قضية للمناقشة: المنهج غير الرسمي، مدارسنا بحاجة اليه: بقلم -د. نادية راشد بوهناد

في الجزء الاول من هذا المقال تطرقنا الى اهمية وجود منهج غير رسمي في نظامنا التعليمي, هذا المنهج الذي يمثل الجانب التربوي من العملية التعليمية, المنهج التحليلي هو المستوى الآخر الذي يؤثر فى المنهج غير الرسمي فعن طريقه يفسر ما يقوم به الطالب في الصف وفي المدرسة (ماركس) و(والش) شبها الصف الدراسي بمكان عمل يقول الكثير عن تعلم الطالب, وحتى نفهم ما يتعلمه الطالب يجب ان ننظر الى طرق تدريس المعلم. تشبيه الصف بمكان عمل يعني التركيز على اهمية الاجراءات والعمليات التي تحدث في البيئة الصفية, واذا اعتبرنا ان الصف مكان عمل فاذن ما يقوم به الطلاب يمثل مظهر اساسي من مظاهر البيئة الصفية: فـ (دويل) يذكر بأن الاعمال الصفية تحتوي على ثلاثة اوجه وهي: 1) المحصلة المتوقعة, اي ما سيتعلمه الطالب. 2) العمليات او الاجراءات التي تؤدي الى المحصلة, اي ما يقوم به الطالب من قراءات, او كتابات او تفكير حتى يتم التعلم. 3) المصادر اللازمة حتى تتم هذه الاجراءات والعمليات, مثل الكتب والمراجع وتعاون الطالب مع الطلبة الآخرين. كل هذه الاوجه ماهي الا تعبير عن مدى الدافعية والادارة الذاتية التي يتمتع بها الطالب او يفتقدها في الصف, دافعية الطالب تؤثر في طريقة تفكيره وفيما يرغب القيام به, فالطالب الذي يتمتع بدافعية عالية سوف يصر على العمل ويستعين بالمصادر المختلفة ويتعاون مع الآخرين وحتى تكون هناك دافعية يجب ان يكون هناك ربط بين ما يقوم به الطالب وما يجري في المجتمع, وذلك حتى لايصاب الطالب بالملل من المادة العلمية الجافة بل يستمتع بتطبيق مبادئها في حياتة اليومية. من الملاحظ ان معظم المهارات التي تقدم في الصف هي مهارات معقدة, فهناك فئة من المعلمين الذين يستمتعون في اعداد المهارات المعقدة, وينتظرون من العامل (الطالب) ان يفهم المهارة بمفرده, فالمهارة المعقدة تقتل الدافعية عند الطالب ولا تمثل اي تحد له كما يعتقد البعض المهارات المعقدة لاتشجع الطالب على التعلم الحقيقي انما تعلمة ان يتجنب الفشل ويضمن النجاح نحن نريد ان نرى الطالب يصر ويعمل ويتعلم المهارة المعقدة والمملة استعدادا للتعامل مع مهارات اخرى اكثر تعقيدا في المستقبل ولكن الذي يحدث ان الطالب قد ينجح في العمل على مهارة معقدة ثم بعد الانتهاء منها لا يفكر في العمل على اخرى مشابهة, تعتبر المهارة المعقدة اقل صعوبة ولكن اصرار المعلم على تعقيدها يجعل الطالب ينشغل في فهم المهارة وتفسيرها عوضا عن العمل عليها المطلوب اعطاء الطالب فرصة التعرف على مهارات ذات معنى تربوي تطبيقي حتى تؤثر في تعلمه وفي علاقته مع نفسه ومع الآخرين يوجد هناك نوعين من المعلمين, نوع يؤمن باعطاء الطالب فرص اختيار المهارات ويعتمد تقييمه على مقارنة الطالب بنفسه, وهناك النوع الآخر (التقليدي) الذي يؤمن بتقييد الطالب بنوعية من المهارات التي لايتخدل الطالب في اختيارها ويعتمد تقييمه على مقارنة الطلبة ببعضهم البعض. اذن لماذا هذا النوع الآخر من المعلمين؟ هل النظام التربوي يستقطب هذا النوع من المعلمين؟ ام ان هذه النوعية من المعلمين هي ماتخرجها الجامعات والمؤسسات في الدولة؟ صحيح انه في نهاية العام الدراسي يطالب المعلم بتقييم شامل لكل طالب, وصحيح ايضا ان معظم المدارس في الدولة (وربما في العالم) تعتمد على التقييم الذي يقارن الطلاب ببعضهم البعض ولكن لايوجد هناك بند رسمي يمنع المعلم من الاهتمام بالطالب وتقييمه بطريقة تساعده على النمو, احد العوامل التي تدفع العديد من المعلمين الى عدم الاهتمام الشخصي بالطلاب هي توقعاتهم المسبقة عن الطلاب اي الذاتية في الحكم على الطلاب, توقعات المعلم تختلف من طالب لآخر فقد اشارت الدراسات الى ان المعلم يعطي الطالب المتفوق فرص الاختيار وذلك لثقته بقدرات هذا الطالب ولكن نفس المعلم قد يعطي طالب غير متفوق الكثير من التعليمات والارشادات وذلك لعدم ثقته في قدرات هذا الطالب, هذا يقودنا الى اهمية الاهداف للطالب, حيث يوجد هناك نوعان من الاهداف, اهداف قريبة المدى واهداف بعيدة المدى الاهداف القريبة المدى هى تلك التي يمكن تحقيقها في الوقت الحاضر او في المستقبل القريب, كأن يهدف الطالب الى رفع مستواه الاكاديمي في مادة الرياضيات عن طريق بذل جهد اكبر في الامتحان المقبل والاهداف بعيدة المدى هي التي يمكن تحقيقها في المستقبل, كان يهدف الطالب الى الحصول على نسبة عالية في الثانوية العامة تؤهلة للدخول في كلية الطب. عدم اعطاء الطالب فرص الاختيار يعني تجاهل النمو الشخصي والاجتماعي عنده, هذه المشكلة تكون اكثر وضوحا عندما نسأل طفلا ماذا يريد ان يصبح عندما يكبر, فيرد (اريد ان اصبح مهندسا ولاعب كرة بالفريق الفلاني او العلاني) , هذا الطلفل نظرته العملية للمستقبل غير واقعية لانه لايتعامل مع واقع حقيقي في المدرسة ولم يضع له اهداف حقيقية, الاهداف موجودة في المدرسة ولكنها ليست بالضرورة تمثل رغبات الطالب الاخفاق في فهم رغبات الطلاب ووضع اهداف غير مناسبة يؤدي الى تقييم محصلة العملية التعليمية بشكل ذاتي وكأن المعلم في نهاية المطاف يقيم اهدافه وليس اهداف الطالب. المنهج المدرسي (الرسمي) يقتصر الى ملاحظات المعلم المستمرة والتغذية الراجعة التي يقدمها للطالب عن سلوكه والتي تساعد على فهم الطالب وتساعد على التخفيف من قلق الامتحان لديه, ونقصد بالتغذية الراجعة هنا التي تكون على المستوى الشخصي, اي ان يقدم المعلم ملاحظاته الاكاديمية للطالب حتى يستفيد الطالب منها لمقارنة مستواه في اول يوم بدأ فيه الدراسة بمستواه بعد فترة معينة من الزمن, الانظمة التربوية في معظم دول العالم تعتمد على الملاحظات التي تعزز المقارنات بين الطلاب من اجل التنافس فقط وليس من اجل نمو الطالب الشخصي والاجتماعي. العمل الجماعي في الصف هو جانب آخر من شأنه تخفيف حدة التنافس غير الصحي بين الطلاب والعمل على استمرار التفاعل بين الطلبة, البيئة الصفية اكثر من مجرد تحصيل والطالب اكثر من مجرد دافع للتحصيل, هل نخشى العمل الجماعي حتى لايعتمد الطالب الضعيف على الطالب المتفوق؟ وهل نحن كمجتمع عربي واسلامي نرسخ شيء من ثقافتنا (مثلا التعاون) فيما ندرسه؟ ام نحن نوجه للطالب رسالة تقول له بأن الحياة الواقعية في المستقبل هي عبارة عن صراع من اجل البقاء؟ الدراسات العلمية اثبتت ان الطالب يتعلم اكثر عندما يتفاعل مع زملائه وربما اكثر من تفاعله مع المعلم عندما يتعلم الطالب في جماعة فإنه يقدر ما يتعلمه ويقيم عمله ويحسن من ادائه في المستقبل. نستخلص مما سبق ان النظام التربوي عليه ان يتجاوز اهتمامه بالمحصلة التعليمية ليشمل الاجراءات التي تؤدي الى تلك المحصلة, نظامنا التربوي الحالي يهتم بكمية تحصيل الطالب وليس بكيفية تحصيله, ونتساءل ألا يعتبر تحصيل الطالب العالي او المنخفض مؤشر لنجاح او فشل المدرسة؟ وألا يعتبر هذا المؤشر دليل على عدم الاهتمام والرعاية الانسانية للطالب في مدارسنا؟ وألا يعتبر المنهج الرسمي بتطبيقاته الحالية المسؤول عن تغيب الجانب الانساني في مدارسنا؟ ألسنا بحاجة اذن لمنهج غير رسمي يكمل المنهج الرسمي ويعيد التوازن الى النظام التربوي ألسنا بحاجة الى التعاون الحقيقي بين الجامعات ووزارة التربية والتعليم لتحقيق هذا التوازن؟ المطلوب نظرة واضحة وواعدة عن مستقبل النظام التربوي في الدولة يدعو الى التعجيل في اتخاذ القرارات المناسبة لتطوير النظام التربوي, وان كانت هناك اهداف محددة فعلى اصحاب القرار تطبيقها بعيدا عن التنظير واضعين نصب اعيننا ان يكون ابناؤنا اول من يبني السدود ويصمد امام سرعة الزمن وتغيراته. استاذة بقسم علم النفس/ جامعة الامارات*

تعليقات

تعليقات