الحوار مع الذات والآخر في لقاء (غرناطة) ـ بقلم: د. طلعت شاهين

اللقاءات العربية ــ العربية أصبحت أصعب من اللقاءات العربية الاجنبية أيا كانت الجهة التي يتحاور معها الطرف العربي, وهذا لا ينطبق على السياسيين فقط, بل ينطبق على المثقفين الذين نتخيل انهم عقل الأمة , من المفترض ان عقولهم تختلف عن العقل السياسي الذي يميل الى مجاراة الاوضاع اذا لم يكن ممكنا مواجهتها او مجابهتها, لان الواقع في عالم الرمال المتحركة للسياسة الدولية يختلف كلية عما يعيشه المثقف الذي لا يرتبط بوضع معين, ويعمل من خلال الحرية المفترضة التي يتطلبها الفكر, اي العمل من خلال الحلم لتحقيق واقع مستقبلي مختلف عن الحاضر الواقعي, بغض النظر عن كون هذا الواقع الحاضر. أسوأ او افضل. المثقف يمثل عقل الأمة, لأنه ببساطة يحلم دائما بما هو ابعد من الواقع الآتي, ويحاول دائما, خاصة المبدع السير خطوات سابقة على خطوات السياسي, لكن يبدو ان المثقف العربي يخرج عن إطار الحرية التي يجب ان يقاتل من اجل حصوله عليها, ويتنازل طوعا عنها ليعيش على الهامش الذي تمنحه له السلطة السياسية, حتى الذين يقيمون منهم خارج الوطن, وهم كثر هذه الأيام, حين يتقدمون باطروحاتهم تتلبسهم الروح التي تتلبس زملاءهم في الوطن, فيتحدثون عبر لغة متعالية حتى لو كان جمهورهم من المثقفين. اللقاءات بين المثقفين العرب التي جرت وتجرى على الارض العربية او خارجها لاتزال تحكمها الغربة التي يعيشها هذا المثقف خلال العقود الاخيرة, الذين يعيشون منهم في ارض الوطن مغتربون اجباريا من خلال ابعاد السلطة السياسية لهم عن دورهم المنوط بهم, أو انهم مبعدون بشكل اختياري تجنبا للصدام مع تلك السلطة, او يأسا من الاوضاع التي يشاهدونها من خلال التعامل اليومي مع ذلك الواقع, الذي اصبح اكثر من مأساوي في الكثير من مناحيه. أما الغربة خارج الوطن يبدو ان المثقف العربي لا يفيد منها, لأنه يعيش في بلاد غريبة, ولكنه يظل في تلك البلاد الغريبة ممارسا للحياة الثقافية على النسق الذي غادره في بلاده, رغم أنه يعلن دائما رفضه لذلك النسق الذي يمارس فيه حياته, لانه ما أن تتاح له الفرصة في الكلام من على منصة تعلو او تواجه جمهورا, ينسى هذا المثقف ما ينادي به من شعارات, او ما يعلن عنه ليتحدث باللهجة التي يعلن عن رفضه لها, وكثيرا ما يسقط في بديهيات مرفوضة, كأن يناقض قضايا الثقافة العربية, وبشكل خاص التراث العربي بلغة غير عربية. هذا حدث الاسبوع الماضي خلال لقاء دعا اليه (معهد الدراسات عبر الاقليمية للشرق الاوسط وشمال افريقيا وآسيا الوسطى (التابع لجامعة (برينستون) الامريكية, والذي يموله الامير المغربي (هشام بن عبد الله العلوي) , من المفترض ان هذا اللقاء أقيم في مدينة غرناطة الاندلسية تحت شعار (الابداع الثقافي والتغيير الاجتماعي في المجتمعات العربية في نهايات القرن, وحضره نخبة من المثقفين والمبدعين والباحثين العرب يزيد عددهم على المائة, منهم عدد كبير يقيم ويمارس حياته الثقافية والاجتماعية في أوروبا والولايات المتحدة, واكثر هؤلاء هجرتهم للوطن لم تكن قسرية بل اختيارية, إما بحثا عن حرية البحث والابداع, او بحثا عن مناخ ارحب يوفر لهم الحياة في إطار حياة حلموا بها ولم يجدوها في بلادهم. لكن هؤلاء المثقفين لا يزالون على وعي بمهمتهم في الحياة وامكانية مساهمتهم في البحث في مشاكل اوطانهم, والتوصل الى حلول يمكنها ان تقيم ذلك الوطن الحلم ليصبح وطنا ممكن التحقيق, لكن هذا اللقاء يكشف عن غياب وعي حقيقي لتلك العقول لتلك المشاكل, إذ ان أكثرهم يناقشون بمنطق فوقي يتعالى على جمهور الندوة او اللقاء, رغم أن هذا الجمهور الذي حضر لقاء غرناطة كان من جمهور المبدعين والمثقفين أنفسهم, اي انه لا مجال للتعالي على المستمع لانه يمثل جزءا من منظومة الفكر العربي نفسه, الذي يحاول المتحدث ان يكشف عن مثالبه, وان يقيم تلك المثالب. كان هذا واضحا في الطريقة التي ألقى بها المحاضرون أوراقهم من على المنصة, وتجلى ذلك في ورقة (كمال ابوديب) التي عنوانها (في الفكر النقدي والفكر النقضي) والتي حاول ان يقدم فيها نظرية متكاملة ــ من وجهة نظر الباحث لما يجب ان يكون عليه الابداع في الفكر العربي, متناسيا ان التنظير لا يأتي قبل الابداع في الفكر, ومتناسيا ان اية نظرية مهما كان احكامها وتناسقها لا يمكن تطبيقها على ابداع معين دون ان يخرج هذا الابداع عن تلك النظرية, وتجلت في ورقة الباحث رؤية المثقف العربي الذي يرفع شعار الحوار, وعندما تتاح له تلك الفرصة يطوي شعاره ليكشف عن رؤية مختلفة تتنافى مع الشعار. ثم كان هذا واضحا ايضا في الردود التي خرجت من القاعة موجهة إلى المنصة تحاول ان تعيد المحاضر إلى مكانه الطبيعي, وتطالبه بان يكون اكثر تواضعا وديمقراطية, وان يحاول تطبيق ما ينادي به من خلال الممارسة, لكن تلك الردود كانت غير متناسقة مع شعارات المتحدثين بها, لانها ايضا خرجت عن كونها مجرد تنبيه وتقويم لما تراه غير متفق مع الفكر المطلوب تطبيقه للخروج من المأزق العربي, لتتحول تلك الردود إلى نوع من الممارسة غير الديمقراطية ايضا, حيث كان اكثرها استعراضا للعضلات, وكشفا للمطالب دون التوقف عند الايجابيات في ورقة الباحث, والتي تصلح لان تكون بداية لحوار ايجابي مثمر ما بين الباحث والمحاور من القاعة. لكن هذا الحوار لم يكن سلبيا كله.. في رأينا.. بل كانت له ايجابيات, لانه دفع بعض الباحثين إلى العودة إلى اوراقهم المطبوعة وتقديم بديل عنها, بعد ان تنبهوا إلى اخطاء ربما لم ينتبهوا اليها اثناء كتابتها, وتجلى هذا عند الباحث المغربي (عبدالسلام بنعبد العالي) الذي قرأ ورقة اخرى غير تلك التي كانت مطبوعة وموجودة بين يدي الحاضرين, واعلن عن هذا صراحة, الحق ان الورقة الجديدة تفادت الاخطاء التي كان يمكن ان تعرض الباحث إلى انتقادات مشابهة لما تعرض لها (كمال أبوديب) وبدا هذا واضحا في الوجوه التي ناقشت الورقة, حيث تراجع اكثر من مناقش عن تعديد مثالب الورقة, وتحدثوا عن ايجابيات الورقة الجديدة التي قدمها الباحث, وربما كان هذا من الامور المحمودة في هذا اللقاء الذي نرجو ان تكون قرينة للقاءات والحوارات بين المثقفين العرب عندما يتعلق الامر ببحث الواقع العربي, الذي اصبح (لا يسر عدوا ولا حبيبا) . لكن ورقة الباحث المغربي على ايجابيتها كشفت عن سلبية هامة في الحوار الثقافي العربي, لان الرد على عرضها من جانب باحث مغربي اخر جاء باللغة الفرنسية (؟!) مما طرح تساؤلا هاما في القاعة التي شهدت اللقاء, كيف يمكن لباحث ومثقف عربي يضع نفسه في اطار (الانتلجنسيا العربية) المطالبة بالبحث في مشاكل هذه الامة ومساعدتها على الخروج من ازمتها, والتي يعتبر التغريب اهم مشاكلها ان يتحدث إلى جمهوره بلغة غير لغة تلك الامة, الا اذا كان هذا مدعاة إلى بحوث اخرى تحاول ان تبحث احدى السلبيات التي يتعرض لها المثقف العربي, وهو تغريبه عن لغته ايضا! ربما يكون هناك من يخالفني الرأي حول اهمية ان يجيد الباحث لغة الثقافة التي حاول الكشف عن مشاكلها وطرح حلول ايجابيه لها, وربما كان المخالف له الحق في ابداء رأي مخالف لما نراه, واعرب عن عدد كبير من الحاضرين, الا اننا نرى وكأن هذا رأي شبه عام بين الحاضرين في غرناطة, انه كان على الباحث ان يتحدث بالعربية لانه يجيدها, أو على الاقل الا يتجاهل تلك اللغة عند الحديث عن التراث العربي, الذي كان محور الورقة التي رد عليها حتى يكون مقنعا للمستمع. في لقاء غرناطة حاول البعض ان يطالبنا باقامة حوار مع الاخر حتى يمكن الاستفادة من تجربة (ذلك الاخر) في التعرف على الذات, لكن هذا اللقاء كشف بوضوح عن غياب امكانية الحوار مع الذات, ذلك الحوار الذي يجب ان يسبق الحوار مع الاخر, ان المثقف العربي مطالب بان يقيم حوارا ايجابيا مع ذاته اولا ليتعرف عليها وعلى مشاكلها ويقيمها, ثم بعد ذلك يقيم حوارا صحيحا مع زميله المثقف العربي, ليشكلا معا جبهة يمكنها ان تقيم حوارا مع الاخر بحثا عن حلول لواقع ثقافي عربي اصبحت مشاكله لا تحتمل, لانها تنعكس في النهاية على الواقع الاجتماعي العربي بالسلب.

تعليقات

تعليقات