مع الناس: بقلم - عبد الحميد أحمد

ما كادت هيلاري كلينتون تتحدث عن دولة فلسطينية حتى سارع البيت الابيض الى اعتبار تصريحها رأيا شخصيا والى ابراء ذمة الرئيس كلينتون منه, بعد ان قامت قيامة اللوبي الصهيوني ضد التصريحات الهيلارية فوصفها بعض عتاة هذا اللوبي بأنها فظة او مزعجة او غير منصفة او مثيرة للقلق, وغير ذلك من كلمات واوصاف تعبر عن الاستياء . تأكيد البيت الابيض بأن آراء السيدة كلينتون شخصية وابعاد زوجها الرئيس عن هذه الآراء بهذه السرعة تأكيد للعرب بأن الادارة الامريكية ليست مع قيام دولة فلسطينية على النحو الذي يأمله العرب والفلسطينيون ويعتقدون ان المفاوضات النهائية سوف تؤدي اليه, فيندهش احدنا على الاصرار حتى الآن على مواصلة المفاوضات, وعلى التمسك باتفاقيات اوسلو وغيرها, ما دامت انها لن تؤدي في النهاية الى دولة, وما دامت امريكا نفسها لا تؤيد هذه الدولة. المفاوضات لم تعد اكثر من مضيعة للوقت, اخرها مفاوضات لندن التي حكم بفشلها حتى قبل ان تبدأ, ولم يخرج منها الفلسطينيون الا بمزيد من الاهانة والتسويف, لأن الراعي الامريكي, الذي كان يرعى الابقار سابقا وصار اليوم يرعى محادثات السلام, تخلى عن دوره الفاعل الى دور المتفرج, فيقول صراحة انه لن يضغط على اسرائيل, وان الدولة او غير الدولة يقررها المتفاوضون, فكيف ستقبل اسرائيل اذن بالدولة من دون ضغط وهي في موقف القوة؟ وشخصيا سعدت وربما غيري ايضا بفشل لقاء لندن, فهو لو نجح يكون عرفات قد تنازل فعلا وقبل بما تفرضه عليه امريكا واسرائيل, من المبادرة الاخيرة الى ما يمكن ان يكون اسوأ منها, وفي ذلك نصر لنتانياهو سوف يدفعه الى مزيد من التطرف. ونعود الى تصريح هيلاري, الذي ليس له عمليا اية قيمة سياسية, وهو لن يكون مهما للاعلام لو لم تكن قائلته زوجة لرئيس الولايات المتحدة, ومع ذلك هبت عليه عصابات الصهاينة في امريكا واحنت لها الادارة في واشنطن رأسها, لنعرف ان السلام المنشود مع مثل هذه الغطرسة الصهيونية التي تمارس من امريكا اكثر مما تمارس في اسرائيل نفسها امر غير ممكن. فالسيدة كلينتون نفسها يبدو انها لم تذهب بتصريحها الى الحد الذي تصورته عصابات اسرائيل في امريكا, وتصريحها لا يعدو ان يكون تصريحا ذا طابع انساني نسبة لأنها كانت تتحدث في تجمع للشباب في سويسرا بينهم شباب من فلسطين وآخرون من اسرائيل, فاستخدمت كلمة فلسطين ردا على سؤال لشاب فلسطيني فاستوضحها شاب اسرائيلي الامر مذكرا اياها بأن (هذا البلد غير موجود) فأجابت: (اعتقد انه سيكون من مصلحة الشرق الاوسط على المدى الطويل ان تكون فلسطين دولة مسؤولة عن العيش الكريم لمواطنيها) . هذا التصريح الخاطف, الذي هو ربما زلة لسان لا اكثر, او مجرد مجاملة او مجرد رأي شخصي فعلا او غير ذلك مما هو وارد من احتمالات, يكفي عند اعوان اسرائيل من الامريكيين الذين يزايد الواحد منهم على نتانياهو نفسه, لكي يثير البيت الابيض كله ويضطره للاعتذار او التوضيح او تقديم ابراء ذمة وشهادة صك غفران, فيما تصريحات قادة اسرائيل انفسهم بمن فيهم نتانياهو والتي ترفض الدولة الفلسطينية او الانسحاب او غيرها من تصريحات تنسف الاتفاقيات مثلا لا تثير عند العرب اية جملة اعتراض ولو كانت في الاذاعة بغرض الاستهلاك الاعلامي. طبعا الحال الذي وصلنا اليه يعبر عن نفسه في ضعف المفاوض العربي, الذي ينتظر من الطرف الآخر ان يتكرم فينفذ ما سبق الاتفاق عليه, وهو ضعف ننتظر معه مثل تصريحات هيلاري كلينتون, التي هي ربما لا تزيد عن رمية من غير رام, لكي نكتشف معها للمرة الالف بعد المليون انحياز امريكا الاعمى الى اسرائيل, ومع ذلك لا نزال نتأمل في رعايتها خيرا, كالغنم اذا تأملت خيرا من ذئب.

تعليقات

تعليقات