النابغة الذبياني يبعث من جديد(1 من 2) بقلم: محمد الخولي

ولا نقصد هنا الى حديث أدبي عن الشاعر العربي الكبير الذي كان في طليعة امراء البيان في العصر الجاهلي ... ولكننا نخص بالحديث في هذه السطور ذلك الغرض الشعري الذي ارتبط باسم النابغة عبر العصور وهو فين (الاعتذار) الذي تفنن فيه الشاعر واسمه الاول زياد بن عمرو واوقف عليه قصائد مطولة كلها اعتذارات و إنابات وطلبات للصفح من جانب راعيه وسبب نعمته ومصدر ارتياعه ايضا النعمان بن المنذر عاهل الحيرة في عصر ما قبل الاسلام. على ان وجه الشبه بين عصر النابغة وعهد النعمان وبين الحقبة التي نعيشها هو تلك الاعتذاريات التي باتت اسرائيل واوساط الهيودية ــ الصهيونية العالمية تطلبها بل وتفرضها على دوائر ومؤسسات ورموز شتى في طول العالم وعرضه, ويدور محورها حول التكفير والانابة ــ تقبيل القدم وابداء الندم كما يقول الشاعر المصري بيرم التونسي على ما لاقاه اليهود ـ عبر تاريخهم من معاملة انطوت على القسوة او الشظف او الاسر او الخشونة او الاضطهاد او هكذا يقولون. الكل مطالبا بالاعتذار واذا كانت الاعتذاريات في التراث الجاهلي موجهة من شاعر واحد هو النابغة ـ الى عاهل واحد هو النعمان, فان الاعتذاريات التي تتقافز في هذا العصر من حولنا مطلوبة من كل الاحداث المؤثرة في هذا الزمن كي توجه الى يهود هذا الزمن وكل زمن فات من عمر البشرية في تاريخها المحفوظ او المكتوب واذا كانت اعتذاريات النابغة قد قصدت الى غرض واحد هو الصفح والتجاوز عن الخطأ من جانب النعمان ـ فان الاعتذاريات التي يطلبها اليهود ــ الصهاينة ــ الاسرائيليون تطالب باغراض مختلفة شديدة التشعب وخبيثة الغايات ومن ذلك مثلا: ان يظل الاعتذار نابعا من عقدة ذنب يريدون لواستدامت وتأصلت لتصبح جزءا من النسيج المعرفي والنمطي السلوكي والاطار المرجعي لاقوام وامم وشعوب. ..ان يتردد الاعتذار مثل معزوفة مكرورة نتطوي على تنويعات او تقاسيم يلجأ اليها اليهود كلما ضربهم امر او نزلت بهم ضائقة وخاصة اذا ما دعت الحاجة الى تبرير سلوكيات ينهجونها ويرفضها القانون الدولي او الاعراف الانسانية ــ ناهيك عن المبررات الاكبر والاخطر او (ام المبررات) كما يقول المصطلح الخائب الشهير غداة حرب الخليج الثانية ــ وهو ببساطة مباشرة وبغير مقدمات تبرير احتلالهم لاراض عربية واستيطانهم الاستعماري لاجزاء حاكمة وجوهرية من وطن الشعب الفلسطيني. .. ان يتم ترجمة هذه الاعتذاريات باستمرار الى تعويضات مادية وتنازلات اقليمية وارهاب سياسي وابتزاز معنوي. وهو ما برحت اسرائيل تمارسه على مدار الخمسين عاما الماضية, حيث شمل هذا الارهاب الفكري والمعنوي رموزا وشخصيات من الساسة والمفكرين والاكاديميين فضلا عن مؤسسات ودول ونظم سياسية وخزائن قومية كانت اولها خزانة المستشار الالماني الاسبق (ارنياور) الذي اشترى سكوت اليهود عن ماضي المانيا النازي لقاء تعويضات مالية ومعدات حربية بالغة السخاء, وليس انتهاء بالمدفوعات التي بدأت تسددها البنوك السويسرية لافراد يدعون ان لهم حسابات قديمة او (ميته) في بنوك سويسرا.. وسوف يموت هؤلاء الافراد ويأتي من بعدهم من يدعون وراثة الحسابات, ومن بعدهم يخلف قوم آخرون يطالبون بوراثة الورثة.. يمسكون بوثائق الانساب في يد ويلوحون بتواريخ الاولوكوست وحكايات الاضطهاد في اليد الاخرى, وكأنهم بهذا يورثون انفسهم وذريتهم مغانم بالبلايين فيما يورثون الاخرين اللعنة ــ ألمانا كانوا او سويسرين او فرنسين او حتى عربا فلسطينيين وهي عقدة ذنب قيل, او قالوا هم, انها سبق ارتكابها قبل عقود خلت واحيانا احقاب سلفت من السنين. نقل الذنوب الى الابرياء ونظن ان العقلية اليهودية الصهيونية تصدر في هذا المضمار عن اثنين من انماط السلوك. * الاول: سلوك القلب والابدال او هو بالتحديد سلوك النسخ والاحلال ان الكتابات المقدسة عند اتباع الدين المسيحي من شأنها تحميل اليهود دم المسيح (او هو التآمر والتدبير لاهدار دم المسيح ومن ثم صلبه (وما استطاعوا ان يقتلوه ـ عليه السلام او يصلبوه كما يؤمن بذلك المسلمون) لكن ها هي العقلية اليهودية ــ الصهيونية تعمد الى نقل هذا الذنب الذي لصق باليهود عبر التاريخ ـ ليتحول الى ذنب من نوع آخر يحيق بشعوب العالم مما يسمى باضطهاد اليهود. * الثاني: سلوك اعادة كتابة التاريخ وقلب الحقائق والتشكيك المستمر فيما استقر في ضمير الانسانية من مرتكزات ومسلمات عبر القرون. انهم مثلا اعادوا صياغة التاريخ البشري واعادوا كتابة المقررات المدرسية التي يتعلمها الناشئة في اسرائيل وفهم ابناء المجتمع العربي الذي تسيطر عليه اسرائيل منذ نكبة 1948 ــ على نحو يبرز فيه دور اليهودية كمنبع لمنظومات القيم الانسانية وملهم لابداعات البشرية, دع عنك دور اليهود كمبدعين ومفكرين وقوم في غاية التميز عن الآخرين (وهنا تبرز عقدة الاصطفاء والتمييز بين اليهود ــ شعب الله المختار ــ وبين الجوييم وهم عامة البشر من خلق الله اجمعين) وهم لذلك يعمدون الى مراجعة القرارات واعادة تفسير الاتفاقات والصكوك الدولية بما يحقق مصالحهم. ومن اقرب الامثلة على ذلك جهودهم التي دأبوا على بذلها عبر 15 عاما او تزيد منذ صدور القرار الشهير عن الجمعية العامة للامم المتحدة في نوفمبر عام 1975 الذي ساوى لاسباب وجيهة بين الصهيونية والعنصرية, ومن يومها لم يغمض لاسرائيل جفن حتى امكنها بكل الوسائل ـ مشروعة او غير مشروعة ـ ان تفيد من التدهور العربي الراهن. ترى هل هناك كلمة بخلاف التدهور وصفا للحالة العربية في التسعينات. ومن ثم افضت الجهود الاسرائيلية الى أن اصدرت الجمعية العامة قرارها في اواخر الثمانينات ــ على ما نذكر ــ الذي الغت فيه القرار الاول وبذلك لم تعد الصهيونية مرادفة للعنصرية ولا من شاف ولا من دري! .. وهم يعمدون كذلك الى مهارات التلبيس في وصف الاشياء ومن ثم يتجمل القبيح ويتأنق المغتصب ويتسلم الارهابي العنصري الدموي قناعا يطل به على العالم والعصر بوصفه سياسياً بارعاً وداعية للسلم بل وضحية لإرهاب ... الآخرين! في هذا الاطار اعيدت كتابة الادبيات العالمية المعاصرة ليصبح اغتصاب فلسطين في 48 هو حرب الاستقلال ومن قبله يحتفلون بعيد الخروج (اكسورس) من مصر بوصفه يوم الخلاص ـ لا من بطش فرعون وهامان وجنودهما ولكن من (بطش مصر وظلم المصريين) . سرقة الفلكلور الفلسطيني ويصدق الشيء نفسه على ما يمارسونه من انتحال رموز الحياة العربية الفلسطينية وتقديمها الى الاجانب ــ الامريكيين بالذات ــ على انها يهودية اسرائيلية. وكيف تتوقع من سائح امريكي جاء الى اسرائيل مدفوعاً باساطير اليروباجاترا او من شاب استرالي جاء بحثا عن المغامرة في المزارع الجماعية داخل المجتمع الصهيوني, او من عجوز متدينة من امريكا اللاتينية او من ايرلندا او غيرها جاءت الى اسرائيل وفي وجدانها قصص كتابها المقدس حيث جبل الزيتون ومياه المعمدانية ونهر الاردن ومسقط رأس المسيح عليه السلام وطريق الآلام وكنيسة المهد المقدس وطيوف الحواريين والرساليين الاوائل في بيت لحم او في الناصرة او بيت المقدس, كيف نتوقع منهم ان يتدبروا الامور, ويقرروا زيف الدعايات الاسرائيلية. ان كل هؤلاء ليس لديهم, لا الوقت ولا التهيئة الذهنية ولا الاستعداد النفسي لكي يسألوا انفسهم لحظة ما ــ من هم هؤلاء الاسرائيليون بالتحديد؟ .. ومن أي شيء جاؤوا واين كانوا قبل خمسين عاماً فقط؟ ولماذا هم مختلفون من حيث السحنة والانساق الثقافية والطبائع والمذاهب والسلوكيات؟ اكثر من هذا انهم قد يتعايشون مع كل انماط الانتحال التي تمارسها اسرائيل بعد ان توسعت في منطق الاغتصاب فأصبحت تستحل لنفسها الفولكلور الفلسطيني, فن الملابس الشعبية, الدبكة, معزوفات الشبّاية الشجية. وحتى طبق الفلافل الأصيل الشهير لم يسلم من الغصب والتدليس والانتحال. و.. حدث بكل حرج وبكل توجس ونذير عن تغيير الطابع الجغرافي والتاريخي لمعالم مدينة القدس والارض المحتلة عسكرياً وهو ما ادانته الأمم المتحدة في قرارات دولية ومن ثم تغيير اسماء الشوارع والقصبات والقرى بنزع أسمائها العربية التي ظلت تحملها عبر حقب التاريخ الطويل منذ ما قبل الاسلام كي يطلقوا عليها اسماء عبرية معظمها منحوتة من تراث توراتي ينتمي الى الزمن السحيق. حكاية يوبيل السنوات الخمسين اليهود يزيدون ويعيدون حول حكاية (اليوبيل التي اخذها عنهم المسيحيون حيث يقول تراثهم بأنهم كانوا يخصصون كل خمسين سنة تنقضي ويرفعونها قربى الى الرب المعبود وفي اطار هذا الاحتفال الخمسيني ــ اليوبيل كما اصبح معروفاً ــ كانوا يريحون الارض فيتركونها بغير فلاحة وكانوا يطلقون سراح السجناء ويتجاوزون ايضاً عن ديون الغارمين وفي عام 1300 للميلاد عمد البابا بونينيس الثامن الى تكييف هذه المناسبة واستخدامها في الأعراف المسيحية ومن ثم ظلت البابوية ــ وهي رأس الكنيسة الكاثوليكية تدعو الى الوقوف عند رأس كل خمسين سنة من اجل مراجعة النفس والاستغراق في التأمل واستشراف الآتي عبر الخمسين سنة المقبلة. وعليه فهم يعتبرون فاتح كل قرن ــ او اولى السنوات الخمسين من القرن بمثابة عام مقدس يتعين فيه على المؤمنين ان يتأملوا ذاتهم ويراجعوا مسيرتهم بما تنطوي عليه هذه المراجعات من المادة والنظر فيما سبق من مراحل التاريخ. هذا هو بالضبط ما هم مقدمون عليه في دوائر الفاتيكان في سنة 2000 المقبلة التي سوف تشهد بداية اليوبيل ــ الاحتفال الخمسيني بالقرن المقبل حين يبدأ ـ بمشيئته تعالى ــ سنة 2001 كما هو معروف في التقويم. لكن المشكلة ان البابا الحالي في روما ــ يوحنا بولس الثاني اصدر تعليماته الى اتباعه في جميع انحاء العالم (يبلغ عددهم ــ الكاثوليك ــ نحو مليار وربع انسان) بان يراجعوا ما سبق واقدم عليه اسلافهم من اخطاء في حق بعضهم البعض او في حق بشر آخرين ــ وضرب البابا على تلك الاخطاء مثلا مما حدث من اضطهادات وعذابات اثناء محاكم التفتيش التي شهدتها اوروبا الغربية ــ في اسبانيا وفرنسا بالذات ــ خلال العصر الوسيط حيث كانوا يحاكمون البشر بغير بينة ويفتشون في ضمائرهم ويصادرون حريتهم في الاعتقال ثم يصدرون عليهم احكاما بوصفهم كفرة وزنادقة وسحرة مشعوذين من اتباع وخدام الشيطان وكانت الاحكام تسوقهم او تسوق نفراً منهم الى حيث يعدمون حرقا وهم احياء. (ميا كولبا) لكن المشكلة الاخطر ان هذه التعاليم الصادرة من الفاتيكان بدأ يتوسع تفسيرها الى حد الاقدام على مراجعة علاقات الكاثوليك مع اليهود من جذورها وفي هذا المضمار يقول الكاتب الامريكي (بول ايلي): ان البابا حرص على التركيز بالذات على تيار العداء لليهود الذي ساد التاريخ المسيحي, فدعى فريقا من المفكرين الكاثوليك الى المساعدة على صياغة اعتذار او اقرار بالذنب (ميا كولبا) عما حدث في محرقة الاوكولوست لكي يتلوه البابا بنفسه لدى الاحتفال باليوبيل المرتقب في اولى سنوات القرن المقبل. هكذا تكتسب المسألة ابعادا اعمق وأشد خطورة وقد بدأت القضية تخرج الى نطاق العلن ربما في عام 1965 بوثيقة الكاردنال (بيا) الشهيرة التي حملت اسم وثيقة تبرئة اليهود... وتوالت السنوات لتشهد نشر دراسات تحمل شعارات اكاديمية ويشير بعضها بأصابع اتهام للبابوية ذاتها وخاصة البابا الاسبق بيوس الثاني عشر بالسكوت على خطايا النازية بحق اليهود والتخلي اخلاقيا عن انقاذ اليهود. وها نحن نشهد جهودا حثيثة راهنة يدور بعضها في اروقة الفاتيكان وتهدف في مجموعها الى تصوير اليهود وكأنهم حقا شعب الله المختار... فلا هم مكذبون بالرسل عبر التاريخ ولا كانوا قتلة انبياء. وليس صدفة اذن ان يصدر في الاسابيع الاخيرة كتاب نراه من اخطر ما يكون وقد افردت له كبريات الجرائد الامريكية صدر صفحاتها الاولى ــ والكتاب من تأليف الكاتب الامريكي (دايسي اوبريان) ويحمل عنوانا غريبا يقول: البابا الذي لا يراه احد (البابا حرفيا: المستتر أو المختفي) . ولأن غلاف الكتاب يقرأ من عنوانه, يكفي لكي نهتم بمثل هذه القضية ان يكون تعديل العنوان التفسيري الفرعي كما يلي: القصة التي لم يحكها احد من قبل عن صداقة العمر التي تؤدي الى تغيير شكل العلاقة بين الكاثوليك واليهود. ما هي اسرار تلك الصداقة ومن هم اطرافها... هذا ما نحاول الاجابة عليه في سطور قادمات.

تعليقات

تعليقات