هاجس الليكود اكتساب المزيد: بقلم- د. زكي الجابر

اكسب المزيد من الارض, آنذاك لا تخش فقدان الارض التي انت عليها. ذلك هو الهاجس الذي يشغل دهاقنة الليكود عاطفة وفكرا وممارسة ونقطة المركز في هذا الهاجس هو امن اسرائيل. هذا الامن يستند كما يرون الى القوة العسكرية. اذن فلتكن هناك قوة سلاح ضاربة في الارض والبحر والجو, ولتكن هناك اراض تخضع للسيطرة تمتد ما وراء (الحدود) يقول الاكاديمي المعروف نعوم تشوسكي: اذا ما كتبت اسرائيل نفسها معاهدة سلام, ووقع كل طرف في المكان المخصص, فان ذلك لن يضمن امنها. النتيجة هي طريق مسدود يفتقد الامل. ان ذلك الهاجس الذي نتحدث عنه هو وراء عدم الانسحاب من ارياف الضفة المحتلة بنسبة 13% وهو وراء التعنت ضد كل الوساطات التي بذلت والتي ستبذل من اجل ان يكون هناك منفذ لذلك الطريق المسدود. ولعله من المفيد للعبرة والتذكرة ان فرنسا سبق لها ان طرحت اثناء زيارة رئيسها للمنطقة تصورا لدور اوروبي يرى في ان ضمان السلام لا يمكن ان يكون بالقوة خلافا للدعوى الاسرائيلية القائلة بأن الامن هو الذي يحقق السلام. كما ان التصور الاوروبي يذهب الى اهمية حصول كل الدول على سيادتها واستقلالها وسلامة اراضيها. وانطلاقا من هذا التصور فإنه يصبح لزاما تطبيق القرار 425 وتحقيق سيادة لبنان على مجموع ارض لبنان. ويصبح لزاما عودة الجولان الى احضان وطنها الام سوريا ويصبح لزاما ليس الانسحاب من نسبة معينة بل الاعتراف بحق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم وقيام دولتهم المستقلة المعترف بها, هذا هو المبدأ الذي ينسجم مع قرار مجلس الامن رقم 242 والصادر بتاريخ 22 نوفمبر 1967 والهادف الى تحديد مبادىء سلام عادل ودائم في الشرق الاوسط. ان مجلس الامن بقراره ذاك يعرب عن تأكيده لعدم جواز الاستيلاء على الاراضي بالحرب. ويبرز اهمية العمل لتحقيق سلام دائم وعادل ويذهب الى اهمية تطبيق مبادىء ميثاق الامم المتحدة مما يستوجب انسحاب القوات الاسرائيلية المسلحة من الاراضي التي احتلتها وانهاء جميع ادعاءات او حالات الحرب واحترام واعتراف بسيادة وحدة اراضي كل دولة في المنطقة واستقلالها السياسي. وهكذا يكون رفض اسرائيل الانسحاب من نسبة 13% المفترضة مناقضا لصيغة السلام التي تم التوصل اليها في اوسلو 1993 ومناهضا لمجمل القرارات الدولية ويحول السلام الى اوراق هشة تتقاذقها الرياح ومماطلات كلامية وسفرات واجتماعات وجعجعة ولا طحين, وفي ذلك ما يدعو الى ترقب وقوع مضاعفات قد يكون من بينها وضع المنطقة في حالة تأهب الى مواجهات سياسية وعسكرية والى حدوث اختلالات في مجمل الوضع الاقتصادي القائم والى انحسار كلي لما يتبناه البعض من جهود تستهدف ما يعرف بتطبيع العلاقات العربية الاسرائيلية. ومما يدخل في حالات الترقب هو تصاعد الدعوة الى الانعزالية وتعالي صرخات التمييز وإلحاق الحيف العنصري بالمواطنين العرب في الاراضي المحتلة. ان اسرائيل اذ تحتفل بعيد ميلادها الخمسين وهي مدججة بالسلاح مسكونة بالحذر, يترصد عسسها كل خطوة وهمسة, فإنها لن تجد الان ولا في مستقبل السلام مادام هاجس الامن هو الذي يحتل الضمائر والعقول. والامن ضرورة لكل انسان في كل مكان شريطة ان يكون مبنيا عل العدالة, وعلى احترام حقوق الطرف الآخر. ان الامن لن يقوم بانتزاع الارض وتسليط نيران المدافع والطائرات وهدم المنازل وزج الالاف وراء قضبان السجون والمعتقلات كما ان هذا الهاجس يقتل حق الطرف الآخر في العيش تحت ظلال بحبوحة الامن بل يدفع دائما الى الشك والحذر المؤرق. ولعل اسوأ ما تفرزه سيطرة هاجس الامن هو تحول هذا الهاجس الى (ارادة قومية) تنتهي الى رفض التواصل والحوار حول اي شيء يتعارض مع ما يمكن تصوره وحدة ارض لها مشروعيتها القائمة على مبررات السلامة. ان غلق قنوات التواصل والحوار يؤدي حتما الى تأجيج في سعير الحقد وارتفاع في نبرة الدعاية وتنوع اساليبها والوقوف بصلابة وتعنت امام تدفق اية معلومات تشير الى ما لدى الآخر من رغبة في التوصل الى حل سلمي. الم تقل ليدي ما كبث وهي تحاول قتل دنكان الملك في مسرحية شكسبير الخالدة ( ماكبث: املأني, من قمة رأسي الى طرف ابهام قدمي, بأشد انواع القسوة واجعل دمي غليظا... لقد كانت ليدي ماكبث تردد في صلاتها (ما نحتاج اليه هو القسوة, القسوة, والقسوة مرة اخرى) ! ترى اهذا ما يردد (نتانياهو) ومن ورائه انصاره الليكيديون واحزاب اليمين؟! ان العزلة التي ينحدر اليها المجتمع الاسرائيلي قد شرعت بتحويله ان لم تكن حولته فعلا الى مشغل للموت ومحترف للانتحار. ان تقنيات العصر في مجال تقنية السلاح والاعلام لم تدع ثمة من حدود آمنة ان كل الحدود في كل انحاء العالم لم تعد تلك البحار والجبال والاسوار والقلاع المحصنة والاسلاك الشائكة المكهربة. ان الحدود الحقيقية هي الحدود التي تقيمها العدالة والاعتراف المتبادل والتجاوب مع المبادىء الانسانية التي تأسست عليها المواثيق الدولية. ان في ابقاء الوضع القائم وبحدوده المستندة على شريعة الغاب قد ادت الى ما يمكن تلمسه بوضوح من عرقلة او انقطاع تام في انتقال البضائع وتنقل الاشخاص وما يسبب ذلك من نفرة وغضب واستهجان. كما يمكن تلمسه من تحويل قضية الحدود القائمة رمزا للالتزام بالوعد التاريخي واحلام الاستيطان الابدي في ارض اللبن والعسل. وبذلك تترجم الحدود الى اطار للوحدة السياسية/الجغرافية المهددة على الدوام من العرب. لقد كانت الادبيات الصهيونية تردد باستمرار ان وجود اسرائيل هو الشأن الوحيد الذي يوحد العرب ولو لم تكن هناك اسرائيل لخلق العرب اسرائيل. واذا ما كان الواقع القائم, وعبر تسلسله التاريخي يكذب ذلك فان هذا الواقع يدل على ان الحدود التي تضمن أمن اسرائيل هي الشأن الذي تريد حكومة الليكود ان تجمع الاسرائيليين حوله. ويبدو ان عقلية الحكم تحاول من خلال الايحاء بوجود خطر عربي مستمر دعم الكيان الصهيوني المتشرذم المعرض للانهيار عندما يتخلى عنه الدعم الخارجي المتنوع اقتصادا وسياسة وسلاما. ان عزلة اسرائيل المسكونة بالاغتراب والضيق لن تحولها الى جنة اطمئنان اية حدود. وسوف تظل هذه العزلة متعبة ومؤذية مؤرقة ما دام (هاجس الامن يحتل عقول وافئدة حكام اسرائيل. لم ولن يغير عدم الانسحاب بمقدار 9% او 11% او 13% من حالات التعب والاذى والارق شيئا!) ولن ترى تعبا كظن الخائب المكدود. هكذا قيل! خبير اعلامي*

تعليقات

تعليقات