حصار العراق والعرب: بقلم - فايز سارة

مضت اكثر من ثمان سنوات على واقعة فرض الحصار الدولي على العراق, ومازالت مجريات ذلك الحصار مستمرة على نحو ماتم فرضها بكل قسوة وشدة ــ باستثناءات بسيطة ــ في محاولة لمعاقبة الحكومة العراقية على قيام جيشها باجتياح الكويت في اغسطس عام 1990. وطوال السنوات الماضية, ارتفعت في هذه العاصمة العربية او تلك, دعوات لرفع الحصار الدولي عن العراق, وهذه الدعوات, وان بلغت اسماع كثير من العرب, وتجاوزتهم الى اوساط في الرأي العام العالمي, فإنها ظلت خافته, وغير فاعلة, حتى في دفع المجتمع الدولي للبحث فعلا في الاثار المدمرة التي جلبها الحصار الدولي على العراق وشعب العراق, بل يمكن التأكيد ان أقل النتائج, كانت على الحكومة العراقية, التي كان هدف الحصار معاقبتها. واذا كان لنا ان نتوقف عن بعض نتائج الحصار ارقاما ومعطيات, فإن في هذه الوقفة محاولة لرسم صورة لما آل اليه حال العراق, جناح العرب في الخليج, وواحدا من اهم البلدان العربية مساحة وبشرا وثروة وامكانيات, وقد تحول الى اضعف ما يكون واقعا وامكانيات, لدرجة يصعب معها تقدير, متى يمكن ان يخرج العراق من محنته التي آل اليها في ظل الحصار. جوع ومرض ورغم ان في الصورة المأساوية لواقع العراق كثير من الارقام والمعطيات, فإن الاكثر الحاحية واهمية قضايا الغذاء والصحة والتعليم ومياه الشرب التي يعيش في ظلها العراقيون, ويحتل واقع الغذاء المكانة الاساسية في صورة ما صار اليه حال العراق, وطبقا للارقام فان قيمة ماكان يستورده العراق من المواد الغذائية قبل الحصار كانت تبلغ ثلاثة مليارات دولار, وقد تم وقف استيراد المواد الغذائية, وتم اللجوء الى المصادر المحلية لتأمين الغذاء, والتي كانت قد تدهورت هي الاخرى بفعل وقف استيراد الالات والمكائن والادوية والاسمدة وما اليها, وكان من نتائج ذلك تردي الراتب الغذائي للعراقيين, ولاطفال العراق بصورة خاصة. وكان في نتائج ما سبق موت اكثر من مليون عراقي معظمهم من الاطفال, ماتوا بفعل نقص الغذاء وحليب الرضاعة, وتردي الوضع الصحي, وسجلت التقارير ارقاما تفيد ان اكثر من 170 الف حالة مرضية ناتجة عن سوء التغذية ونقصها تم تسجيلها في بدايات العام الحالي وهي تشكل زيادة مقدارها اكثر من عشرين بالمئة عما كانت عليه الحالة المماثلة في العام 1990. وقطاع الصحة كسابقة قطاع الغذاء, اصابه التردي والتدهور وذلك ليس فقط من خلال روابطه بموضوع الغذاء فقط بل بارتباطه بواقع الحصار فيما يخص استيراد الادوية, والادوات والتجهيزات الطبية, مضافا اليها التأثيرات النفسية لواقع الحصار, وما استجر من اثار مدمرة في حياة العراقيين وبخاصة الاطفال والنساء, وهو مالاحظه تقرير لجامعة هارفرد الامريكية, عندما اشار الى ان اطفال العراق يعانون من مجموعة اضطرابات عاطفية ونفسية وفكرية واشكالات في النوم والتركيز, وان اكثر من نصف النساء العراقيات يعانين من حالات مرضية منها الارق, وفقدان الوزن والصداع. وهذه الامراض ليست الاهم في واقع التردي الصحي لحال العراق, حيث يموت الاطفال بمئات الالاف, والارقام في هذا تشير الى موت نحو مليون طفل, وهو ما يمثل اكثر من ثلاثة اضعاف معدل وفيات الاطفال العراقيين في العام 1989, اذ لم يتجاوز المعدل في حينها الـ 173 الف حالة وفاة. والحديث عن تردي صحة الاطفال وموتهم لايعني ان العراقيين الكبار افضل حالا, بل انهم يتقاربون في تردي حالتهم الصحية ومعدلات الوفيات بينهم مع حالة الاطفال, واذا ان العراق بين دول قضت بصورة شبه نهائية على الامراض الانتقالية والمعدية منذ اواخر الثمانينات فان هذه الامراض قد عادت للانتشار في العراق, بفعل نقص اللقاحات والمضادات الحيوية, والتي مصدرها خارج العراق, وانخفضت سويات آداء المشافي العراقية, اذ تدنت نسبة العمليات الجراحية بمقدار الثلث, الامر الذي يعني تأجيل وعدم تنفيذ ثلثي العمليات الجراحية بسبب نقص التجهيزات ومواد التخدير والمستلزمات الطبية. خراب المستقبل وقطاع التعليم, كان بين القطاعات التي تأثرت على نحو سلبي بنتائج الحصار الدولي, رغم ان الصلة بين هذا القطاع والحصار, تكاد تكون محدودة في الظاهر, لكنها في الواقع تبدو اكثر صلة مما يظـهر. فقد تأثر التعليم بمنع استيراد مستلزمات التدريس, كما تأثرت عمليات اقامة الابنية المدرسية والتي تم تجميد بناء المطلوب فيها بفعل نقص المواد الاولية, كما انخفض تأمين حاجيات الطلاب من الكتب والدفاتر والاقلام والوسائل التعليمية, والتي غالبا ما كانت تستورد من الخارج مصنعة, او يتم جلب المواد الاساسية لاتمام تصنيعها في العراق, وتوقفت بصورة كلية مطابع وزارة التربية العراقية. وكان من الطبيعي, ان يتفاعل واقع التردي في قطاع التعليم العراقي مع التردي الاقتصادي والاجتماعي في عموم الحياة العراقية, ليعزز تأثيرهما السير على العملية التعليمية سواء فيما يتصل بالتلاميذ والطلبة من جهة او بالجهاز التعليمي كله من الجهة الثانية, وطبقا للارقام فان مجموع ماتسرب من سنوات 1991 ــ 1996 من المدارس قارب 700 الف تلميذ وطالب, اتجهوا بدلا من المواظبة على الدراسة الى اعمال هامشية ووضيعة كمتشردين وماسحي احذية, ومتسولين, فيما بلغ عدد المتسربين من كادرات الجهاز التعليمي في الفترة ما بين 1991 ــ 1997 ما مجموعة نحو 25 الف كادر, اتجهت غالبيتهم الى البحث عن عمل في قطاعات اخرى للوفاء باحتياجات اسرهم, بعد ان عجزت دخولهم من سلك التعليم على تأمين ما يقيم اولادهم ويؤمن احتياجاتهم. وبطبيعة الحال, فان التردي في الميادين الاخرى للحياة العراقية قائم وموجود, وتأثيره كبير في واقع العراق وعلى مستقبله شعبا ووطنا ففي قطاع مياه الشرب انخفضت نسبة ضخ مياه الشرب الى 20 بالمائة مما كانت عليه قبل الحصار, وصارت حصة الفرد العراقي لا تتجاوز 128 ليتر ماء مقابل 320 ليتر في السابق, مع انخفاض بالمقدار ذاته في مادة الكلور التي يتم فيها تعقيم مياه الشرب, مما يعني تردي نوعية مياه الشرب. في ضوء هذه الوقائع الحياتية المباشرة من حياة العراقيين التي تلخص حال العراق, لايبدو من المهم ابدا الحديث عن تردي الحياة الاقتصادية, ولا الحياة السياسية, وعن تردي الثقافة, ولا عن تدني مستوى الافكار, وتدهور الفنون فهذه جميعا مؤجل النظر فيها, لانها يمكن ان يكون من الكماليات اذا قارناها بضروريات الحياة ومنها: الغذاء والصحة والتعليم ومياه الشرب, هذا ما يحتاجه الانسان كي يبقى على قيد الحياة, اما تلك فيحتاجها من اجل التقدم الى الامام. ورغم ان همنا ــ هم العرب جميعا ــ ان يتقدم العراق, فإن الاهم ان يكون همنا السعي للحفاظ على حياة العراقيين اولا, لان في استمرار حياتهم, ما يمكن ان يضعهم على قاعدة التقدم مستقبلا. ويتطلب امرا كهذا ان يخرج العرب من حالتهم اللفظية, ومن دعواتهم الخجولة لرفع الحصار عن العراق, وان يذهبوا بخطواتهم ابعد من مجرد المؤازرة, وتقديم المساعدات الموسمية والرمزية الى الوقوف بحزم من اجل رفع الحصار الدولي عن العراق, وربما المبادرة الى كسر الحصار وينبغي ان لايمنعهم ان الحكومة العراقية قد تستفيد من رفع الحصار, ذلك ان الشعب هو الباقي, وهو المستفيد الاكبر, من اجل ان يعود شيئا فشيئا الى حياته الطبيعية التي تماثل حياة البشر في البلدان الاخرى, وهي حياة افتقدها العراقيون في ظل حصار بشع, جاء على خلفيات سياسية خاطئة ومدانه تمثلت باجتياح بلد شقيق للعراق, ومواطنوه اشقاء لشعب العراق, وهي حقيقة لا يجوز لاحد ان ينساها.

تعليقات

تعليقات