نتانياهو... أم هرتزل الثاني؟ بقلم - شفيق الحوت

لم يسبق في تاريخ العلاقات الاسرائىلية ــ الامريكية ان تجرأ رئيس وزراء اسرائىلي على تحدي الادارة الامريكية وسيد البيت الابيض مثل ما فعل بنيامين نتانياهو بالادارة الحالية ورئيسها بيل كلينتون . لم يحدث ذلك لا في عهد بن جوريون ولا في عهد جولدا مائير رغم ماعرف عن الاثنين من تصلب وعناد, وانصاع الاثنان في نهاية المطاف للقرار الامريكي, سواء سنة 1956 او سنة 1967 رغم ما كانت تعانيه اسرائىل من خطورة وضعها مقارنة بوضعها الراهن المتميز بالتفوق غير المحدود. ان حدث شيء من هذا القبيل ولم نسمع به, يكون قد حدث داخل جدران مغلقة وبسرية تامة, بينما ما يحدث اليوم يذاع عبر الاثير ويشاهد على الشاشات الصغيرة ويقرأ في الصحف والمجلات. هذا بالاضافة الى (اللهجة) التي يعتمدها نتانياهو وتتسم بالغطرسة والاستعلاء بل الاستفزاز المقصود! فمن كان يتصور ان يجرؤ مسؤول اسرائيلي على رفض دعوة لزيارة واشنطن من قبل الرئيس الامريكي (يوم الاثنين) ويعلن في ذات الوقت عن عزمه لزيارتها (يوم الاربعاء) بدعوة من تكتل يهودي معاد للرئيس, ومن كان يتصور ان يجرؤ مسؤول اسرائيلي على مجابهة واشنطن (الام الحنون لاسرائيل منذ قيامها) بالقول بأن مصالح اسرائىل تقرر داخل اسرائيل لا في واشنطن ولا في غيرها من العواصم؟ من كان يتصور ان يعمد مسؤول اسرائيلي على تحريك قضايا فضائحية ضد الرئيس الامريكي في الوقت الذي كان يقبع جالسا امامه في الغرفة البيضاوية من البيت الابيض؟ وليس هذا وحده ما يثير الدهشة والعجب, وانما ان يتم هذا التحدي ومثل هذه المجابهة مع رئيس امريكي مثل كلينتون بالذات الذي اعترفت الصحافة الاسرائيلية نفسها بما احاط به نفسه من (اليهود) سواء في وزارة الخارجية وغيرها من الوزارات او في البيت الابيض نفسه, والذي لم يبق على غير يهودي واحد في الفريق المعني (برعاية) المفاوضات العربية الاسرائيلية. من المؤكد ان نتانياهو, رغم ما يوحى به شكله من فظاظة يحرص على تأكيدها يوميا, فان موقفه من واشنطن لا يصدر عن مزاج شخصي اوسياسة عابرة, فالامر على ما يبدو يتجاوز ذلك الى ما هو اكثر عمقا وخطورة. ان نتانياهو, يتصرف بوحي استراتيجي جديد للحركة الصهيونية يستهدف القيام بمنعطف جذري في مسار هذه الحركة بعد مرور خمسين عاما على قيام اسرائيل. نتانياهو لا يتصرف كمجرد رئيس وزراء عابر, وانما كشروع (زعيم) صهيوني يرغب في ان يكون (هرتزل) الثاني. انه ومن معه يعتقدون ان الاداء السياسي للقيادة الاسرائيلية السابقة قد ادى الى اقامة الدولة اليهودية ورسخ وجودها في اطار سياسة عامة لعلاقاتها مع الغرب الاستعماري, وانه قد آن الآوان تغيير هذا الاطار واعادة النظر في طبيعته بعد خمسين سنة. نتانياهو ومن معه يعتقدون انه لم يعد ممكنا الاستمرار في علاقات التابع بالمتبوع, والعميل بالاصيل. وانه آن الآوان لانشاء علاقات شراكة متكافئة مع هذا الغرب, وبخاصة امريكا, تعيد ترتيب الادوار والوظائف وتوزيع الحصص. عندما يعلن نتانياهو ومن معه, ان اسرائيل لم تعد بحاجة الى المساعدات الامريكية, المقدرة بالمليارات سنويا, فان ذلك لا يعني رفضا قاطعا لهذه المساعدات وانما للصفة التي تحملها, اسرائيل نتانياهو ان ما كانت تتلقاه كمساعدة هو حق لها واقل مما تستحق ولا يليق مع طموحاتها كدولة (مستقلة) . انها تريد ما هو اكثر من ذلك وعبراسلوب آخر يعتمد الشراكة لا العمالة. بكلمة اخرى فان اسرائىل نتانياهو تعتقد انه بات من حقها ان تتنفس من اوكسجين المنطقة مباشرة وليس عبر انابيب تعبئها لها الولايات المتحدة وتقدمها لها وفق مصالحها. لم يعد نتانياهو ومن معه يؤمنون بأن امريكا وحدها هي التي لها مصالح في الوطن العربي, ولا سيما في نفطه, وانما هي الاخرى قد كبرت بما فيه الكفاية ليصبح لها هي الاخرى مثل هذه المصالح. ان نتانياهو ومن معه, يدركون انه لم يعد ممكنا ان تستمر اسرائيل باقتصاد مفتعل اشبه بدخل (موظف) كشرطي في المنطقة, وترى ان سوقها المحلي لم يعد كافيا لاستيعاب ما تملكه من قدرات تقنية متفوقة تؤهلها لدور المنافس لا دور العميل والوكيل. ولذلك فان كل ما صدر عن نتانياهو منذ تسلمه الحكم, بدأ وكأنه اشارات ورسائل لواشنطن وعواصم الغرب اكثر مما هو موجه لياسر عرفات او للعرب كلهم. فاتفاقية اوسلو التي عارضها نتانياهو وهو خارج الحكم ثم اعلن التزامه بها بعد وصوله للحكم كواقع سيء موروث, هي في حقيقة الامر اصبحت ــ بالنسبة اليه ــ في حكم المنتهي غير المأسوف عليه. وهو عندما يتحدث عن رغبته في التسريع لمفاوضات الحل النهائي فانما يستهدف التخلص, فالاعلان عن نهاية هذه الاتفاقية بما وصلت اليه لا اكثر ولا اقل ولربما الى ما هو اقل. نتانياهو ومن معه, يعتقدون انهم يحيون اللحظة التاريخية المناسبة لتصفية قضية فلسطين, او بالاحرى الاعلان عن هذه التصفية رسميا لأن الواقع الميداني لم يبق ولم يذر من حقوق شعب فلسطين اي شيء, لا بالنسبة للحدود ولا للقدس ولا لعودة اللاجئين او النازحين. نتانياهو ومن معه مشغولون بما هو ابعد من ذلك, اي بدور اسرائيل الجديدة, اسرائيل ما بعد خمسين سنة منذ نشأتها, اسرائيل ما بعد تصفية القضية الفلسطينية, اسرائيل الدولة الثابتة القوية المتفوقة (صاحبة الحق) في لعب دور الدولة ــ المركزي في المنطقة. هذا هو هدف نتانياهو ومن معه من كل هذا الذي نرصده منذ ان تسلم الحكم ونظن ــ واهمين ــ انه يستهدفنا او يحاورنا او يفاوضنا. هو يحكي معنا, ولكنه يريد واشنطن ان تسمع, وواشنطن بدأت تدرك ذلك, ولم تحسم امرها بعد وان كنت لا استبعد مطلقا ان تجد ــ في النهاية ــ في كلام نتانياهو ما يستحق ان تعيد النظر في موقفها وفي مجمل علاقاتها مع اسرائيل. ولاشك في ان ما نلحظه من (قوة) نتانياهو في (الكونجرس) الامريكي, والتي تفوق قوته في الكنيست الاسرائيلي, يجعلنا اكثر قناعة بأن نتانياهو ليس وحيدا كما بدا في بداية حكمه, وانما وراءه تحالفا يهوديا امريكيا جديدا لا يمكن الاستهانة بقدرته لتغيير الموقف الاستراتيجي للايستابليشمنت الامريكية برمته. اذا وجد البعض ان مثل هذا السيناريو غير معقول, فاننا نطرح عليهم هذا السؤال: هل من المعقول ان تعجز الادارة الامريكية, وبشخص رئيسها عن الضغط على نتانياهو لقبول مقترحاتها بـ (اعادة انتشار) قواتها في ما مساحته 13% بدلا من 9 او 10% مما تفترضه اسرائىل؟ هل من المعقول ان امريكا بطولها وعرضها, وبكل ما قدمته وتقدمه من مساعدات لا تستطيع ان (تمون) على ربيبتها باعادة نشر قواتها لانسحابها, من مساحة لا تتجاوز 0,32 بالألف من مجموع مساحة فلسطين؟ هل من المعقول ذلك, اذا لم يكن ما طرحناه من سيناريو هو البديل الاوحد الذي يشرح حقيقة موقف نتانياهو... ومن معه؟

تعليقات

تعليقات