جمعيات تحت القانون وفوق القانون :بقلم- توجان فيصل

خلال عملي الطويل, والذي بلغ ربع قرن, في مجالي الاعلام و السياسة وهما المجالان اللذان يتيحان فرصة استثنائية لمعرفة ابعاد القرار السياسي وخلفياته لاحظت ان هنالك سمة واحدة عامة في كافة سياسات الاردن الرسمية السياسية البحتة والاقتصادية والتشريعية والاجتماعية والثقافية. هذه السمة هي التشديد الشديد على الشباب بحيث لا يتاح له ان يشارك بحرية في الحياة العامة او حتى في القرارات الخاصة به كقطاع ورغم عدم اطلاعي بذات الدقة والتفصيل على اوضاع الشباب العربي في كل قطر على حدة, الا انني ومن خلال ما اعرفه اكاد اجزم ان الحالة متقاربة على الاقل عربيا والسبب هو ان الشباب يعتبرون عنصر التغيير في كافة المجتمعات وحتى عندما لا يكو,ن خوف السلطات القائمة من التغيير السياسي او استشعارهم لاقترابه كثيرا, فإن الخوف من التغيير الاجتماعي السريع في الدول التي ينبع استقرارها السياسي اساسا من استقرارها الاجتماعي او بالاحرى من كونها محافظة جدا اجتماعيا, هذا الخوف لا يقل عن الخوف من التغيير السياسي المباشر وفي الاردن استطيع ان أسوق امثلة على الخوف من الشباب ودوره تتجسد في قرارات سياسية وتشريعية تحد من فرض المشاركة الشبابية الفاعلة في الحياة العامة, ومن بروز قيادات شبابية حقيقية. وانعكاسا لهذا التوجه الرسمي, فإن قانون الاحزاب ينص على وجوب بلوغ العضو المؤسس في الحزب الخامسة والعشرين وكذلك قانون الانتخاب ينص على ان يكون الناخب قد بلغ التاسعة عشرة من عمره وهذان القانونان يشكلان تناقضا صريحا مع مبدأ قانوني ينص على ان سن الاهلية في الاردن هو ثمانية عشر عاما وهو مطبق في كافة القوانين الاخرى ومنها العقوبات والقوانين المالية الصبغة كالارث والتصرف بالمال اي ان من بلغ الثامنة عشرة يعدم لجريمة ارتكبها باعتباره مسؤولا مسؤولية كاملة واعية ويمكن ان يتصرف بالملايين من امواله ولكن لايسمح له بان يعبر عن فكر سياسي وانتماء لمجموعة او اتجاه سياسي مشروع يعمل ضمن حزب يلتزم حسب قانون الاحزاب ذاته, باتباع الطرق السلمية والمشروعة في نشاطاته!! وفي قوانين اخرى تتضمن مسؤوليات وتبعات جسام, كالاحوال الشخصية والعمل, يجرى خفض هذه السن الى الرابعة عشرة للاناث والسادسة عشرة للذكور كسن زواج في الاحوال الشخصية, والسادسة عشرة للجنسين كسن لشرعية العمل والتشغيل. اما في النشاطات الشبابية العامة, فيحظر ضمن القانون وضمن النظام الداخلي لكل جمعية او ناد العمل السياسي على الاعضاء وتتسم الغالبية العظمى من الجمعيات والنوادي المسجلة في الاردن, بسبب هذا النص في القانون, بالسمة الخيرية او الرياضية, وخاصة ما يتعلق بجمعيات الشباب. ومقابل كل هذا الحظر على محاولة الشباب الاندماج والمشاركة في الساحة السياحية والتي هي وحدها القادرة على افراز قيادات سياسية واجتماعية وثقافية حقيقية, نتوقف عند موضوع هذه المقالة, وهو ما يسمى بمشروع القيادات الواعدة او القيادات المستقبلية والذي تتبناه الدولة الاردنية اضافة الى عدد من الدول العربية ايضا والذي لا توجد لدخوله معايير عامة تنافسية موضوعية تثبت القدرات القيادية لتلك الفئة من الشباب بل ان ايا من النشطاء في مجالات العمل الشبابي والتنظيمات الشبابية والقادرين على تحريك القطاع الشبابي فعلا والتأثير فيه يستثنون من عضوية هذه (النوادي) الخاصة جدا هذا مع ان البديهية الاولى في تبنى القيادات الشابة او الواعدة هو احصاء عدد الاصوات الشابة التي تؤيد هذه القيادة وبيان نشاطها في تحريك القواعد الشبابية والا فما هي عناصر ومقومات القيادة؟؟ وبالنظر الى الاسماء الثلاثية او الرباعية لمن تعتمدهم السلطات السياسية في العالم العربي كقيادات واعدة يجرى اعدادهم حسب برامج مكلفة نجد انهم من ابناء مسؤولين وصلوا الى مراتب عالية عن طريق لاعلاقة لها بالانتخاب والقيادة الجماهيرية الفعلية وتخلو هذه القوائم تماما من ابناء القيادات الحزبية مثلا, ولا تستشار الاحزاب فيمن تنتدبه من شبابها مع ان القوانين الاردنية تعترف بالاحزاب قيادات سياسية, وان انتقصت من مكانتها وحجمها احيانا بالاصرار على تعداد اعضاء الحزب وليس دور الحزب في قيادة الشارع السياسي عامة. والغريب ان هذه المجموعات التي تتبناها الدولة وتفردها دون غيرها من الشباب كقيادات مستقبلية ينخفض غالبية اعضائها عن سن الرشد القانوني وهو ثماني عشرة سنة كما ان كامل برامج هذه المشاريع هي برامج سياسية,. ويحضر لهؤلاء محاضرون سياسيون من الداخل الخارج وان كانت النماذج المحضرة ليست بالسوية التي يمكن ان يكلف اي تنظيم سياسي نفسه تبعات دعوتها والانفاق عليها ومنها مثلا الرئيس السوفييتي السابق جورباتوشف, والذي دعي لالقاء محاضرة في الاردن للقيادات الشبابية الواعدة!! وفي حين يشكل الصراع العربي ــ الاسرائيلي وما سمي بمسيرة السلام واتفاقيات السلام نقطة الخلاف الاولى والاسخن ما بين كافة التيارات السياسية في العالم العربي وما بين الدولة وتلك التيارات في الاغلب الأَعم وفي الاردن خاصة فإن ما سمي بالقيادات الشبابية الواعدة في الاردن يقدمون الان ما سمي بمشروعهم بشأن تجاوز الجمود الذي يعتري المفاوضات الفلسطينية الاسرائيلية في مؤتمر عقدوه لهم في منتجع سياحي في سويسرا مع نظرائهم في اسرائيل والسلطة الفلسطينية ومصر. والامر هنا قد يستدعي بعض البحث في معايير اختيار هذه القيادات الشابة في اسرائيل, والارجح ان نجد فروقا اساسية عن المعايير في العالم العربي. ويبقى التساؤل الاهم هو: كيف يسمح لهؤلاء بالذات باللعب باللعبة التي تعتبر خطرة على البالغ العاقل الراشد قانونا وهم او معظمهم دون سن الرشد ؟؟ وما معنى ان يشجعوا على الانخراط في السياسة بالذات والتي يعاقب من يقترفها على حسابه الخاص وبجهده الخاص من ابناء جيلهم, وان يبلغ التشجيع والاغراء حد اخذهم الى منتجع سويسري للتزلج لايصله عادة الا الاثرياء جدا ورجال السلطة في العالم الثالث بالذات!! واخيرا اذا بحثنا فيمن يقف وراء هذا المشروع الشبابي, نجد هيئة امريكية اسمها (جمعية بذور السلام الامريكية) فهل لهذه (الجمعية) الامريكية ان تخرق وحدها قانون الجمعيات الاردنية وقوانين الجمعيات العربية الاخرى, لتسمح لنفسها بالعمل داخل تلك الدول العربية, التي تنص قوانيها تلك على وجوب ابتعاد كافة الجمعيات عن العمل السياسي؟؟ وهل يحق لهذه الجمعية الامريكية ان تعمل مع قاصرين ومع من هم دون سن العمل السياسي حسب قوانين الاحزاب والانتخاب العربية, وتضعهم فوق قوانين بلدهم؟؟ ام ان الامر كله مرتبط (بهجمة السلام) او (غزو السلام) الجديد الذي تقوده امريكا؟!

تعليقات

تعليقات