روسيا.. دولة تائهة بين الشيوعية والرأسمالية : بقلم- ليستر ثرو

في تصنيف أصدره مؤخرا أحد معاهد الأعمال بسويسرا حول التنافسية في 46 دولة بمناطق العالم المختلفة احتلت روسيا ذيل القائمة . وباستخدام 223 معيارا مختلفا جاء احتلال روسيا للمركز الأخير في التنافسية بفارق كبير من النقاط عن بولندا التي صنفت كثاني أسوأ هذه الدول تنافسية, أي أن روسيا أثبتت من خلال تلك المعايير أنها الأسوأ بين الأسوأ بفارق ضخم من النقاط, ولم تحتل أية دولة من الدول الشيوعية السابقة مركزا متقدما عن هذا سوى الصين التي صنفت ضمن مجموعة الوسط وبفارق ضئيل عن فرنسا. إن هذه النظرة المتشائمة للاقتصاد الروسي لها كل ما يعززها إذا ما قرأنا الإحصاءات, كذلك فإن حجم الإنتاج حسب الأرقام الرسمية المعلنة لا يتحرك إلا لأسفل. هناك أيضا المقالات التي تهتم بالجانب الانساني من الأمور والتي تعكس القصة نفسها, فهذه المجموعة أو تلك من العمال دائما ما تنطق حالهم بالشكوى. فهم لم يتلقوا أجورهم منذ أشهر عدة. كما أنه بسبب التضخم, تفقد إعانات المعاش التي يحصل عليها المتقاعدون وكبار السن قيمتها ولا تشتري إلا أقل القليل. وتزداد الأمور سوءا عندما ترى الفساد ينتشر بصورة كاسحة بين صفوف مسؤولي الإدارات والهيئات العامة. كما أن المافيا الروسية هي التي تتحكم في مقاليد الأمور في مختلف مجالات الأعمال, أو هكذا تشير سلسلة طويلة من المقالات في كثير من المطبوعات. لابد وأن شيئا ما خطأ بالضرورة في هذه الصورة التي تنقلها إلينا تلك المقالات, فروسيا بلد بارد للغاية يطول فيه فصل الشتاء, فإذا كانت الحقيقة بالسوء نفسه الذي تصوره الصحف والمجلات لكنا رأينا كثيرا من الروس يتضورون جوعا أو يموتون بردا. وهذا ما لا يحدث. إذن لابد وأن هناك شيئا ما آخر يحدث ولا تنقله هذه الصحف والمجلات, ببساطة يجب أن تكون هناك قوة شرائية تتولد في مكان آخر لكنها لا يتم قياسها بصورة رسمية. أحد أبرز هذه الأماكن هو الاقتصاد السري (الأسود) والذي لا تغطيه الإحصاءات الرسمية أو الضرائب. لم يخرج هذا الاقتصاد إلى حيز الوجود بين عشية وضحاها, بل كان موجودا وبقوة في ظل الشيوعية لكنه تنامى وأصبح متضخما وبشدة بعد الاتجاه إلى الرأسمالية, وخلال الحقبة الشيوعية كان الشطر الأكبر من دخل العامل يأتي في صورة مزايا يقدمها مكان العمل, وتتمثل على سبيل المثال في سكن مجاني وطعام بتكلفة منخفضة بدلا من حصوله على دخل مالي محدد. هذه المزايا وتلك الصورة للاقتصاد القائم على المقايضة لاتزال حية وقائمة هي لم تنته بعد, فالسكن منخفض التكلفة أو المجاني لايزال موجودا. قد لا تدفع لك الشركة راتبك بانتظام لكنك أيضا في المقابل لا تدفع الإيجار. كما أن الشركات لاتزال توزع الطعام على عمالها حتى تحفزهم على المجيء للعمل تماما كما كانت تفعل في الماضي. المحصلة هي أن الاقتصاد المالي يتقلص بينما يزداد اتساع اقتصاد المقايضة. وبعض الانخفاض المسجل في الناتج الرسمي يمتد لقطاعات مثل الجيش الذي لا علاقة له بمستوى معيشة الفرد. فإذا افترضنا أن الإنتاج الحربي وأنشطة الشرطة كانت تمثل 30% من إجمالي الناتج المحلي خلال الفترة الشيوعية ثم انخفضت إلى نسبة الصفر مع انهيار الشيوعية, فليس هناك فارق يذكر بين تلك الفترة والوقت الراهن فيما يتعلق بمستوى المعيشة الفعلي للفرد الروسي العادي. إن روسيا لم تعد قوى عظمى أو دولة بوليسية. وبينما تراجع إجمالي الناتج المحلي بصورة مثيرة فإن متوسط الاستهلاك للشخص الروسي العادي لم يتراجع بصورة ملموسة. وإذا ما انتقلنا إلى الفساد والأنشطة الإجرامية فهي ليست تماما كما تبدو في الظاهر. فلكي تنطلق الرأسمالية لابد من تملك الأفراد للعقارات. ولكي تكون البداية في بيئة كانت الدولة تملك فيها كل شيء, فيتعين تخصيص كل قطعة عقار لشخص ما بعينه, وهنا تأتي المسؤولية الأساسية للحكومة أثناء فترة التحول من الشيوعية إلى الرأسمالية, وهذه المسؤولية تقوم على التخصيص أولا ثم توفير الحماية للحقوق العقارية الناشئة عن هذا التخصيص. وهذا بالضبط هو ما أخفقت الحكومة الروسية في القيام به. فهي في غالبية الأحوال لا تستطيع تقرير من سيحصل على ماذا؟ وأي الفلاحين سيحصل على أية قطعة من الأرض؟ وحتى إن قررت فهي لا تستطيع تنفيذ قراراتها. إن مديري المزارع الجماعية لا يرغبون في التخلي عن وظائفهم لذا فإنهم لا ينفذون ما يصدر عن موسكو من قرارات. وهكذا فإن القوي يسيطر على ما قررت السلطات إعطاءه لشخص آخر. إن البقرة التي حصلت عليها هي في واقع الأمر تخصني. هي لي, وإذا لم تستطع الحكومة توفير الحماية للحقوق العقارية فإن هذه الحقوق تتلاشى. فموسكو وقراراتها الرسمية تكون بعيدة للغاية إذا ما كان الحق المتنازع عليه في مكان ناء كسيبيريا. وهذا من المنظور الأمريكي يماثل الغرب الذي تعودنا وأحببنا دائما أن نشاهده في الأفلام. إن ما نراه في روسيا حاليا هو عملية تكتنفها الفوضى يمكن أن نسميها (خصخصة خاصة) فالافراد يضعون أيديهم على عقارات كانت الدولة (أي كل الأفراد) تمتلكها, ثم يجعلونها ملكية خاصة لهم دون غيرهم, لكن حيث أنهم لا يملكون أي حق قانوني يدعم هذه الملكية, فإن أشخاصا أقوى يحاولون بدورهم الاستيلاء على هذه العقارات. إن هؤلاء لا يمكنهم الحصول على حماية من الحكومة وذلك ببساطة لأنهم لا يستحقونها. يمكننا أن ننظر بتعال إلى هذه الفوضى لكن لنرجع بذاكرتنا إلى الوراء لننظر كيف كانت الأمور تسير في أوروبا الغربية قبل الآن ببضع مئات من السنين. أتذكرون الثورة الفرنسية. ماذا حدث بعد اندلاعها؟ تمت الإطاحة برؤوس الكثيرين. كذلك فإن أحد أكثر الدوقات البريطانيين ثراء كان يملك معظم الأراضي التي تقع في نطاق مدينة لندن. فكيف آلت اليه هذه الأراضي ذات القيمة المرتفعة؟ الإجابة ببساطة أن أجداده القدماء سيطروا عليها بقتل شخص ما أو عدة أشخاص كانوا يملكونها أو حتى رغبوا في امتلاكها, وفي أمريكا تمت السيطرة على أراضي الهنود الحمر وأخذ القادمون الجدد يعملون التذبيح في الهنود في القرن الماضي ثم تم إعطاء أرضهم التي أصبحت بلا صاحب للمستوطنين بموجب القانون الامريكي. ليس جميلا أن نفكر كثيرا في هذه الأمور ولأنها حدثت منذ زمن طويل فإننا لم نعد نفكر فيها. لكن المحصلة هي أن القوي بعد فترة سيكون من مصلحته العمل على اعتراف الدولة بقانونية ملكيته ومساندة حقوق ملكية العقارات التي سيطر عليها. أي أن هؤلاء الذين يطلق عليهم الآن (مجرمون) و(خارجون على القانون) سيكونون هم أنفسهم الجماعات التي تدعو إلى (سيادة القانون) . نتيجة لهذا قد تدهشنا سرعة استقرار الأوضاع في روسيا لتصبح أمة رأسمالية طبيعية ذات سيادة قانونية طبيعية تحرص على تطبيق حقوق الملكية. والفارق بين الصين وروسيا في تصنيف التنافسية هو بالضبط الفارق بين حكومة تشرف بفاعلية على توزيع معظم العقارات, كما هي الحال مع الصين, وأخرى تهاوى دورها كما هو الحال في روسيا, مخلفة بذلك فراغا, حيث لا تقوم سلطة ما بتوزيع العقارات بصورة عادلة. ولا يظهر التناقض أكثر وضوحا مما هو عليه في القطاع الريفي. ففي العام 1978 ـ 1979 أقدمت الحكومة الصينية على توزيع كل هكتار من الأرض الزراعية على العائلات الصينية فيما عرف بـ(نظام المسؤولية الأسرية) . ماذا كانت النتيجة؟ في غضون عشر سنوات تالية تضاعف حجم الإنتاج الزراعي من دون استثمار في الآلات, والأسمدة, والنقل, والاتصالات. كل ما حدث هو تقديم حوافز فردية أفضل. وحيث إن ثلاثة أرباع الصينيين يعيشون في المزارع, فقد ارتفعت مستويات المعيشة بالتالي على نحو مثير. على طرف النقيض من ذلك اخفقت روسيا أو في أحسن الأحوال أحرزت تقدما ضئيلا في تفتيت مزارع الدولة والمزارع الجماعية. فمع انهيار الشيوعية وعدم استقرار السوق حتى الآن ظل الإنتاج الزراعي على حاله أو تراجع. ليس واضحا أيهما بالضبط. وهكذا فإن روسيا لاتزال عالقة في منتصف الطريق بين الشيوعية والرأسمالية, وهذه هي أسوأ نقطة يمكن بلوغها, لكن للأسف هذا هو بالضبط موقع روسيا الآن. العميد السابق لكلية سلون الامريكية للادارة*

تعليقات

تعليقات