الفرانكوفونية المعاصرة ـ بقلم : رشدي ابو الحسن

الفرانكوفونية و الفرانكوفوني و الفرانكوفونيون كلمات جديدة, فرضت نفسها على الألسنة ووسائل الاعلام, ودخلت القاموس السياسي, رغم حداثة العهد بها. اذ يمكن التأريخ لها بعام ,1986 وهو العام الذي أطلق فيه الرئيس الفرنسي الراحل ميتران, مبادرته, لعقد أول قمة على مستوى رؤساء الدول (التي تشترك في استخدام اللغة الفرنسية) . عقد في هانوي, في نوفمبر ,1997 هو الاجتماع السابع لهذه القمة, والذي يتم لاول مرة على أرض القارة الآسيوية. وظهرت الى الوجود وكالة الفرانكوفونية سنة ,1996 وهي وريثة وكالة التعاون الثقافي والتقني, التي انشئت في ,1970 وكان معظم نشاطها واهتمامها موجه الى افريقيا جنوب الصحراء, حيث البلدان التي كانت مستعمرات فرنسية سابقة. والوكالة الجديدة بمثابة أمانة عامة لمختلف المؤسسات الفرانكوفونية, وهي مؤسسات عديدة, وكالة تضع الخطط والبرامج وتتابع تنفيذها وتعد لمؤتمرات القمة, وأمينها العام حاليا هو الدكتور بطرس غالي الأمين العام السابق للأمم المتحدة. وفي تصريحات أخيرة للأمين العام منذ أيام, أعلن فيها عن تفاصيل الاتفاق الذي أبرمته (الفرانكوفونية) ــ منظمة الدول الناطقة بالفرنسية ــ للتعاون مع الجامعة العربة. وعن نشاط المنظمة وأوجه التعاون بينها وبين الأمم المتحدة واليونسكو ومنظمة المؤتمر الاسلامي ومنظمة الوحدة الافريقية. وقال بطرس غالي ان هناك اتفاقا على التنسيق بين منظمته ومنظمة الوحدة الافريقية, وأنه سيشارك في مؤتمر جامعات العالم المهتمة بقضايا الفرانكوفونية, الذي يبدأ أعماله في بيروت هذا الاسبوع, بحضور وزراء التعليم العالي في الدول الاعضاء بالمنظمة. ومثل هذا النشاط, والسعي للحضور, يعكس محاولة دائبة ونشيطة, من جانب الاتجاه الفرانكوفوني, للتعبير عن نفسه, على مستوى العالم, إن لم يكن خوض معركة او معارك لاثبات وجوده, ونشر قيمه, او على الاقل التواجد الى جانب (الانجلوفون) وهو الاتجاه المسيطر اليوم, والذي تحاول (الفرانكوفونية) مشاركته أو التواجد الى جانبه بأي قدر من الوجود. واذا كان لا يمكن القول أن (الفرانكوفونية) وافد جديد على الساحة الفكرية والسياسية العالمية, فإنه يمكن القول ان الفرانكوفونية تبدو اليوم بقسمات جديدة, ومؤسسات اكثر فعالية, ولها قدرة على المناوأة والحضور, وتدافع عن راجات محددة. اللغة الفرنسية وقبل التوقف عند الفرانكوفونية المعاصرة, نشير الى مفهومها وتاريخها. فهي تبدأ من نقطة التمسك والاعتزاز باللغة والثقافة الفرنسية, من جانب غير الفرنسيين, وغير الفرنسيين هنا تعني الدول أو النخب, فخلال الفترة الاستعمارية, تقاسمت فرنسا مغ غيرها من الدول الأوروبية العالم, وكان من نصيبها بعض الدول في آسيا وافريقيا. وكانت لغة الدولة الاستعمارية, وبالتالي ثقافتها, من بين الأدوات التي تعتمد عليها في احكام وادامة سيطرتها. ولعل المثل الصارخ الذي يأتي على الذهن هنا بالنسبة لفرنسا, هو محاولتها الاجرامية الغاء اللسان العربي من الجزائر تماما, وهو ما ناضلت الجزائر طويلا لاستعادته بعد الاستقلال. فهناك دول ناطقة بالفرنسية, اي ان لغتها الثانية وأحيانا الأولى هي الفرنسية, وهناك نخبة من بعض البلدان تتقن الفرنسية وتتشرب الثقافة الفرنسية, حتى في الدول التي لم تكن يوما مستعمرات فرنسية. إذن فالفرانكوفونية تبدأ باللغة والثقافة الفرنسية (وينطبق هذا على 49 دولة وعلى حوالي 160 مليون شخص في انحاء العالم يتحدثون الفرنسية) كما تقول افتتاحية العدد الأخير من مجلة (فرنسا الجميلة) التي تصدرها وزارة الخارجية الفرنسية في ثماني لغات من بينها العربية. وقد نجح مثقفو البلدان المستعمرة من جانب فرنسا ــ وغيرها من الدول الاستعمارية ــ في الوصول الى تفرقة بين الكفاح ضد استعمار الدول الكبرى, وبين الحضارة التي تمثلها. إذ ان فهم واستيعاب أسس تلك الحضارة ومثلها, كان ضروريا حتى للنجاح في المقاومة. ان هذه التفرقة كانت ضرورية, وهي التي مدت في عمر اللغة والثقافة والروح الفرنسية. ويمكن التذكير هنا ــ للتوضيح ــ بكلمة عباس العقاد (أننا نهتم بباستير وليس ببونابرت) . وأيضا بكلمات هيونه تيه كووك رئيس جامعة (هوشي منه الفيتنامية) وهي تجيب على سؤال لصحفي فرنسي, منذ وقت قريب عن اثر اللغة الفرنسية على الصفوة الفيتنامية المعاصرة. (السياسيون الفيتناميون في سن الستين وما فوق, فرانكوفونيون بدرجة متفاوته, لقد تعلموا في المدارس الفرنسية, اي في جو الثقافة الفرنسية. واذا كانوا قد قاتلوا من اجل استقلال بلادهم, الا انهم عرفوا دائما كيف يميزون بين نضالهم وما يعتبرونه جزءا من التراث الثقافي للانسان) . ولذلك حين ولدت الفرانكوفونية في الستينات, كان مولدها بحضور وحماسة قادة كبار من البلدان التي كانت مستعمرة سابقا وواقعة تحت الاحتلال الفرنسي, وقد كان من بينهم سنجور من السنغال وبورقيبة من تونس وسيهانوك من كمبوديا ويوري من النيجر وشارل حلو من لبنان. مصر وفرنسا وكما قلنا فإن نشر اللغة والثقافة الفرنسية في انحاء العالم, تواكب مع الوجود والنفوذ الاستعماري لفرنسا, سبقه أحيانا واتسع أثناءه, واستمر بعده, طبعا لا يمكن مقارنته بانتشار الانجليزية. ولكنه كان دائما له وجود. وكانت المعاهد والمراكز الثقافية الفرنسية, ووكالات التعليم الفرنسي بالخارج, والجامعات التي تستخدم اللغة الفرنسية, وقبل هذه المؤسسات, الذين يتعلمون في الجامعات الفرنسية نفسها, ثم يعودون الى بلدانهم, بعد أن تشربوا الأدب والثقافة والروح الفرنسية. فالفرانكوفونيون هم هؤلاء الذين يتقنون اللغة الفرنسية, ويقرأون الأدب الفرنسي, والموسيقى الفرنسية, ويعرفون تاريخ فرنسا وأعلامها عبر التاريخ. هؤلاء الذين يحبون فرنسا, ويستطيعون البرهنة على أسباب هذا الحب أمام مواطنيهم, ويترجمون اذا استطاعوا لمواطنيهم بلزاك وستندال وقلوبير ومارسيل بروست وغيرهم. وهنا يمكن ضرب مثل معاصر من مصر. عندما اتفقت وزارة الثقافة المصرية مع وزارة الثقافة الفرنسية, على أن يكون هذا العام ,1998 عام الاحتفال بالعلاقات الثقافية بين البلدين. وقد ثارت مناقشات حادة في مصر بين المثقفين, حول الاحتفال بهذه العلاقة. طبعا سبب الخلاف هو اختيار التوقيت وربطه بالحملة الفرنسية على مصر بقيادة بونابرت. فقد رأى البعض أنه ليس من (الوطنية) ان تكون مناسبة الاحتفال مرتبطة بتاريخ الغزو الفرنسي. ودون الدخول أو التوقف عند الحوار الحاد الذي دار بين الطرفين من المثقفين المصريين ــ وكثير منه يتسم بالافتعال ــ فان هناك رصيدا ملموسا من العلاقات الثمينة والمفيدة بين البلدين, تعود الى مختلف مراحل التاريخ الحديث, ولا تزال مستمرة الى اليوم. وهذا الحوار الذي شارك فيه عدد غير قليل من المثقفين المصريين, كشف عن فرانكوفونيين مصريين. وواضح طبعا أنني لا أقول هذا على سبيل الذم او المدح. وإنما لاقرار حقيقة تأثير المتأثرين بفرنسا او المحبين لها أو الداعيين لتوثيق العلاقات معها أو يكمل حديثه (الفرانكوفونين) . وبالنسبة لمصر فان هذا الجانب من النخبة في مصر, لم يكن غائبا عن الساحة المصرية, في كل مراحل التاريخ الحديث. ضد العولمة ولكن الفرانكوفونية تأخذ اليوم طابعا اكثر شمولا واختراقا وحضورا, بعد انتهاء الحرب الباردة, ومرور النظام الدولي بفترة انتقالية, وانفراد الولايات المتحدة بالقيادة, بعد سقوط نظام القطبية الثنائية. فالفرانكوفونية اليوم تقف في مواجهة النموذج الامريكي وتعارض العولمة وتتمسك بالهوية الثقافية وتتحدث بالحاح عن التعدد والتنوع. إنها تقف في مواجهة الانجلوفونية., وهي ترفع هذه الراية في بلدها فرنسا أولا, ثم تجمع حولها الانصار في الخارج, سواء في قارتها أوروبا, أو في غيرها من القارات, وبالذات وسط المناطق الثقافية المتميزة مثل المناطق الاسبانية والعربية. ان في الفرانكوفونية المعاصرة خطا سياسيا بارزا, فهي لا تقتصر فقط على اللغة والثقافة, ولكنها تواجه الوضع العالمي المعاصر بنهج سياسي, أظهر ما فيه مناوأة انفراد الانجلوفونية وتوسعها. ومن الممكن التعبير هنا عن الانجلوفونية بالثقافة الامريكية او النفوذ الامريكي. ولا يبدو الجانب السياسي واضحا كما يبدو في افريقيا. ان الفرانكوفونية في افريقيا تتجسد في إرساء نفوذ سياسي واضح, وصراع على دعم هذا النفوذ وتوسيعه, ان الصراع الامريكي الفرنسي على بسط النفوذ في افريقيا اوضح من أن يخفى على أحد, بل إن الفرنسيين يقولون علنا ان هناك مؤامرة انجلوسكسونية لتصفية النفوذ الفرنسي واقتلاعه من القارة المليئة بالمشاكل. وقد كان الصراع بين الطرفين في وسط افريقيا منذ أعوام علينا. وعندما هب الناس ضد موبوتو حاكم الكونغو السابق. لم يكن سرا أن أمريكا تؤيد أعداء موبوتو بينما تقف فرنسا الى جانبه. وعندما زار رئيس غينيا الاستوائية فرنسا في شهر فبراير الماضي, علقت صحيفة اسبانية قائلة: ان الرئيس الغيني يريد ان يكون الصديق الافريقي الجديد حيث طلبت غينيا الدخول ضمن الدول الفرانكفونية. ومن المعروف ان غينيا تحتفل باكتشاف البترول في أرضها مؤخرا. كما أن هناك ملمحا اقتصاديا في الفرانكفونية النشيطة, ففي عملية اقتصاد السوق وتحرير التجارة العالمية الدائرة, تسعى فرنسا ليكون لاستثماراتها موطىء قدم, وفي عدد أخير لمجلة فرنسا الجميلة خصصته المجلة لصعود الفرانكفونية في آسيا, اشارت المجلة (اذا كانت آسيا في طريقها الى أن تصبح القطب الاقتصادي الثالث, فإنه يتعين عليها أن تجذب انتباه الفرانكوفونيين) حوار الثقافات واذا كان لابد أن يكون لنا ــ نحن العرب ــ موقفا من الفرانكوفونية, فيجب ان يكون هو الموقف الذي يحقق لنا خدمة آمالنا وطموحاتنا وتقدمنا. وفي الفرانكوفونية جانب ايجابي مهم, وهو اهتمامها بالتبادل الثقافي ونشر التراث الفكري والأدبي والفني المكتوب باللغة الفرنسية, وهو تراث أصبح جزءا من التراث العالمي. وهذا ما يجب تشجيعه ودراسته والتفاعل معه. لقد قرأت القائمة من أسماء الكتب التي أشرف المركز الثقافي الفرنسي بالقاهرة على ترجمتها الى العربية, ورأيت فيها الكثير مما يستحق أن يقرأه المثقفون العرب, سواء من الكتب السياسية او العلمية او الادبية منها مثلا كتاب لفلوبير وآخر عن الهوية الثقافية وثالث عن مشكلة تغير المناخ المعاصرة. وهي تحاول ان تترجم شعار حوار الثقافات مقابل صدام الحضارات ترجمة عملية, فتقيم على أرضها معارض ومتاحف لأهم منجزات الحضارات العالمية القديمة والمعاصرة, وتؤسس مراكزا ومعاهدا واقساما من جامعات في البلدان المختلفة. وهو ما يستحق التشجيع. وهذا الاتفاق لا يمنع من مناقشة ورفض ما تسعى اليه السياسة الفرنسية مما تراه محققا لمصالحها المباشرة ولا نراه نحن كذلك. والفرنسيون أنفسهم ينتقدون بعض الاساليب والسياسات. قرأت أخيرا مقالا مترجما عن صحيفة (لوموند ديبلوماتيك) الفرنسية, عن (النموذج الاوغندي) انتقد كاتبه موقف الفرنسيين غير الودي من الرئيس الاوغندي موسيفيني. والعبارة التي استخدمها الكاتب (على الرغم من أن المساعدات الامريكية لاوغندا كانت ضئيلة وكذلك استثماراتها اقل من الاستثمارات الفرنسية, الا أن ذلك لم يمنع باريس من الانسياق وراء الفكرة المتسلطة عليها بأن هناك مؤامرة انجلوسكسونية) . وفي العبارة السابقة نقد وسخرية واضحة. وعلى ذكر صحيفة لوموند ديبلوماتيك, فهي تصدر طبقة عربية تظهر فصلية, فيها الكثير مما يفيد القارىء العربي ويفتح عينه على جوانب اخرى من الحقيقة. والحرص على استمرار هذه الطبقة العربية, يعكس حرصا على التبادل الثقافي, يجب ان تكون العرب أقل في هذا الحرص من الفرنسيين. لنفتح نوافذنا, ونستمع الى كل الاصوات, ونختار طريقنا بثبات, وفهم وعلى أرض صلبة.

تعليقات

تعليقات