ماذا حدث (للرقم الفلسطيني الصعب) ؟ بقلم - شفيق الحوت

في مثل هذه الايام من شهر مايو سنة 1948 تم الاعلان الرسمي عن نكبة العرب في فلسطين بإقامة الكيان الصهيوني فوق ثراها . ومنذ ذلك اليوم اندلع الصراع العربي ــ الاسرائيلي, فشهدت الخمسون سنة التي تلته, خمس حروب رسمية نظامية, وثورة فلسطينية امتدت سبع عشرة سنة, تلتها انتفاضة شعبية داخل الوطن المحتل استمرت ست سنوات, ومقاومة لبنانية وطنية اسلامية ما زالت مستمرة في جنوب لبنان وبقاعه الغربي حتى اليوم. وعلى الرغم من أهمية هذا الصراع, الذي كانت قضية فلسطين ولا تزال, هي جوهره, وما تركه هذا الصراع من آثار على مجمل الحياة العامة العربية ما بين المحيط والخليج, فإن الاعلام العربي لا يزال مقصراً بشكل معيب في تعميق وعي جماهير هذه الأمة حول هذه القضية بكافة ابعادها وما أفرزته من مشاكل تجاوزت الساحة الفلسطينية الى محمل الساحة العربية. ولعله مما يدعو الى الحزن والغضب في آن معاً, بعض ما شاهدناه وسمعناه في بعض (الفضائيات) العربية من اخطاء فاحشة تكاد تقلب الحقائق رأساً على عقب, وذلك في سياق العروض الخاصة التي تقدمها بمناسبة مرور خمسين سنة على النكبة. هذا في الوقت الذي صدر عن العدو بعض حقائق كنا نجهلها بعد حسر اللثام عنها في اسرائيل. اليس مثيراً للدهشة وسوء الظن ان نرى في احد البرامج مشهداً لرجلين فلسطينيين خرفين ينفي احدهما وقوع مذابح في دير ياسين ويقول ما معناه ان الزعامات الفلسطينية والعربية هي التي اوحت لهم بعد المجزرة بسرد اقاصيص مبالغ فيها؟ نسمع هذا من تلفزيون (عربي) يتحمل مسؤوليته جاهل غبي او متجاهل مجرم, بينما نقرأ كتاباً للمؤرخ الاسرائيلي بني موريس يروي فيه قصص الاجرام الصهيوني بعد توثيقها وتسجيل اقتباسات للمسؤولين عن ارتكابها؟ كثيراً ما يقع الاعلام العربي ــ ولا سيما الخاص ــ في منزلقات وكمائن الاعلام المضاد فيعتمد مصطلحاته ويتبنى أولوياته ثم يروج هذه المصطلحات والاولويات!! مسألة تحتاج الى تنبيه, فالاعلام اليوم وبخاصة المرئي منه يعتبر من أخطر الأسلحة وأشدها فتكاً وتأثيراً. ربما أننا لا نزال في ظل الذكرى الخمسينية, ومن المتوقع ان نشهد ونسمع المزيد من البرامج, رأيت من واجبي تنوير من يهمهم الأمر ببعض الحقائق التي لا يجوز العبث بها, والتي من حق شعب فلسطين الا يتم تمزيقها وتزويرها او التمويه من حولها. * وأول هذه الحقائق ان شعب فلسطين لم يغادر وطنه من اجل النزهة والسياحة, ولا بمحض ارادته, وانما لأسباب تم تحديدها كما يلي: ـ أولاً بالقوة العسكرية المباشرة تم طرد الفلسطينيين من 122 موقعاً, (مدينة او بلدة او قرية) وكلها معروفة بالاسم, وكذلك تاريخ تعرضها لعمليات الطرد القسري. ـ ثانيا نتيجة للاعتداءات بالقصف البري والجوي, تم اجلاء السكان عن 270 موقعا. ـ ثالثا هناك 38 موقعاً تركها السكان خشية هجوم عسكري, او نتيجة وقوعها في مناطق اشتباكات. ـ رابعاً, الحرب النفسية وترويج اشاعات الرعب المدروسة ادت الى افراغ 12 موقعاً. ـ خامسا, وهناك 49 موقعا هجرها أهلها تحت تأثير سقوط مدن مجاورة لها. ـ سادساً, هناك ستة مواقع فقط, غادرها سكانها بأوامر عربية. ـ سابعاً, ولأسباب غير معروفة تم الجلاء عن 34 موقعاً, وان كان ممكنا نسبها الى الوهم الذي ساد بأن الحرب مقبلة لا محالة وأن الجيوش العربية السبعة على الطريق, مما ادى الى الحديث عن الرحيل من أجل النزهة او السياحة بانتظار التحرير والنصر. وثاني هذه الحقائق ان الفلسطينيين من سكان ما اصبح يسمى اسرائيل يشكلون 85% من مجموع اللاجئين الفلسطينيين, وان 92% من (ارض) هذه (الاسرائيل) هي فلسطينية ولمالكين فلسطينيين. فمساحة اسرائيل هي 20325 كيلومتراً مربعاً منها 1682 كيلومتراً كانت لليهود ما قبل 1948, و17.178 هي لفلسطينيين مطرودين, و1465 كيلو متراً ما تبقى للفلسطينيين المقيمين. اذن, لم يعد مقبولاً هذا الغمز واللمز من بيع الفلسطينيين لأراضيهم علماً بأنه لم يكن لليهود من كل فلسطين ما يتجاوز الـ 6% حتى 1948. وثالث هذه الحقائق ان عدد المدن والقرى التي تعرضت لارهاب المذابح هو 33 موقعاً, وتمت هذه الجرائم بحقها ما بين 27/2/1948 الى 18/12/1948, وكانت (وادي عارة) اول هذه المواقع و(الخصاص) آخرها في ذلك العام وبهذا يكون مجموع المدن والقرى التي تعرض فيها الفلسطينيون للاقتلاع 531 موقعاً. من هذه المواقع 213 موقعاً سقطت قبل قيام اسرائيل وفي ظل حماية الانتداب البريطاني, و264 موقعاً سقطت خلال حرب 1948, اما الـ 54 موقعاً المتبقية فسقطت بعد توقيع اتفاقيات الهدنة. - ورابع هذه الحقائق ان مجموع عدد اللاجئين سنة 1948 يساوي 805076 نسة وتضاعف هذا العدد وتعاظم حتى وصل الى 4942119 في السنة الحالية 1998, وهم موزعون حالياً وفق الترتيب التالي: اسرائيل 200000, قطاع غزة 766124, الضفة الغربية 652855, الاردن 1741796, لبنان 408008, سوريا 444921, مصر 40468 الكويت 34370, العراق وليبيا 74284, مناطق خليجية اخرى 105578, دول عربية أخرى 5544, دول اجنبية 259248, الامريكتان 1.73050, وهكذا يكون المجموع العام 4942121 من اصل مجموع تعداد الشعب البالغ 7.788186 نسمة, اي ان ثلثي شعب فلسطين هم لاجئون. - وبعيداً عن السياسة وأهدافها ومن اجل الرد على من يقولون انه لم يعد من متسع جغرافي لعودة اللاجئين الفلسطينيين الى ديارهم, نورد هذه الحقيقة الخامسة, بلغة الارقام, لنثبت ان هناك متسعاً فسيحا لعودتهم. تقول الاحصاءات ان 70% من اليهود يعيشون في 15% من مساحة اسرائيل, وأن 22% منهم يعيشون في 85% من مساحة اسرائيل, والتي كلها ــ على اي حال ــ ارض فلسطينية, كذلك لا بد من الاشارة انه بينما تعيش الأغلبية الساحقة من اليهود في 24 موقعاً ما بين مدينة وبلدة فإن 2.7% منهم يستثمرون كل الاراضي الفلسطينية. بعد هذا العرض الاحصائي قد يجد البعض فيه ارقاماً تتفاوت نسبياً عن ارقام صدرت عن مراجع اخرى. وهذا وارد لأن ما من جهة رسمية معتمدة قامت بدراسة احصائية شاملة, وان كان من مرجع ما قد فعل ذلك فإن احداً لم يفصح عن ارقامه علانية. لقد دخل الرقم الفلسطيني دائرة السجال السياسي والجدل التفاوضي, وكل جهة تحتفظ بما لديها من ارقام اما للمساومة او للمناورة كما تفعل اسرائيل الذي قضى وفدها خمس سنوات وهو يحاور ويجادل حول من هو اللاجىء ومن هو النازح مما ادى الى فشل اللجنة الرباعية في اعادة فلسطيني واحد بعد اتفاقية اوسلو. العرض الاحصائي المعتمد هنا هو نتاج دراسة فلسطينية مستقلة قام بها المهندس الدكتور سلمان ابو ستة, بالتعاون مع عدد من المعاهد والمراكز, فكان الأدق من بين كل ما صدر وهو الأكثر حداثة وتغطية للحركة التي مارسها اللاجئون خلال الخمسين سنة المنصرمة. ولعلنا بعد الاطلاع على هذه الحقائق ندرك سر المرارة التي تغمر قلب المواطن الفلسطيني وهو يرى رموز السلطة الفلسطينية تفاوض وتساوم حول كسور عشرية تتعلق بإعادة انتشار قوات الاحتلال (وليس انسحابها) في مساحة لا تتجاوز 13% من اصل 25% مما يعرف بالاراضي المحتلة 1967 اي ما يساوي 0.32 بالألف من كل فلسطين!! فصبراً ايها الشعب صبراً!! ماذا جرى (للرقم الفلسطيني الصعب) ؟

تعليقات

تعليقات