بين ربيع باريس ومايو اندونيسيا: بقلم- رضى الموسوي

في المشهد الظاهري, ثمة تشابه بين الاحداث التي تشهدها الآن اندونيسيا من تحركات طلابية تتسع لتشمل قطاعات وفئات اجتماعية جديدة تطالب باصلاحات سياسية واقتصادية ذهبت في الآونة الاخيرة الى المطالبة بتنحي سوهارتو والغاء عملية انتخابه لدورة سابعة تمتد حتى العام ,2002 وبين ثورة الطلبة الفرنسيين قبل ثلاثين عاما (مايو 1968) او ما عرف فيما بعد بـ (ربيع باريس) عندما اشعل الطلبة تحركات شاركهم العمال فيها ووضعت فيها المتاريس لايقاف تقدم الشرطة, حينها, الى معاقل الطلبة في الجامعات الفرنسية وخارجها. وجه الشبه هذا يتمثل في العنصر الطلابي الذي فجر الاحداث في ربيع باريس وفي ايام (ميدان عاصمة) جزيرة سومطرة الاندونيسية, وكذلك في حال البطالة والوضع الاقتصادي المبهم الذي لا يعرف له مستقبل, وفوق ذلك كانت مغادرة الجنرال شارل ديجول رئيس فرنسا آنذاك بلاده متوجها الى المانيا للقاء الجنرال ماسو تشبه سفر الرئيس الاندونيسي سوهارتو الى القاهرة لحضور اجتماع مجموعة الخمس عشرة في العاصمة المصرية القاهرة. الا ان ربيع باريس سجله التاريخ باكثر من زاوية. ففي حين وجدت بعض الدراسات ان (الثورة الطلابية) فشلت في الوصول الى اهدافها بسبب تراخي اليسار وقسوة ديجول, ذهب البعض الاخر الى القول ان الربيع الباريسي كان عبارة عن ثورة طويلة الامد, حيث ادت الى اعتزال الجنرال ديجول السياسة بعد عام من (الربيع) وان آثاره الاجتماعية والثقافية هي الاكثر اهمية ضد الحرب العالمية الثانية حتى الآن, إذ احدثت تغيرات في المجتمع الفرنسي, وتعرف فيما بعد بأشد الليالي التي عاشتها (بين ليل التاسع وفجر العاشر من مايو 1968) وهي ليلة المتاريس. اما في اندونيسيا فان الوضع لايزال حيا, وبالرغم من ان الاضطرابات بدأت قبل عدة اسابيع, الا ان الحالة ازدادت تطورا مع رضوخ جاكرتا الى شروط صندوق النقد الدولي والبلدان الدائنة لاندونيسيا بضرورة احداث (اصلاحات اقتصادية) اهمها زيادة اسعار الكهرباء والغاز والبنزين بين 25 ــ 71 بالمئة, الامر الذي شجع فئات اجتماعية اخرى للدخول في التحركات الطلابية بعد ان وجدت الاكثرية ان الامور لن تسير على مايرام فمقابل الديون التي وافق صندوق النقد الدولي تقديمها لاندونيسيا والبالغة اكثر من اربعين مليار دولار, هناك شروط يتوجب على جاكرتا الوفاء بها, ومنها اعادة تنظيم المصارف والمؤسسات وايقاف الامتيازات الاقتصادية المقدمة لابناء الرئيس سوهارتو وعائلته والحاشية من حوله, وقد اوقفت دفعات من تلك القروض نظرا لعدم التزام اندونيسيا بالاتفاق الا انه اعيد ضخها من جديد في النصف الاول من هذا الشهر, وقد قررت اليابان ايضا تقديم مساعدات عاجلة تقدر بخمسة مليارات من الدولارات لدعم احتياطي العملات الصعبة, في هذه الاثناء اقدمت الحكومة على خطوة تصعيدية اخرى, تمثلت في تجميع رواتب القطاع الخاص, وزيادة رواتب القطاع العام بنسبة تصل الى 15%. ومنذ تصاعد الاحداث خلال الشهر الجاري, قتل ثمانية افراد من المدنيين واثنين من الشرطة احدهما رجم بالحجارة حتى الموت, ما يضع البلاد امام احتمالات مفتوحة خلال الايام المقبلة, بالرغم من مطالبة الرئيس سوهارتو الشعب الاندونيسي بالهدوء وعدم اثارة وزعزعة الاستقرار والامن, ولم يجد بدا في تقديره للأزمة, بأن يضع اللوم على الصحافة الاجنبية التي قال انها (تشن حربا نفسية على بلاده من خلال نشر انباء سلبية عن اقتصاد اندونيسيا) بالرغم من اعترافه ان (اقتصادنا يمر بأزمة ولم نعد نثق بعملتنا المحلية, كما ان هناك اجواء في عدم الثقة بنظامنا المصرفي, وفي صفوف المستثمرين) وهذا الاعتراف يأتي في ظل معلومات خرجت من جاكرتا تفيد بأن اغلب الديون الخارجية رتبها ابناء الرئيس سوهارتو واقرباءه, والمقربين من القصر, حيث يصل اجمالي هذه الديون إلى مائة واربعين مليار دولار, معظمها قصيرة الاجل, ويذهب احد الدبلوماسيين الغربيين إلى القول بأن المحيطين بالرئيس (لن يتخلوا عن السلطة بسهولة, وهم لا يريدون تسديد الحساب, ما يريدونه هو ان تدفع الاسرة الدولية والشعب, ولكن ليس هم) . والصورة هنا قاتمة إلى درجة ان الجيش يتأهب لقمع التحركات الشعبية المتسعة, حيث يؤكد قائده الجنرال ويرنتو بأن الاضطرابات خرجت عن نطاقها وتحولت إلى حالة من الفوضى ويجب لجمها, منطلقا في ذلك من حق دستوري يمنح الجيش صلاحية التدخل في الشؤون السياسية, لكن الوضع الاقتصادي يبدو قاتما ايضا وحجم الفساد بلغ درجات خانقة للسياسة والاقتصاد معا, وبالتالي فان التصريحات التي اطلقتها شخصيات سياسية قبل ايام بتأييدها التحرك الطلابي, تعطي بعدا اخر غير ذلك الذي كان في الافق مع بداية الاحداث, فقد اعلنت الحركة المحمدية التي تضم اكثر من 28 مليون شخص عن تأييدها لمطالب الطلبة الذين لخص احد زعمائهم هذه المطالب بتولي البلاد قيادة جديدة (وان يتم فورا تطبيق اصلاحات سياسية واقتصادية شاملة) , وهذه تعني من وجهة نظر الطلبة (رجل سوهارتو) حسب قول زعيم آخر. وبالرغم من ذلك لا يجد وزير الاقتصاد الاندونيسي في الوضع الراهن الا (حالة مؤقتة) بسبب ارتفاع اسعار الوقود, فيما يذهب وزير الخارجية لاعتبار ان المطالبة بالاصلاحات السياسية ليست سوى شعارات للأقلية, وهي (مجافية للحقيقة) . هكذا تبدو اندونيسيا الآن, فبعد عشرة اشهر من الازمة الاسيوية والتي تأثرت بها جاكرتا اكثر من غيرها من العواصم الاسيوية, تجري محاولات لتلميع الوضع بطريقة بدائية اغلبها يحمل في داخلها عناصر كثيرة من التناقض وعدم القدرة على استشفاف الواقع نظرا للقبضة الحديدية التي يمسك بها النظام السياسي هناك زمام الامور, ولا تبدو آفاق لحل المعضل مادامت المواقف الرسمية بهذا الشكل في الوقت الذي تزداد فيه حدة المواجهة, وتراجع اصدقاء النظام عن تقديم غطاء سياسي له, مثلما فعلت الولايات المتحدة التي اوقفت مناورات عسكرية مع الجيش الاندونيسي مقررا لها الاستمرار حتى العشرين من هذا الشهر, اضافة إلى التصريحات التي اطلقها مسؤولون في البيت الابيض يعبرون من خلالها عن قلقهم من وضع حقوق الانسان في اندونيسيا, كما ان اليابان مارست انتقادات علنية لطريقة تعامل الحكومة مع الاحتجاجات الطلابية. وما وصلت اليه اندونيسيا من اوضاع اقتصادية وسياسية متدهورة, تثير علامات استفهام حول مصداقية بعض التقارير الدولية, قبل البنك الدولي, عن حالة الاقتصاد هناك واذ تنبأ البنك بأن تصبح اندونيسيا عام 2015 واحدة من الدول السبع الاكثر ثراء في العالم, فاذا بها تغرق في الديون واعادة جدولتها وتفقد اكثر من 75 بالمئة من قيمة عملتها الوطنية, واذا بالاستقرار السياسي يتحول إلى اضطرابات غاضبة على ما آلت اليه الاوضاع من تردي ومضاعفة نسبة البطالة, واغلاق العشرات من المؤسسات الكبيرة, في الوقت الذي لايزال فيه الجدل دائرا حول امتيازات حاشية الرئيس وابنائه. ان الشبه الخارجي بين مايو الفرنسي ومايو الاندونيسي قائما, لكن النتائج تبدو من مقدماتها مختلفة, بالرغم من ان ديجول حين غادر فرنسا ابان الاحداث عهد إلى الجيش القيام بالمهمات الصعبة لحفظ النظام, بينما يعتمد سوهارتو على الرجل الثاني من بعده في اعادة الطلبة (المشاغبين) إلى مقاعدهم الدراسية بهراوات عسكرية منحها له الدستور الاندونيسي. وفي ربيع مايو الفرنسي, انتج طبقات وسطى عززت الاستقرار في المجتمع, فيما ضاعفت الازمة في اندونيسيا عدد المتسولين في الشوارع وزادت عن المتساقطين من الفئات الوسطى إلى الفئات المحدودة الدخل, أو تلك التي تعيش الان على قارعة الطريق بعد تسريحها, وهذا اهم الفروقات بين مايو اوروبا ومايو آسيا. كاتب بحريني*

تعليقات

تعليقات