عن أزمة أسعار النفط وتداعياتها: رأس جبل الجليد المطل من خليجنا: بقلم - د. محمد الرميحي

دخل ثيودور روزفلت الرئيس الامريكي في بداية القرن والملقب (بالملك) التاريخ الامريكي الحديث لأنه, من بين امور اخرى, قرر ان يحفر قناة بنما في سنة 1903 بعد (ثلاثة قرون من المناقشات) كما يقول التاريخ الامريكي . والشعوب تدخل في جدل بيزنطي ومناقشات مستفيضة وتستهلك زمنا طويلا عندما تواجه بخيارات صعبة, ولسنا مستثنين من ذلك, فأسعار النفط تنخفض وبسرعة, وتتخذ قرارات صعبة في هذه المنطقة من العالم ــ اقصد الخليج ــ لمواجهة هذا التدهور في اسعار النفط, السلعة الوحيدة التي تقوم عليها اقتصاديات دول هذه المنطقة المنتجة للنفط, وما النقاش حول رفع اسعار البنزين وبقية المحروقات النفطية للمستهلك والتي تسخن الساحة السياسية الكويتية اليوم, كونها الساحة التي تتحسس التغيرات وتناقشها مبكرا, ما هي الا عرض من ظاهرة اوسع, وما عرف حتى الآن ما هو الا رأس جبل الثلج, الذي يعرف اهل الرأي ان ما يبدو منه هو اقل مما يختفي بكثير, حيث ان انخفاض اسعار النفط سوف تنعكس آثاره على الشأن السياسي والاجتماعي والاقتصادي, ليس في الخليج فقط ولكن في المنطقة العربية ايضا. وليس تأثير انخفاض اسعار النفط في الشأن السياسي والاجتماعي والمعيشي بالامر الجديد, فقد كتب الكثيرون عن المواضيع منبهين ومحذرين, ولكن الناس عادة وخاصة في ثقافتنا العربية لا تلتفت الى الامر الا بعد ان يوشك على الحدوث, وبعد ان تتبين الانذارات الاولى منه في الافق القريب, لذلك فان النقاش الذي تم ولا يزال قائما في اهمية تنويع مصادر الثروة من جهة والعودة الى اوضاع اقتصادية (عادية) من جهة اخرى, كان هو الشغل الشاغل لمهتمين بالشأن العام منذ عقود خلت, واصبح شعبيا الآن فقط بعد ان كاد يمس عظام الرقبة, والتجربة التاريخية المتكررة كانت دائما تقول انه عندما تنخفض اسعار النفط, يبدأ القوم في التلفت حولهم والبدء في شد الاحزمة والبحث عن خيارات, ثم تعود من جديد لسبب او لآخر اسعار هذه المادة في الارتفاع, فينسى القوم ما حذروا منه واستعدوا من اجله للسنوات العجاف, بل ينظر بعضهم الى التحذيرات المقبلة من العقلاء وكأنها قريبة من قول السفهاء. الامر هذه المرة مختلف, فلا يبدو في الافق عودة الى الاسعار السابقة وذلك لعدة اسباب من بينها توافر امداد نفط خام من دول منتجة جديدة بعضها في وسط آسيا محتاجة وعطشى الى العملة الصعبة بعد حرمان تاريخي طويل, كما ان التقدم الهائل في التقنية التي توفر استهلاك الطاقة, تتحرك بسرعة مذهلة لتؤكد على تراجع اسعار النفط مستقبليا, وأسوق في ذلك مثالين احدهما قديم والآخر جديد نسبيا, الاول عندما دعا الرئيس بل كلينتون وسائل الاعلام العالمية في سبتمبر من العام الماضي الى مؤتمر صحفي لاستعراض آله احتراق جديدة, بدىء في انتاجها مهمتها توفير الطاقة المستخدمة, وهدفها هو اقتصاد تسعين في المائة من المحروقات النفطية التي تذهب, قبل تطبيق ذلك الاختراع, سدى, وقتها حذر المختصون من انه حتى لو وفر مثل هذا الاختراع خمسين في المائة فقط من المراد له ان يوفر من الطاقة, لانخفض سعر النفط الى النصف, بنسبة انخفاض الاستهلاك في الطاقة, اما المثال الثاني فهو ما نقل في بداية هذا الاسبوع من ان ملكة بريطانيا اليزابيث الثانية قد ركبت أول تاكسي في عاصمتها لندن يسير بالغاز بدلا من البنزين, والظاهر في دوافع هذه الاختراعات التقنية الجديدة ان العالم يريد ان يحافظ على البيئة, وقد يكون الامر كذلك, ولكنه في جميع الاحوال يخفض من اعتماده على النفط ومشتقاته في تسيير الآلة الصناعية في المجتمعات المتقدمة, وهذا ينعكس سلبا على المجتمعات المنتجة للنفط, خاصة تلك المجتمعات التي تعتمد في تنميتها على وحدانية الدخل من هذه المادة, بعض الدراسات تشكك في حرص الغرب على البيئة وتبادر الى تفسير الامر على انه احتياط واجب من منظورهم للاستغناء عن الاعتماد على هذا المصدر الواقع في معظمه لدى دول الجنوب (84% من الاحتياطي النفطي العالمي المعروف يقع في حوض الخليج العربي) , لكن سواء كان السبب هو هذا او غيره فالنتيجة بالنسبة للمنتجين واحدة. لا احد يجادل اليوم ومنذ زمن طويل في ان اسعار النفط وغيره من المنتجات يحددها العرض والطلب العالمي, ولعلنا نتذكر ان احدى اهم الذرائع التي حاول نظام البعث العراقي ان يقدمها كتبرير لاحتلاله للكويت هو ان الكويت ودولة الامارات العربية المتحدة (قد خفضتا اسعار النفط) وقتها كانت هذه الحجة متهافتة لمن يعرف, ولكن استقبلها من في قلوبهم مرض على انها صحيحة, ترى اي بلد اليوم يمكن ان يعزى له انخفاض اسعار النفط العالمي ويجب معاقبته, بميزان الحجج العراقية المتهافتة يكون العراق نفسه مسؤولا, فقد بدأ ضخ نفطه ضمن برنامج الامم المتحدة, وقد يكون ذلك سخفا جديدا في التناول, ولكننا نريد ان نبين مدى سخف وتهافت الحجج العراقية وقتها, وسخف من ايدها, ولا يزال. اعود من جديد لمناقشة الامور الاكثر جدية, وهي مكونة من شقين, الاول: لماذا انحسرت اسعار النفط الى ان وصلت الى ما وصلت اليه اليوم؟ والثاني: ترى ما هي تأثيرات انخفاض اسعار النفط على الاوضاع الاجتماعية والسياسية في البلدان المعتمدة على هذه المادة؟ هنا نجد الاجابات مختلفة في الحالتين. في الحالة الاولى هناك تفسيرات عديدة لعل اشهرها هو الموقف المتذبذب بين منتجي النفط, خاصة دول منظمة الاوبيك التي لا تستقر على مواقف او قرارات, وقد اثبت معظمهم بما لا يترك مجالا للشك انهم اعداء انفسهم, في الوقت الذي يأخذ المستهلكون قضية توحيد وجهات نظرهم مأخذ الجد, فبعد القفزات الاولى في اسعار النفط في السبعينات شكلت الدول الغربية خاصة المستهلكة الكبيرة للنفط, ما عرف بالوكالة الدولية للطاقة, والتي استطاعت اليوم بعد جهد منظم وحازم, ان تختزن احتياطيا نفطيا لمائة يوم يكفيها شر التقلبات المفاجئة, وان تصمم نظام تبادل للنفط بينها في حالة الاضطرار, ولعل من بين تفسيرات تدني اسعار النفط الضرائب التي تستقطعها الدول المستهلكة للنفط على منتجات النفط المبيع في اراضيها, ودون الدخول في الارقام وتفاصيلها قد يجد القارىء شيئا من الغرابة حين يعرف ان الدول الغنية (السبع الكبرى) تحصل على دخل من الضرائب النفطية يساوي خمس مرات الدخل الذي تحصل عليه الدول الاحدى عشرة المشكلة لمنظمة الاوبيك, وهنا يأتي فهم الدرس الذي يقول ان التعاون وتنفيذ اتفاقياته في المدى الطويل يأتي اكله افضل من المشاكسة والاتفاق الشكلي المعلن والذي يتم التحرر منه في الخفاء على المدى القصير وهو ما يبدو انه شيمة دول من العالم الثالث تنتج النفط. ويعتقد البعض ان انخفاض اسعار النفط هو نعمة في مظهر نقمة, فالمجتمعات التي تعودت على نمط مريح من الايرادات افتقدت الحماس للعمل والانتاج وركنت الى الدعة, وبرزت فيها مظاهر الثراء السهل والانفاق الباذخ والمبالغ فيه, كما اعتمد مواطنوها في الغالب على مكافآت وهبات الدولة من المهد الى اللحد, فغاب التكليف الرباني للانسان ان (فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه) اي ان السعي والعمل يسبق الاكل والراحة والدعة, لان الانسان مكلف باعمار الارض, يقول بعض المتبنين لهذه الاطروحات ان الدولة في الخليج مع استمرار ازمة اسعار النفط سوف تصبح دولة بالمعنى الحديث للدولة, اذ ستتبنى مفاهيما واشكالا من الممارسات لم تكن لتستطيع ان تتبناها في الحالة السابقة, حالة السيولة المتدفقة بغزارة من مداخيل النفط, ظواهر مثل الاعتماد على العمالة الخارجية غير المنتجة يمكن ان تتقلص او تضمحل, ظواهر الانفاق البذخي والمظهري ستتراجع ويتقدم النظر الى العمل كقيمة حياتية واساسية للعيش, وقد يجر ذلك معه احترام القوانين بشكل افضل وظهور سلوكيات جديدة تتواكب مع العسرة النسبية والمجتمع الاقتصادي الطبيعي الى آخر ذلك من الايجابيات. البعض الآخر من المتأملين في المأزق يرى ان انخفاض اسعار النفط ــ ان لم يواكبه تغير في المواقف العامة وسياسات الانفاق وتعديل في الممارسات كتطبيق القانون والشفافية والتثقيف الجاد حول التحولات الجذرية المحتملة ــ قد يؤدي الى تقلصات اقتصادية يتبعها بالضرورة عدم استقرار سياسي, ومن الخطأ الركون الى التحليل القائل ان انخفاض اسعار النفط هو دوري وموسمي فقط, وان الاسعار سوف ترتفع في وقت آخر من الزمن المقبل, فيحث من هذا المنطلق على الاستدانة من الخارج لاشباع حاجات قد يراها ضرورية, او لاستكمال مسيرة يرفض ان يرى تبعاتها, والبعض الآخر سوف يؤجل ما استطاع مواجهة الحقائق الاقتصادية الموجعة بذرائع شتى منها ان اي ترشيد في الانفاق يجب ان يأخذ أولويات معينة يراها هو اسبق من أولويات تراها الجماعة. لاشك ان المقبل من الايام في منطقة الخليج هو ايام عصيبة اقتصاديا, وقد يحاول بعض المنظرين السياسيين تجييرها الى هذا الهدف السياسي او ذاك واستغلالها, وذلك من طبيعة الامور, مستفيدا من العسرة الاقتصادية, والتي هي بالضرورة سوف تصيب أول ما تصيب الادنى في الدخل والاضعف في المكانة, والفئات الاكثر ضعفا في المجتمع هي القابلة للاستغلال السياسي بالطبع, وفي مجتمعات حصل افرادها على شيء من التعليم والوعي, وانتشرت فيها ايديولوجيات مختلفة ومتضاربة في الاجتهاد, وتربت على الكثير من اسباب الدعة, وفي زمن تسافر فيه المعلومة بلمح البصر, فإن الحرث السياسي فيها باتجاه التحشيد السلبي يصبح سهلا ميسورا. لذلك فإن انخفاض اسعار النفط في المدى المتوسط سيكون له تأثيرات من الصعب التكهن بها في الوقت المبكر الحالي, ولكن الحقائق تدلنا على معادلة لا فكاك منها هي في طور التشكل, في طرف منها حقيقة انخفاض اسعار النفط الذي سوف يستمر معنا لفترة قد تطول, ويقابلها حقيقة في الطرف الآخر هي ان ربط الاحزمة على البطون سيحتاج قبل اي شيء آخر الى خطوات عملية وسياسية جريئة ظاهرة وغير مغطاة ولا تقبل التشكيك, حيث ان العبء يجب ان يكون موزعا بالعدل على افراد المجتمع, يبدأ بالموسرين وينتهي بذوى الدخل المحدود. لقد اخذت الدولة في الخليج على عاتقها منذ بدء تدفق عائدات النفط ان تقدم خدمات شبه مجانية في الماء والكهرباء والاتصال والتطبيب والتعليم, وفي هذه المسيرة كان هناك اسراف غير مبرر, فالمواطن يدفع الآن جزءا من تكلفة الاتصال, وجزءا يسيرا من تكلفة استخدام الطاقة الكهربائية, وكل المؤشرات تدل على ان الوعي بترشيد الاستهلاك معدوم او غير واضح على سبيل المثال لا الحصر. المطروح والوارد هو اعظم واكبر من رفع اسعار البترول المستهلك في الكويت وغيرها من دول الخليج, المطروح حقيقة مواجهة العجز المالي الذي سيصاحبنا في السنوات المقبلة, والذي يحتاج الى معادلة خفض المصروفات ورفع المداخيل الحكومية, وتقديم مفاهيم مثل الخصخصة, والمنافسة, ولعل السبيل الى بلوغ الفعل الافضل في هذا المأزق, هو انتزاع الافضل من الاسوأ, فالعسر المتوقع يمكن ان يتحول تحت شرط الفعل الافضل الى يسر ليس تاما لكنه طويل المدى, فدعونا نبحث معا عن شروط الفعل الافضل, لنكون مهيئين لمواجهة ما يختفي من جبل الثلج الاقتصادي الذي ــ عبر انخفاض اسعار النفط ــ بدأ يطل برأسه, او جزء من رأسه, عبر مياه الخليج الدافئة. رئيس تحرير مجلة (العربي) الكويتية*

تعليقات

تعليقات