تغنى بالديمقراطية في غياب الحريات، بقلم: محمد الحسن احمد

هذه الايام يكثر الدكتور الترابي من ارسال التصريحات التي تتغنى بالميزات التي تضمنها الدستور المعروض الان للاستفتاء, ولا يجد اقبالا من الناس للادلاء بأصواتهم, وربما لهذا السبب لا يمر يوم الا ويطلق الدكتور تصريحا يتحدث عن الدستور الذي يسمح لكل السودانيين بممارسة الديمقراطية لاول مرة في تاريخهم! والغريب في الامر ان التغني بالديمقراطية هذه الايام لترويج الدستور يتلازم ايضا مع تصاعد البطش بالمواطنين, لكأن النظام لا يستطيع ان يصبر اياما حتى يمرر اللوحة التي رسمها لدستوره ومن ثم يعود الى امعانه في البطش الذي هو احد ابرز سمات حكمه! وفي احدث تصريحات بثها التلفزيون السوداني للدكتور قال: (ان الحريات التي كفلها الدستور تتيح لاول مرة في تاريخ السودان لكل اهل السودان حق مباشرة الديمقراطية الفعلية والتي كانت تستأثر بها جماعات الحاكمين دون سواهم) . واضاف: ان العالم كله يبدي اعجابه بدستورنا للمؤسسية التي فيه. ولعلنا بمنتهى الصدق والصراحة يمكن ان نخالف الدكتور فيما ذهب اليه من قول عن اعجاب العالم بدستورهم ونزعم اننا لم نسمع او نقرأ لاية جهة في العالم ما يمكن وصفه باستحسان الدستور. فزعم ان العالم كله ليست فيه مثل هذه الهيئة!. ومن سؤ حظ الدكتور ان هيئة الانتخابات التي كال لها هذا المديح هي هيئة معينة من جانب رئيس الجمهورية للاشراف على الاستفتاء مثلما اشرفت على الانتخابات السابقة. اما النقطة الثانية التي نوه فيها في حديثه التلفزيوني بالدستور هي قوله: ان رئيس الجمهورية لا يعلو على الوزير رغم انه هو الذي يعين الوزير بل يفصل بينهما مجلس الوزراء ومع جهلنا بالفقه الدستوري فان ما قاله الدكتور من حسن حظنا انه ليس من شاكلة التوالي..وانما هو كلام لا يستعصى على الفهم ولكن ينطوي على مغالطات مفضوحة اذ كيف يساوي الدستور بين الوزير ورئيس الجمهورية. وبالرغم من كل هذه الحجج التي سقناها لدحض مغالطات الترابي لنفترض جدلا ان مقولته صحيحة فيما يتعلق بان مسودة الدستور ساوت بين رئيس الجمهورية والوزير فما هو مغزى تلك المساواة وانعكاسها في رحابة الديمقراطية بالنسبة للمواطنين؟ ثم ما هي قيمتها حتى تحسب من العبقريات الدستورية التي تستحق التنويه. .. وفي ذات الحديث التلفزيوني اجاب د. الترابي على سؤال حول مجيء الانقاذ الى السلطة على رأس دبابة وهي الان تبسط الدستور الذي يعترف بالديمقراطية فلماذا الدبابة اذن؟.. اجاب قائلا: ان الديمقراطية جاءت في العالم اما بالقوة او عبر ثورات الشعوب مشيرا الى الديمقراطية في امريكا وفرنسا والاتحاد السوفييتي ونسي الدكتور او تناسى ان دباباتهم كانت قد سحقت الديمقراطية القائمة انذاك في السودان وهي ديمقراطية جاءت عبر انتفاضة شعبية هي انتفاضة رجب ابريل 1985! وحقيقة الامر ان ما يقال عن الدستور وبسط الديمقراطية هو مجرد مساحيق لتجميل وجه النظام ولكنها تساقطت من وجهه قبل ان يتزين بها الى حين الفراغ من مسرحية الاستفتاء لتفضح تصرفاته التي لم تتوقف في مصادرة كل حقوق الانسان السوداني. فبعد اقرار مسودة الدستور والتهيؤ لعرضها على الاستفتاء اقدم النظام على مجزرة العيلفون التي راح ضحيتها اكثر من مائتي طالب. يزداد الحديث عن مناخ الحرية والعزف على حث الناس للذهاب للادلاء باصوات هم فاذا بالنظام يصادر حق المحامين في اقامة ندوة تفضح سؤات الدستور ثم تنهال قواته على جموعهم فتوسعهم ضربا وتعتقل عشرة من المحامين. ووسعت الحكومة من دائرة تضييقها على الحريات فاوقفت صحيفتي (الرأي الاخر) و(الشارع السياسي) عن الصدور لثلاثة ايام ووجهت انذارا لصحيفة الوفاق واصدرت قرارا بمنع الدكتور عصام البشير من امامة مسجد الامتداد لانه ينتقد سياسات الحكومة في خطبة الجمعة. ترى هل بوسع الحكومة ان تزعم في مثل هذه الاجواء ان انفراجا سياسيا يسود البلاد وان الدستور المطروح للاستفتاء يعبر عن ذلك. وامعانا في اخفاء مقاطعة الشعب للاستفتاء جندت اجهزة الاعلام الرسمي لتنقل تصريحات عن الاقبال على الاستفتاء, فاعلن بشري احمد الشيخ رئيس اللجنة العليا للاستفتاء بولاية الخرطوم لصحيفة الانباء الرسمية.. ان مناطق ابودليق وام ضوا بان وسوبا شرق وابوصالح قد اكتملت عملية التصويت فيها بنسبة 100%. وان عملية الاقبال بصفة عامة فوق المتوسط قياسا بان الايام الماضية تمثل ربع الزمن المحدد. وقال ان الرئيس ونائبه سيقومان بطواف ميداني للوقوف على عملية الاقتراح.. وتتابعت التصريحات من وزن التصويت مئة في المئة الى ان وصلت القوات المسلحة فاعلن الفريق عبدالرحمن سر الختم الناطق الرسمي باسمها (ان المشاركة في التصويت على الدستور من جانب القوات المسلحة تمت بالتنسيق مع القيادة العامة مبينا ان نسبة الاقتراع ستصل الى 100% بين افراد القوات المسلحة. هكذا فان النتيجة في الاقبال على الاستفتاء اصبحت معروفة سلفا فهي على الارجح لن يستحي النظام من ان يعلن انها مئة في المئة. الى ذلك صرح وزير الاعلام والناطق الرسمي باسم الحكومة ما يعد اعترافا بانهم استعجلوا اعداد وطرح الدستور للاستفتاء فقال.. انه يوجد ايضا من داخل صفوف مؤيدي النظام من يعتبر ان الدستور اجيز وعرض للاستفتاء بصورة عاجلة.

تعليقات

تعليقات