سلام الشجعان... الله يرحمه!! بقلم- جلال عارف

قبل اسابيع من حرب 1973 المجيدة, اجرى احد الزملاء حوارا صحفيا مع احد الرؤساء العرب, تناول فيه كل القضايا المحلية والعربية, وفي نهاية الحديث قال الزميل للرئيس العربي ببراءة شديدة: قل لنا شوية في ازالة آثار العدوان , ولم يكذب المسؤول العربي خبرا, وانطلق يكرر الاسطوانة التي كانت محفوظة في ذلك الوقت عن تطبيق قرارات الامم المتحدة ومجلس الامن والعودة لحدود 1967, واننا نقف مع الاشقاء العرب في كل ما يرونه لتحرير الارض, إلى آخر هذا الحديث الذي كان قد فقد معناه بعد ان توقفت المدافع التي كانت تخوض حرب الاستنزاف, وبدأت القضية تتوه في مبادرات دبلوماسية لم يكن لها من هدف الا تضييع الوقت وتثبيت الاحتلال واسطورة الجيش الاسرائيلي الذي لا يقهر. في هذه الظروف كان كل الكلام بلا معنى وبلا طعم, حتى جاء صباح ستة اكتوبر وتكلم الوحيد الذي يحق له الكلام, وفرض الجندي العربي ارادته, وتحقق النصر الذي لم يكتمل لاسباب اصبحت معروفة. لا ادري لماذا اتذكر هذه الواقعة وهذا المناخ الكئيب الذي سيطر قبل اكتوبر, وانا اتابع الاحاديث التي فقدت معناها عن عملية السلام والجهود التي تبذل لاحيائها, أو هكذا قيل! وهكذا... ما ان يطل مسؤول كبير أو صغير, ويبدأ الحديث في اي موضوع, حتى اجد نفسي اهمس: قل لنا شوية في سلام الشجعان... الله يرحمه. نفس الشيء يحدث بالنسبة لذكرى نكبة 48, فمن المهم جدا ان نتذكر في وقت يحاول فيه الاعداء محو ذاكرة الامة وكتابة التاريخ من النقطة التي يريدونها وبالطريقة التي تتلاءم مع اهدافهم. من المهم جدا ان نتذكر ان القضية لم تبدأ في اوسلو وانما في دير ياسين والمذابح التي سبقتها لعشرات السنين قبل النكبة, وان الصراع ليس على 1% أو 2% من الارض المغتصبة وانما على كامل التراب الفلسطيني, وان يدرك العالم كله ان اغتصاب فلسطين هو جريمة العصر التي لن تنسى, ولن ينجح احد في طمس معالمها, ولن ينجو أحد ممن شاركوا في ارتكابها من دفع الثمن. مهما طال الطريق. كل ذلك مهم, ولكنه لا يكفي, فحفظ ذاكرة الامة ينبغي ان يكون البداية وليس النهاية, والبكاء على الاطلال قد يريح قليلا ولكنه لا يفتح ابواب المستقبل, وخمسون عاما على النكبة هي مناسبة حزينة حتى النخاع, ولكن حزننا ينبغي ان يكون الحزن النبيل الذي لا يغيب فيه العقل ولا تنهار فيه ارادة الشعب, ولا يضيع منا الطريق إلى الابد. لقد تمنيت لقاء للقمة في ذكرى النكبة ليقول فيه القادة للعالم, ولشعوبهم قبل العالم, ان قضية فلسطين ستظل القضية المركزية للعرب جميعا, ولتؤكد انه لا امن ولا امان طالما بقي هذا الكيان الصهيوني العنصري يعربد في المنطقة, يحتل الارض, ويحاول فرض الامر الواقع بمساعدة امريكا ودعمها, ويهدد الامن العربي, ولا يخفي اطماعه في التوسع والسيطرة, ويبتز الجميع بمن فيهم الشعب الامريكي نفسه. لكن القمة مازالت مستبعدة حتى والخطر يحاصر الجميع, فالضغوط الامريكية مازالت اقوى, والحسابات الصفية مازالت تفرض نفسها, وارادة العمل الجماعي مازالت غائبة. وتمنيت لقاء يضم كل قوى شعبنا العربي الفلسطيني تقف امامها القيادة الفلسطينية لتقدم كشف الحساب وتترك مصيرها في يد الشعب, فاذا شاء ابقاها, واذا شاء جاء بقيادة جديدة تتحمل اعباء المرحلة المقبلة بكل تحدياتها, وتستفيد من اخطاء الماضي, وتعيد بناء الوحدة الوطنية على ارضية صلبة مقاتلة. لكن الذكرى تجيء والسلطة ماضية في طريقها متشبثة بمواقعها, والوحدة الوطنية تواجه افدح المخاطر, والبعض يراهن على الحرب الاهلية وليس على الوحدة الوطنية, وطريق التنازلات لا يبدو له آخر, ورأس المقاومة هو المطلوب من اجل 1% وما هو اقل وادنى. وتمنيت بعثا جديدا للفكر القومي, يستوعب تجارب الماضي ويعرف كيف يتعامل مع حقائق العالم اليوم ويحدد اتجاهات المستقبل التي تحقق مصالح الامة, ورغم محاولات جادة هنا وهناك, فمازالت المهمة لم يتم انجازها, ومازالت روح الاقتحام مفتقدة, ومازالت ضغوط النكبات المتوالية تشل التفكير, ومازالت الحرب المعلنة والخفية تحاول تكفير الناس بعروبتهم مستغلة الاخطاء والخطايا التي يرتكبها العرب انفسهم, ومازالت الملايين في كل انحاء الوطن العربي تنتظر من يفتح امامها ــ من جديد ــ ابواب الخلاص. ومع ذلك فالصورة ليست قاتمة, والامر لا يدعو لليأس, والامة التي ترفض الاستسلام بعد خمسين عاما من النكبة لا يمكن ان تموت, والعرب الان في اضعف حالاتهم, والعدو الان في اقوى حالاته, ومع ذلك فالمقاومة مستمرة, والارض ـ في اصعب الظروف ــ تشتعل بالثورة. الذين باعوا وهم السلام الكاذب والرخاء القادم انكشفت لعبتهم الان, فالسلام ــ بعد كل التنازلات التي قدمت ــ لم يكن يوما ابعد مما هو الان, والرخاء الموعود ـ بعد كل التضحيات ــ تحول إلى استنزاف لثروات العرب وسد كل ابواب التقدم امامهم. والذين راهنوا على ان امريكا هي الوسيط العادل بين العرب واسرائيل, يدركون اليوم ان رهانهم كان خاسرا, من البداية, وأن انحياز امريكا لاسرائيل هو انحياز تاريخي ونهائي ودائم طالما تشرق الشمس كما اكدت اولبرايت قبل ايام, والمسخرة السياسية التي نشاهدها الان في المفاوضات بين نتانياهو والادارة الامريكية لن يكون لها من نتيجة إلا اطلاق يد اسرائيل في شؤون المنطقة مع الاحتفاظ بالدعم الامريكي كاملا وشاملا, والاقرار بان اسرائيل وحدها هي التي تحدد احتياجات امنها, وهي التي تقرر حدود مصالحها, ومصالح امريكا ايضا. والقيادات الفلسطينية التي تصورت انها ستكون الجسر الذي تعبر عليه اسرائيل إلى العالم العربي, تعرف الان ان تصوراتها كانت خاطئة, فلا العالم العربي سيقبل منهم هذا الدور, ولا الفلسطينيون سيقبلونه لانفسهم, ولا اسرائيل نفسها محتاجة لجهودهم بعد ان هرول من هرول, ووقع من وقع وتحالف من تحالف, ثم اكتشف الجميع الهوة التي وقعوا فيها. ورغم ذلك كله, فالصورة ليست قاتمة, فنحن الان ــ على الاقل ــ نعرف الحقيقة بعد ان سقطت كل الاوهام وانهارت كل الاقنعة. نحن نعرف الان ان النوايا الحسنة قد ينال اصحابها شهادات حسن سير وسلوك, ولكنها لا تعيد أوطانا ولا تحرر ارضا. ونحن نعرف الان اننا ضعاف, ولكننا نعرف ان الضعف ليس قدرا مكتوبا علينا, فنحن ــ رغم الضعف ــ انتصرنا في اكتوبر, وفي لبنان 82, ونذيق العدو الامرين في حرب الجنوب التي انتصرنا فيها قبل ان تنتهي والتي يحاول العدو ان يهرب منها دون ان يلحقه العار. ونحن نعرف الان ان القاء السلاح كان جريمة, وان استجداء السلام لا يجدي, وان ما اخذ بالقوة لن يسترد بغير القوة التي نملك كل عناصرها, ولكننا نبددها بكل سفاهة. ونحن نعرف الان أن حرب اكتوبر لم تكن آخر الحروب ولن تكون, واننا اذا اردنا ذلك فالعدو ـ بكل خسته ونذالته وعنصريته واحلامه التوسعية ــ لن يقبل, وان الصراع بيننا وبينه طويل, والمعركة مستمرة على كل الجبهات وفي كل الميادين, واننا قادرون على حسمه لمصلحتنا. وفي ذكرى النكبة لا نقف فقط امام الهزيمة, ولكننا نحتفل بخمسين عاما من المقاومة البطولية, ونثبت لانفسنا وللعالم تلك القدرة الفذة على الصمود, وتندلع الارض بالثورة, وتستمر الامة في انجاب الشهداء, ويبزغ الامل من تحت الرماد. وبالصدفة, كنت اقابل مسؤولا عربيا, وظل الرجل يتحدث طويلا عن قضايا الساعة, وانا اسمع بلا مقاطعة وبلا اهتمام, غير اني في النهاية وجدت نفسي اقول بصوت هده الملل: قل لنا من فضلك شوية في سلام الشجعان!!

تعليقات

تعليقات