العام والخاص في النضال الوطني القومي العربي: بقلم- ماجد كيالي

منذ قيام المشروع الاستيطاني الصهيوني اتخذ الصراع ضده الطابع القومي, وقد تجلى ذلك بالرفض العربي لوعد بلفور, ومقاومة الهجرة اليهودية والقتال الى جانب شعب فلسطين, ومن جهته فان الشعب العربي الفلسطيني ظل متمسكا بحقه في وطنه ومتمسكا بخياره العربي وكان نضاله ضد الانتداب, والاستيطان يرتبط بنضاله من اجل الوحدة السورية, والوحدة العربية الاشمل . وقد اتخذ الصراع في بعده الفلسطيني اهمية خاصة, بعد ازدياد مخاطر الهجرة اليهودية في ثلاثينيا واربعينيات هذا القرن, وذلك في مواجهة الادعاءات الصهيونية حول (ارض بلا شعب لشعب بلا ارض) ففي هذا الاطار اكتسب البعد الفلسطيني اهمية استثنائية. وقد ابرزت التطورات اللاحقة خصوصا في الخمسينيات والسبعينيات اهمية هذا البعد الوطني ــ الخاص, في الاطار العام للنضال القومي. ذلك ان الحضور النضالي الفلسطيني يساهم في افشال ركيزة اساسية من ركائز المشروع الامبريالي الصهيوني, وهي الركيزة الاستيطانية, بحكم الطابع الاجلائي العنصري للاستيطان الصهيوني في فلسطين ذلك ان تثبت الشعب العربي الفلسطيني بأرضه, وتمسكه بحقوقه المشروعة, ونضاله من اجلها كان له اكبر الاثر في خلق حالة عدم الاستقرار في الكيان الصهيوني, وافشال المخططات الاستيطانية, كما حصل في الاراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967م, وقد اتضحت اهمية البعد الفلسطيني بعد قيام م.ت.ف في العام 1965م باعتبارها ممثلا شرعيا ووحيدا للشعب العربي الفلسطيني, ورمزا كيانيا له, وقائدا لنضاله. وجاء قيام المنظمة, وتعزز النضال الوطني الفلسطيني بعد العام 1965م ليعبر عن الدور النضالي الفلسطيني الخاص, في اطار النضال القومي ضد المشروع الصهيوني, وبينما كان المشروع الصهيوني يفترض تغييب الشعب العربي الفلسطيني وتصفية وجوده, وتذويبه, جاءت انطلاقة الكفاح المسلح الفلسطيني وبروز م.ت.ف لتؤكد فشل هذا المخطط. وفيما بعد امكن للبعد الوطني ــ الفلسطيني ان يعبر عن نفسه بالثورة المسلحة وفي اطار م.ت.ف, بحكم الظروف العربية بعد العام 1967م, وفي ظل المد القومي الذي كان يقوده الزعيم الراحل جمال عبد الناصر, برزت الثورة الفلسطينية بوصفها قوة عربية تحررية, وبالرغم من اهمية هذا البعد الا انه لم يخل من سلبيات تجلت في اعتبار الثورة الفلسطينية محورا للثورة العربية, وهذا بالطبع موضوع يختلف عن مركزية القضية الفلسطينية للنضال العربي, وقد وصل الامر الى حد طغيان العامل الوطني ــ الفلسطيني على العامل القومي, وهذا الخلل في العلاقة بين القطري والقومي ادى لنتائج سلبية معروفة. وبالطبع فلم تكن العلاقة بين البعد الفلسطيني والقومي او بين الخاص والعام, علاقة سليمة تحكمها القوانين الموضوعية والمصلحة القومية العليا, بل غالبا ما كانت تتحكم فيها السلبيات والمصالح الضيقة بحكم الخارطة السياسية العربية, والنزعة القطرية للانظمة السائدة, علاوة على تبعية بعض الانظمة وتخليها او انكفائها عن الصراع ضد الوجود الصهيوني في فلسطين. وعليه فقد اثبتت التجربة اهمية تصويب العلاقة بين القطري والقومي في العملية النضالية. والقضية ليست كما يحلو للبعض قضية توازن حسابية وميكانيكية بين العاملين, وانما هي قضية علاقة موضوعية تضع النضال الفلسطيني في مكانته الصحيحة المناسبة في النضال القومي بدون تقليل او تهويل, وتفترض من البعد القومي حرصا نضاليا مسؤولا عن البعد الفلسطيني في الصراع, في شكل من اشكال التكامل, والترابط, بحسب المهمة النضالية والدور السياسي لكل من البعدين, على الا يطمس احدهما او يقلل من قيمة الآخر. الوحدة والتحرير: وفي هذا السياق, اي العلاقة بين القطري والقومي برزت في الفكر السياسي العربي قضية التحرير اولا, او الوحدة اولا, فان وضع المسألة على هذا النحو المغلوط والمتعارض, ناتج عن الابتعاد عن التحليل التاريخي والعلمي لقضيتي التحرير والوحدة باعتبارهما يعبران عن قضية واحدة هي قضية النضال ضد الامبريالية, وباعتبار التجزئة والكيان الصهيوني يعبران, وبشكل مكثف عن الوجود الامبريالي في الوطن العربي. فالمسألة لا ينبغي ان تطرح على هذا النحو, ذلك ان طرح الوحدة طريقا للتحرير يجعل القضية الفلسطينية في دائرة خارج الاهتمامات العربية ومن ناحية اخرى فانه لا يأخذ بالاعتبار طبيعة المهمة الامبريالية العدوانية للكيان الصهيوني في المنطقة, وواقع وجوده في قلب الوطن العربي. اما طرح قضية فلسطين اولا, فسيظل طرحا قاصرا ان لم يتلازم مع عملية النضال من اجل تحقيق التكامل الاقتصادي والتكامل العربي بكافة المجالات على طريق الوحدة العربية. وعليه فان النضال من اجل التحرير والنضال من اجل الوحدة هو عملية نضالية واحدة, تسير بشكل متكامل ومتواز في مسار العملية النضالية. وينبثق عن المقدمات السابقة, موضوع له اهمية راهنة, ويتعلق بطبيعة المرحلة واستهدافاتها النضالية. وقد اثبتت التجربة التاريخية النضالية وتعقيداتها بأنه في اطار الصراع العربي ضد المشروع الامبريالي ــ الصهيوني, يمكن التمييز نظريا بين مستويين, نضاليين مترابطين, ومتكاملين من الناحية العملية. المستوى الاول: هو مستوى الصراع الفلسطيني ــ الاسرائيلي, حيث يتراجع العامل القومي في هذا المستوى, كما هو حاصل الآن, ويبرز دور العامل الوطني الفلسطيني. وفي هذه المرحلة, من مراحل الصراع تأخذ القضية منحى قطريا يستهدف تحقيق البرنامج المرحلي الفلسطيني ــ العودة وتقرير المصير واقامة الدولة المستقلة, وتحقيق الانسحاب من الاراضي العربية المحتلة, اي ان هذه المرحلة تستدعي تحقيق الاهداف الفلسطينية المرحلية, والغاء الهدف العدواني العسكري المباشر للكيان الصهيوني. المستوى الثاني: وهو المستوى المتعلق بالصراع العربي ــ الصهيوني وهذا المستوى مرتبط بتحقيق اهداف النضال ضد المشروع الامبريالي ــ الصهيوني في الوطن العربي, وهذه العملية تفترض قيام دولة ديمقراطية ــ علمانية في فلسطين تكون جزءا من الوطن العربي. كما ان هذه المرحلة تفترض بروز البعد القومي في الصراع اكثر بكثير من البعد القطري. ولا ريب في ان هذا التمييز النظري فيما بين المستويين, ان صح التعبير لا ينبع من رؤية ذاتية, بقدر ما هو انعكاس لموازين القوى السائدة وللمحددات العربية للصراع, وللشروط الدولية في اطار كل مستوى. ففي مرحلة الانكفاء العربي, يبرز العامل الفلسطيني لتوفير الشرط الذاتي اللازم لتحقيق الاهداف المرحلية الفلسطينية ولكن حتى في هذه المرحلة فانه من المفترض توفر الحد الادنى من العامل القومي لاحتضان العامل الذاتي ومراكمة الشروط الكافية لتحقيق اهداف هذه المرحلة. اما في مرحلة المد القومي, وظهور تناسب قوي جديدة على الصعيدين العربي والدولي لصالح الاهداف العربية, ففي هذه المرحلة يبرز العامل القومي في الصراع وتتضاءل اهمية البرنامج المرحلي لصالح البرنامج القومي والحل العادل والشامل والدائم للقضية الفلسطينية المتمثل باقامة الدولة الفلسطينية الديمقراطية في الاطار العربي, وفي هذا المستوى من مستويات الصراع يبلغ التكامل بين القضيتين ذروته في التلازم, وفي المستقبل العربي الواحد. كاتب فلسطيني مقيم في دمشق

تعليقات

تعليقات