الشعب الفلسطيني, تمثل معضلة في العقل الصهيوني والاسرائيلي مازالت تطرح آثارها حتى اليوم في سياسات رئيس الوزراء نتانياهو, فالموقف الصهيوني التقليدي هو انكار وجود الشعب الفلسطيني أصلا, ومن هنا كان تساؤل جولدا مائير, رئيسة وزراء اسرائيل في السابق, (من هم الفلسطينيون؟) , ومرة اخرى قالت: (اين هم الفلسطينيون؟) ومبعث هذا الانكار , انه اذا اعترف الصهاينة بحقوق تاريخية للشعب الفلسطيني على ارضه, فان ذلك يعني اعترافا منهم بأنهم لا يملكون حقوقا ازاء هذه الارض, وقد عبر احد قادتهم مرة عن هذا المعنى بقوله: اننا اذا اعترفنا بحقوق تاريخي وقانوني للفلسطينيين في نابلس أو الخليل اليوم, فما الذي يمنعهم من الادعاء بنفس هذه الحقوق في تل ابيب وحيفا وغيرها من المدن الاسرائيلية, والتخوف من ذلك هو الذي يدفع نتانياهو اليوم الى انكار حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني, وانكار حقه في اقامة دولته المستقلة, وهو السبب في تأكيد بيجن وشامير, من قبل, على ان مفهوم الحكم الذاتي الفلسطيني هو تنظيم امور السكان وادارة شؤونهم, وانه ينصرف الى السكان ولا ينصرف الى الارض, كما يتمثل ذلك, في استخدام اسرائيل لكلمات عبرية عند الاشارة الى الضفة الغربية (يهودا والسامرة) , وذلك للتأكيد على عدم وجود حقوق قانونية وتاريخية للفلسطينيين على الارض. اما اسطورة (الدولة الوليدة) والتي انتهكت حدودها سبعة جيوش عربية, وما ارتبط بذلك من فكرة (الكم العربي) في مواجهة (الكيف الاسرائيلي) فهي ايضا لا تقوى امام اي بحث تاريخي جاد, فالحقيقة التاريخية تبين ان عدد القوات التي عبأتها المنظمات العسكرية الصهيونية في حرب 1948 بلغ 67 الف جندي, مقابل عدد 21 الف جندي, هو اجمالي القوات العربية التي شاركت في القتال, واذا اضفنا الى هذا الرقم عدة الاف من المتطوعين العرب, تبقى الحقيقة, انه كان على ارض القتال عدد من الجنود اليهود يماثل ــ على الاقل ــ ضعف ماكان موجودا من القوات العربية, واذا تذكرنا ان هذه القوات العربية لم تعمل تحت قيادة مشتركة, وانه سيطرت على تحركاتها الفوضى وعدم التنسيق, وانها لم تكن تعلم الكثير عن طبيعة العدو, او قوته, او حتى عن طبيعة الارض التي سوف تقاتل عليها, وان الكثير من الساسة العرب قرر الاشتراك في هذه الحرب كمظاهرة عسكرية, او في اطار التنافس بين البلاد العربية, واذا اضفنا الى ذلك حجم النفوذ الاجنبي في البلاد العربية, وان احد الجيوش العربية كان يقوده ضابط بريطاني, وان مستوى تسليح هذه الجيوش كان متدنيا, اذا اخذنا كل ذلك في الحسبان, فانه يتبين ان (الانتصار الاسرائيلي الذي يمثل معجزة بطولية) في حرب الاستقلال هو جزء من نسيج الاساطير والاوهام التي صنعتها اسرائيل. وهكذا, فانه عندما تواجه اسرائيل تاريخها, فانها تسعى لطمس جوانب مهمة منه, فهي لا تريد الاعتراف بأنها اقامت الدولة بالقوة المسلحة, او بالاستخدام المنظم للارهاب والعنف وترويع الفلسطينيين, وان الجزء الاكبر من ارض فلسطين لم يتم شراؤه, وانما تمت السيطرة عليه اما بالقوة المسلحة, او بالتواطؤ مع سلطات الانتداب, بالنسبة لاملاك الدولة, وهي لا تريد ان تعترف ان قيامها مثل ظلما تاريخيا مستديما لشعب اخر, واذا كان بعض المفكرين الاسرائيليين اليوم, وكذا بعض الحركات السياسية, يسعى (لحل وسط تاريخي) تقوم بمقتضاه دولتان, فان التيارات الصهيونية المتشددة ترفض ذلك, ولا تريد اسرائيل الاعتراف بأن ادعاءها بانها (الدولة اليهودية) لم يمكنها حتى الآن من حل مشكلة تعريف (من هو اليهودي) , ومازالت هناك خلافات دينية, ومساجلات سياسية, حول هذا الامر, كما انها لا تريد الاعتراف بأن هناك تيارات دينية يهودية لا ترى في اسرائيل (الدولة اليهودية) المنشودة, والمصادمات التي تحدث يوم السبت من كل اسبوع بين العناصر اليهودية المتشددة, وقذفهم بالحجارة قائدي السيارات, الذين يقودون سياراتهم في هذا اليوم الذي ينبغي الا يقوم فيه (اليهودي ــ من وجهة نظرهم ــ بأي حركة أو نشاط, اضف الى ذلك, ورغم مرور نصف قرن من الزمان, ورغم ادعاء اسرائيل بأنها (الديمقراطية الوحيدة) في منطقة الشرق الاوسط, فمازالت التوترات الاجتماعية المكتومة بين اليهود الشرقيين (السفارديم) واليهود الغربيين (الاشكناز) قائمة, ناهيك عن وضع العرب الذين يحملون الجنسية الاسرائيلية, والذين هم بمثابة مواطنين من الدرجة الثالثة. يبقى بعد ذلك كله, ان اسرائيل فشلت حتى اليوم في تحقيق الامن لمواطنيها, ولم تجلب سياساتها ازاء جيرانها العرب سوى استمرار مسلسل الحرب والعنف, ومازال الانسان الاسرائيلي يعيش حالة (ترقب) و(توقع) و(انتظار) بسبب السياسات التوسعية لدولة اسرائيل, وسعيها لفرض أمر واقع غير عادل على شعوب اخرى. هكذا, ينبغي ان تواجه اسرائيل تاريخها, و لا مناص من ذلك.

تعليقات

تعليقات