الاعلام الاقليمي: الغائب الكبير في الاعلام العربي : بقلم- الدكتور محمد قيراط

جمعنا يوم الخميس الماضي ببلدية العين لقاء مع مجموعة من اساتذة قسم الاتصال الجماهيري و الاستاذ ممدوح طه المسؤول الاعلامي بالبلدية ورئيس تحرير مجلة العين لمناقشة الاعلام في العين وسبل تفعيله وتطويره, وتضمنت الندوة المحاور التالية : - واقع العملية الاعلامية في العين: نظرة تقيمية. - امكانيات التكامل بين الوسائل الاعلامية المتاحة. - مقترحات لتطوير الواقع في اتجاه نهضة اعلامية. - نحو برامج مشتركة في استطلاع الرأي العام بين الجامعة والصحافة. مبادرة البلدية تستحق اكثر من التفاتة واكثر من تعليق ووقفة للتأمل واكثر من مساءلة وتقييم للذات قد يسأل القارئ الكريم لماذا؟ وهنا يستوقفنا الامر لطرح عدة تساؤلات اين هو الاعلام الاقليمي او الجهوي او المحلي او اعلام المحافظات او الولايات او المقاطعات او الجهات في الوطن العربي؟ هل هنالك تغطية شاملة لجميع مقاطعات الدولة وجهاتها المختلفة ام هناك تمركز في العاصمة والمراكز الحضرية الكبرى؟ هل كل الشرائح الاجتماعية وكل الجهات والاطراف تجد مكانا لها في وسائل الاعلام؟ هل هنالك تفاعل بين صاحب القرار والقائم بالاتصال والمستقبل؟ هل تعبر وسائل الاعلام في وطننا العربي عن هموم ومشكلات المواطن في المدن الصغيرة, والقرى النائية والمناطق البعيدة عن العاصمة والمراكز الحضرية ؟ هذه التساؤلات تقودنا الى ملاحظة مهمة جدا وهي الخريطة الاعلامية في الوطن العربي حيث نلاحظ تنافس القنوات الفضائية والقنوات التلفزيوينة بمختلف انواعها واشكالها وكذلك الجرائد الوطنية والتي تصدر في معظمها اكثر من 90% في العاصمة والمراكز الحضرية الكبرى والتي لاتتعدى في غالب الاحيان المدينة الواحدة او المدينتين وهكذا نلاحظ تمركز وسائل الاعلام في مساحة محدودة جدا بينما جزء كبير من الوطن يبقى بدون وسيلة اعلامية خاصة به وبدون تغطية شاملة ووافية لما يدور في العديد من الاقاليم والمقاطعات ويهم بصفة مباشرة ملايين من المواطنين في حين وسائل الاعلام الوطنية تتفنن في نقل الاخبار العالمية لمختلف النجوم والشخصيات السياسية والرياضية والفنية في حين ان اخبار الدار والقرية الصغيرة لا احد يعلمها هذا يعني ان وسائل الاعلام في الوطن العربي تساهم في تهميش الغالبية العظمى من الجماهير اكثر مما تعمل على اشراك هذه الجماهير في العملية الاتصالية ومن ثم السياسية و عملية التنمية الشاملة واصبحت عاصمة الدولة في العالم هي كل شيء العاصمة السياسية والاقتصادية والدبلوماسية والرياضية والثقافية الخ ففي الوقت الذي تنعم فيه الدولة بقناة فضائىة وفي بعض الاحيان قنوات اضافة الى قنوات تلفزيونية ارضية تبث كلها من العاصمة نجد ان 90% من مساحة الدولة لا توجد بها و لا وسيلة اعلامية واحدة سواء اكانت جريدة ام مجلة ام محطة اذاعية من هنا نلاحظ الفرق بين الغرب المتقدم والذي عرف كيف يستغل وسائل الاتصال والاعلام المختلفة. لادماج واشراك مختلف القوى في الوطن من اجل تنمية شاملة ينعم بها الجميع وبين الجنوب المتخلف و الذي يركز كل مجهوداته على العاصمة والمراكز الحضرية الكبرى. ندوة العين ببساطتها وبراءتها جاءت لتضع النقاط على الحروف ولتحرك الضمائر والعقول نحو استخدام امثل للاعلام والاتصال نحو تفعيل الاعلام الاقليمي المحلي الذي تمثله الجريدة المحلية الصغيرة التي لايتعدى سحبها 5000 نسخة والتي تمتلىء صفحاتها باخبار المدينة الصغيرة والقرية النائية, بأخبار المشاريع التنموية و تعبيد الطريق الرئيسية وتغطية المحاضرة التي القيت في قاعة المحاضرات الوحيدة بالقرية هذه الصحيفة لاتهمها الاخبار الدولية واخبار الاعاصير والانقلابات العسكرية في جمهورية الموز بقدر ما تهمها اخبار الدار والقبيلة والعشيرة. الاعلام الاقليمي او الجهوي او المحلي تجسده تلك المحطة الاذاعية الصغيرة التي لاتكلف الا القليل من الاستثمارات وتقدم الكثير من الخدمات و الاخبار والمعلومات لاهل الجهة او المنطقة او القرية. الاعلام العربي بحاجة للخروج من البلاط للخروج من المركزية للخروج من الرسميات و البروتوكولات والتركيز على تفعيل العملية الاعلامية للخروج بها من فلسفة وسياسة التلميع والنقل الى فلسفة وسياسة التفاعل والمشاركة واشراك الجماهير في العملية السياسة واتخاذ القرار. السبل والوسائل قد يتساءل القارىء عن الوسائل والامكانيات التي يجب توفيرها واستثمارها لبناء قاعدة تحتية معتبرة لتوفير الاعلام الاقليمي؟ وهنا نرجع الى تجارب العديد من الدول الرائدة في الميدان كالولايات المتحدة الامريكية وفرنسا وهنا نلاحظ ان الاجهزة والوسائل والتكنولوجيا لا تكلف كثيرا والوسيلة الاعلامية في هذه الحالة تمول نفسها وتحقق ارباحا معتبرة ففي الولايات المتحدة الامريكية 99% من وسائل الاعلام المختلفة هي وسائل اقليمية جهوية وليست وطنية ومعظم الصحف الامريكية لا يتعدى سحبها 50.000 نسخة وهناك مئات الجرائد لايتعدى سحبها 5000 نسخة اما بالنسبة للمحطات الاذاعية و والتلفزيونية فمعظمها كذلك يعمل على نطاق المدينة او الولاية او الاقليم التجربة نفسها نجدها في فرنسا خاصة فيما يتعلق بالصحافة حيث ان كل اقليم من اقاليم فرنسا يفتخر بجريدته فسكان مرسيليا مثلا يتهافتون على شراء الجريدة المحلية ويفضلونها على جريدة (لوموندا) او (لوفيجارو) لسبب بسيط جدا وهو ان الجريدة الاقليمية المحلية تكون اقرب الى سكان مرسليا من اية جريدة اخرى. هذه الظاهرة تعتبر صحية وسليمة لاكثر من سبب وحجة اولا ان الرسالة الاعلامية التي تبثها وتنشرها الوسيلة المحلية تكون قريبة جدا من جمهورها كما انها تتفاعل تفاعلا ايجابيا مع المجتمع المحلي حيث انها نابعة منه وموجهة اليه ثانيا ان الوسيلة الاقليمية المحلية بقربها من جمهورها تساهم في تنشئته وتوعيته واشراكه في جميع مجالات الحياة المتوفرة والموجودة في المدينة ومن هنا تكون هذه الوسيلة مؤهلة لان تكون فاعلة ومؤثرة ولا تكون سلبية وناقلة فقط فالتفاعل هنا بين الاعلام الاقليمي المحلي والمجتمع المحلي تفاعل كبير جدا, صحي وفعال. فهناك تلاحم كبير جدا ما بين المرسل والمستقبل والفاعل. وهذا التلاحم والتفاهم يؤدي الى نجاح العملية الاعلامية وتصبح الوسيلة فاعل مهم من بين مختلف الفاعلين المحليين. فميزة الاعلام الاقليمي المحلي انه ينطلق من منطلقات سليمة وقوية تؤهله للخروج من التملق والتلميع وتزييف الواقع. فافراد المجتمع المحلي ويعرفون بعضهم البعض والوسيلة هنا مسؤولة مباشرة عن نقل ما يجري في الاقليم من احداث وتطورات سواء كانت ايجابية ام سلبية هذه الميزات قد تغيب على الوسيلة الاعلامية الوطنية التي تكون المسافة كبيرة جدا بين القائم بالاتصال فيها وجمهوره هذا البعد يؤدي الى الاغتراب والتهميش وهذا هو اكبر داء يعاني منه الاعلام العربي, واذا تكلمنا عن الاعلام الاقليمي فهذا يقودنا للكلام عن الخصخصة ودور رأس المال الخاص في الاستثمار في ميدان الاعلام. الاستثمار العربي في ميدان الاعلام يلعب الاستثمار الخاص دورا مهما في بناء البنية التحتية للمنظومة الاعلامية واذا كانت هذه القاعدة في الغرب والدول المتقدمة نلاحظ ان المستثمر في الوطن العربي مازال ينفر من قطاع الاعلام ومازال يخشاه لعدة اعتبارات يظن الكثيرون ان الاستثمار في قطاع الاعلام يكلف كثيرا ومردوده محدود, البعض الاخر يتجنب قطاع الاعلام لانه يخشى المشكلات السياسية والايديولوجية مع السلطة ومن ثم المتابعات القضائية وغير ذلك كما ان الكثير من الدول العربية اوصدت الابواب امام القطاع الخاص للاستثمار في ميدان الاعلام خاصة بالنسبة للسمعي البصري نلاحظ اذا انه حان الوقت لتصحيح هذه الافكار الخاطئة ولدعوة القطاع الخاص في الوطن العربي لخوض المشروع الاعلامي وللمساهمة بطريقة فعالة و ايجابية في المنظومة الاعلامية, السلطة في الوطن العربي كذلك يجب ان تفتح المجال من الناحية التنظيمية والقانونية والتشريعية امام القطاع الخاص ليستثمر ويلعب دوره كما ينبغي بهذه الطريقة نستطيع ان نصل الى ما وصل اليه الاخرون وتستطيع قرانا ومدننا الصغيرة ان تنعم بجرائدها ومجلاتها ومحطاتها الاذاعية المحلية الخاصة بها. على السلطة في الوطن العربي كذلك ان تثق في المؤسسات الاعلامية وفي اصحابها وان تفكر ايجابيا في هذه الوسائل التي يجب ان تكون وسائل ايجابية فعالة تساهم في التنمية والتوعية والتنشئة الاجتماعية وتحارب التهميش والرشوة والبيروقراطية والتلميع والتملق. الاعلام الاقليمي هو اذا اساس الاعلام التنموي الذي يقوم على التواصل المباشر بين المجتمع المحلي ومسؤوليه يقوم بحوار بناء وصريح بين مختلف المؤسسات المحلية والسكان المحليين. اصبحت القنوات الفضائية العربية تتنافس وتكثر بسرعة فائقة واستثمر البعض في التلفزيون الكابلي, وابداع اخرون في طبع ونشر مجلات وجرائد عربية في عواصم عالمية مختلفة لكن مع الاسف الشديد وبالمقابل نجد ان العالم العربي بطوله وعرضه وباكثر من 250 مليون نسمة مازال يفتقد ويفتقر الى جريدة صغيرة غير مكلفة تعبر عن واقع الاقليم او القرية الى متى هذا التناقض وهذا التباين مدينة العين في الثلاثينات من هذا القرن كانت تنعم بمطبوعة اسمها (النخي) ورغم مرور مايزيد على اكثر من نصف قرن عن ميلاد هذه (الصحيفة) مازالت العين تحلم وتأمل ان يكون لديها في يوم من الايام جريدة يومية محلية تصدر في العين وتنشر اخبار الهيلي والمرخانية والمقام وعود التوبة ومزيد والعوهة.. الخ, املنا ان يتحقق هذا الحلم في اقرب الآجال. قسم الاتصال الجماهيري ـ جامعة الامارات*

تعليقات

تعليقات