اليورو.. ورجم بالغيب حول آفاقه: بقلم - ميشال جوبير

قررت اوروبا يوم 3 مايو الماضي ان نشرع ابواب المصير الاوروبي عريضة في وجه المستقبل وذلك عندما اقرت عملتها الموحدة: اليورو ومن محض الصدفة ان تكون اكاديمية المملكة المغربية خصصت دورتها للربيع لموضوع شائك هو: لماذا احترقت النمور الآسيوية؟ وبالفعل فإن ازمة نقدية اندلعت في جنوب شرقي آسيا منذ عدة اشهر ولا يمكن الادعاء انها انطفأت. وذهب الملاحظون الاكثر ذكاء الى ان الدولار واليورو والين تتقاسم النفوذ العالمي بسلام ولا يمكن توقع ذلك مادام الدولار يساوي يورو في المبادلات . مسكينة فرنسا الهشة ولكن هذا التوقع يتأكد حين نطالع الصفحات التي خصصتها (الانترناشونال ميراند تريبيون) لقضية نشأة اليورو, والتي قامت بنشر مقالات متميزة تغلغلت في اعماق الموضوع المطروح وآفاقه المستقبلية... حتى القائمة منها والتي ينسبونها عادة الى فرنسا, على طريقة الانجلو ساكسون الذين يحتاطون من كل ما هو فرنسي ولنقرأ قراءة هادئة ابعاد تلك المقالات... على الاقل لنتسلى: لقد عنون السيد جوزف فيتشات مقالته كالتالي: (اسوأ نتيجة لاقرار اليورو هي ان أية هزة اجتماعية ستجبر اية دولة على الانسحاب) وهذا العنوان يظل نظريا لولا دعمه بنموذج حي, حيث يضيف السيد فيتشات: ( لو تقع هزة اجتماعية في دولة صغرى فان اليورو سيواصل رفع رايته, ولكن الامر مختلف لو اصابت الهزة دولة كبرى مثل فرنسا, ففي هذه الحالة ستلتف كل دول اليورو حول الدوتش مارك الالماني...) وتعليقنا هو مسكينة فرنسا الهشة هذه التي ستكون سبباً في تحطيم مشروع جبار كهذا...) ولعل الكاتب يشير في سره الى ( القرار اللامنطقي!) الذي اتخذه الجنرال ديجول عام 1967 حين علق عضوية فرنسا في الحلف الاطلسي لمدة ثلاثة عقود واخرجها من اطارها الدولي... فهل يقصد الكاتب اننا في فرنسا, متعودون على تكرار هفواتنا؟ وضد مصالحنا ايضا! ولا يسعني في هذا الباب إلا ان أذكر يما كان يردده جورج بومبيدو: اشتموا اشتموا... فسيبقى شيء عالقا في الاذهان في النهاية...) مأساة من الخيال العلمي وتقرأ في نفس العدد مقالا آخر مندمجا في مقال فيتشات ــ ولا أدري هل هو من تحريره؟ ــ لكنه مكتوب بمداد اكثر سواداً وعنوانه: (لو انقلب الامر الى كارثة) ويحملنا في نوع من الخيال العلمي الى عام 2001 وترسم فيه ريشة المحرر المجتمع الفرنسي وقد شلته مظاهرات اجتماعية واضرابات سكك الحديد وصالت فيه وجالت جماهير المزارعين الغاضبين ضد الانتاج الاسباني, ويظهر في هذا المشهد السيد ليونيل جوسبان حائراً بين ارضاء مستحيل لطلبات النقابات وتخفيض صعب للعملة... غير الموجودة وبين خيار خيالي يتمثل في التخفيف من الضرائب والترفيع في الهبات والمنح بعد ان اقرها البنك المركزي الاوروبي. وخلف كل هذه اللوحات القاتمة تأتي انتحابات عام 2002 حيث يبدو السيد جوسبان معزولا, تطارده وتطلق عليه النار كل التيارات الاخرى من الديجوليين الى الشيوعيين مرورا بالجبهة اليمينية المتطرفة. وفي خضم هذه المأساة السياسية يطلب النجدة من صديقه المستشار الالماني الاشتراكي السيد (جيرهارد شرودر) , لكن هذا الاخير غارق هو الآخر في مشاكله الداخلية. وفي هذا الافتراض سوف يعلن الوزير الاول الفرنسي انسحاب بلاده من العملة الاوروبية الموحدة... وفي اليوم التالي ستندد كل الاسواق بفرنسا التي لن تعود الى صف العملة الاوروبية في تاريخ محدد. هنا تنتهي الحكاية اللطيفة, وكنا نتمنى لو توجهت (الانترناشونال ميرالد تريبيون) الى توقعات اخرى مثل نتائج عدم مشاركة بريطانيا او السويد او اليونان في العملة الموحدة أو مثل صراع مفترض بين الدولار واليورو... ولكن لا شيء من ذلك يختمر في الاذهان لأن لكل منا حساباته وضوابطه... بل وعماه. تسعون عاما من اجل الدولار ولكن صفحات الهيرالد ليست كلها هذه الشاكلة, فقد حاول السيد توم بيوركلي مثلا ان يضع قائمة بالرابحين وقائمة بالخاسرين من بين العمال والمستهلكين, محذرا من مغبة حلول الفوضى والحزن محل الحماس للمشروع. اما السيد ألن فريدمان فقد دافع عن مبدأي قيام اليورو بدور العنصر المساند للاصلاحات الهيكلية وتسوية نسب الفائدة بين الثنائي فرنسا والمانيا والدول المشاركة الاخرى وراهن على نمو مطرد يحد من البطالة, لا يمكن ان يتصور دون تعديلات جوهرية. (فهل يكون اليورو اشارة انطلاق لنهضة اقتصادية اوروبية؟) هكذا تساءل السيد جون فينوكيور مراسل الجريدة المعروف. اما السيد ريجنالد دال فقد ذكر ان الولايات المتحدة الامريكية احتاجت الى تسعين عاماً لتركيز دولارها وخمسين سنة لانشاء المصرف المركزي الفيدرالي... بينما قطع الاوروبيون تلك المرحلة في اربعين عاماً (منذ ميثاق روما عام 1958) وصحيح ايضا انه منذ 2000 عام كان (الديناريوس) الروماني يغطي مساحة اكبر من أوروبا اليوم. ولكن دعنا من هذه الثرثرات البروكسلية حول اليورو, ولنقرأ في احداث جنوب شرقي آسيا مثلما تفعل اكاديمية المغرب... كما انه يجدر بنا ان نوجه عنايتنا الى الدولار ومدى ارتباطه بقيمة العمل والانتاج... بعد ان انقطع عن تلك القيمة منذ زمن بعيد. وزير الخارجية الفرنسي الأسبق*

تعليقات

تعليقات