شاهد على النكبة، يافا... والرحيل ـ بقلم أحمد عمر شاهين

ربما كان الوقت منتصف الليل, حين ايقظتني امي انا واخي, لم يكن هناك وقت حتى لنغير بيجاماتنا, خرجنا بسرعة من البيت, حين حاولت أن البس الحذاء, جرتني بعنف, فلبست قبقابا وسرت اجر قدمي بجانبها سألت وانا اقاوم النعاس الى اين؟ قالت: اليهود في بيت جدك, سيدخلون الحي, وعلينا مغادرته! واين ابي؟ مع المجاهدين, كنا نسكن ضاحية كرم التوت قرب ابو كبير ووراء المسكوبية, لم يكن يفصلنا عن تل ابيب الا مجموعة من بيارات البرتقال. وبيت جدي ظل مقرا للفدائيين ــ لمدة ثلاثة شهور, وحين تغير المقر عاد جدي وعائلته, اخوالي وخالاتي وجدتي, ليقيموا ثانية في فيلتهم الكبيرة. والليلة تسلل اليهود عبر البيارات, وتسلقوا الجدار بينها وبين الفيللا, وهاهي معركة كبيرة تقوم, تصلنا منها اصوات الرشاشات وانفجار القنابل, ونحن نتحرك بسرعة عبر الشارع الرئيسي في الضاحية, امي ونساء الحي الاخريات مع اطفالهن, وكل منهن تحرص بشدة الا يصدر صوت عن احد من ابنائها. يسرن وسط البيارات والاسيجة والاشواك والظلام, نتجه الى ضاحية ام العيلة عند احد اخوالي, الرصاص يئز فوق الرؤوس وورق الشجر يتناثر حولنا وعلينا والخوف يعقد الالسنة, فقدت احدى فردتي القبقاب في احد المصارف, فقالت امي ونحن نهرول ارمي الاخرى, تجمعنا في غرفة كبيرة في بيت خالي, غطينا الشبابيك بالبطاطين وتكومنا فوق بعضنا دون صوت ننتظر المجهول, حتى بزغ الصباح علينا, جاءت خالاتي بقمصان النوم اشباه عرايا, وعرفنا ان الفيللا قد نسفت وان المعركة استمرت ساعات ونجح المجاهدون في منع اليهود من دخول الضاحية. كانت كرم التوت خط التماس الاول مع اليهود في تل ابيب, ولم تعد المعركة مجرد تبادل رصاصات من البنادق بين حين وآخر, بل اضحى الامر خطيرا, وقرر ابي ان نذهب لنعيش في بيتنا في حي النزهة وسط يافا, خاصة وقد زالت حجة امي بالسكن قرب اهلها بعد نسف الفيللا وازدياد المعارك. لم يمض وقت طويل, حتى هلت علينا ايام الرعب, القصف المتواصل ليل نهار, بدأ حين كنت في مدرسة حسني الاسمر الابتدائية, في الحصة الاولى سقطت قنبلة فوق بائع الفستق على الرصيف االمقابل للمدرسة, كنت احمل فروة خروف واجلس مع اخي قربه في الشمس, نأكل فستقه ونتشمس, لم استوعب المشهد حين رأيته, وكان هم المدرسة ايصال الاولاد الى بيوتهم, كان بيتنا قريبا في شارع متفرع من شاع الملك فيصل لا يبعد عن المدرسة بأكثر من خمسين مترا, اوصلتني الى البيت مدرسة الموسيقى اسمها كوثر, وعرفت بعد ذلك انها عادت الى المدرسة, ومن سوء حظها سقطت قنبلة على المدرسة وكانت من ضحاياها, واستمر القصف ثلاثة ايام 25 و27,26 ابريل سنة 1948. تهدمت كثير من حوائط الشقق بحيث كنت ترى ما بداخلها مبعثرا ومعروضا للعيان, وتحطم الكثير من ابواب المحلات التجارية, وانقطعت المياه والكهرباء, ولم تعد تسمع سوى صوت انفجار القنابل وازيز الرصاص, وكثر السلب والنهب واصبحت المدينة مدينة رعب واشباح. وصباح اليوم 28/4/1948 البستني امي ملابسي, واخذنا ابي انا واخي معه الى الدكان, كان الجو جميلا واشعة الشمس تسقط على اوراق الشجر النضرة في الجزيرة التي تفصل بين الاتجاهين في شارع الملك فيصل الذي غسلته امطار الليل, المنظر حولنا يتناقض مع جمال الطبيعة, المخبز المجاور لبيتنا تحطمت ابوابه وبدت بعض ارغفة الخبز متناثرة على ارضيته, عربة خضروات مقلوبة والحمار الذي يجرها مبقور البطن بجانبها ولا اثر لصاحبها, راكب دراجة نارية مسرعة, تتعثر دراجته عند التقاطع, فيقع على الارض وتنفجر قنبلة كانت معه تودي بحياته, بائع جرائد ينادي على جريدتي فلسطين والدفاع, قلة من الناس تسير في الشارع مسرعة. يفتح أبي باب دكانه, ويدفع بنا داخلها, يغلق علينا الباب قائلا انه لن يغيب طويلا. جلسنا على اكياس الدقيق والارز خائفين, زاد من خوفنا الفئران التي كانت تمرح في الدكان, وصوت الرصاص الذي كان يصلنا من بعيد, صعدنا فوق الاكياس لنطل من الطاقة الخلفية على مصنع الثلج المجاور الذي كان يعمل فيه احد اخوالي, كنا نذهب هناك, حيث يضع الفواكه من المشمش والبرقوق والخوخ في قوالب الماء المثلج قبل ان يتجمد ليخرج لوح الثلج مرصعا بالفواكه. عند الظهر او بعده بقليل , (ظهر والدنا) , اندلقت اشعة الشمس ساطعة داخل الدكان وابي يرفع الباب, (بربشت) عيوننا من الضوء الشديد صاح بنا (هيا.. هيا) كان هناك باص يقف قرب الرصيف تكوم فيه كل اقاربنا من النساء والاطفال والرجال, يقوده خالي الذي يعمل في شركة باصات فلسطين الجنوبية التي كانت تملكها عائلة بامية, ولولا ذلك لما تمكنا من الحصول على باص يجلي عائلتنا عن يافا حتى ينتهي القصف والمعارك, والكل يقول لن يستغرق الامر اكثر. من أسبوع. رحلنا بالملابس التي علينا, وبعض أكياس الدقيق وصفائح السمن وجراكن الكيروسين التي وضعت فوق سطح الباص. ولم اكن اريد ان ارحل, بكيت حتى نهرني ابي بشدة, كنت اود ان احضر كتبي وقصصي التي تركتها في البيت ورائي. بدأت النساء تقرأن آيات من القرآن الكريم, والرجال تصفر وجوههم, والخوف والتوجس يسيطران على الجميع والباص يقترب من مستعمرة (نيتر) على الطريق الرئيسي, وكان اليهود في هذه المستعمرة لا يتركون عربة سائرة دون اطلاق النار عليها, اسرع خالي بالباص حين اقتربنا منها, هناك بعض العربات المحطمة على الطريق, السرعة تزداد وسمعنا صوت الرصاص, وسقطت من فوق الباص بعض (جراكن) الكيروسين. وارجع البعض توقف الرصاص بسببها, فقد ظن اليهودي انها قنابل فكمنوا, لا ادري ما اذا كان ذلك صحيحا ام لا, لكننا قطعنا المسافة دون ان يصيبنا مكروه. وقرر خالي ان نبتعد عن الطرق الرئيسية, ونسير عبر القرى على الطرق الفرعية, وقد كلفنا ذلك ان تضاعفت المسافة. ووصلنا احد (كراجات) الشركة في خان يونس اقمنا في المبنى الرئيسي للكراج اسبوعين قبل ان يستأجر اي بيتا في شارع جلال بعد ان تأكد ان الامر سيطول خاصة وان الحرب قد نشبت بين العرب واسرائيل بعد اعلان دولتها. وهكذا بدأت رحلة العذاب, رحلة الهجرة.

تعليقات

تعليقات