اليورو ليس مجرد عملة, بل واقع سياسي: بقلم- الدكتور طلعت شاهين

يمر العالم الآن بأحداث كبيرة وفاعلة, ولها تأثيرها الذي لا يمكن انكاره على كل دول العالم بلا استثناء ولا يمكن لأية دولة او تجمع سياسي او اقتصادي ان يتجاهل تلك الاحداث , لأنها تأتي في لحظة حاسمة من لحظات التغيير, وتعتبر حلقة جديدة في سلسلة التغييرات التي حدثت خلال السنوات القليلة الماضية, والتي تسببت في تغيير كل موازين القوى التي سيطرت على التحركات السياسية والاقتصادية والاجتماعية العالمية خلال عقود عديدة. بعد سنوات التغيير التي حدثت مع نهاية الثمانينات بسقوط حائط برلين الشهير, ومعه سقطت نظريات التوازن الكبرى بين القوتين الاعظم: الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي, وتحول العالم الى القطبية الواحدة, مما ادى الى وقوع احداث ما كان لأحد ان يتخيلها لو ان توازن القوى ظل على حاله, ونحن العرب كنا ولا نزال, وسوف نكون في مركز تلك الاحداث سواء قبلنا هذا ام ابينا, بل اذا لم يتحرك العرب بسرعة توازي سرعة جريان الاحداث, فإن التأكيد الذي يعلنه اكثر المحللين السياسيين الذين يتابعون خطواتنا, والذين يؤكدون ان (العرب اصبحوا خارج التاريخ) سوف يكون مؤكدا اكثر, لأننا سوف نكون من ضحايا هذا الواقع الجديد ما لم نحسن استخدام المعطيات التي يقدمها لنا هذا الواقع, حتى لو ظلت اذاعاتنا وصحفنا تصرخ بغير ذلك, فالواقع السياسي العالمي لا يعترف بما نقوله نحن لانفسنا, لكنه يعترف بمدى التأثير الذي تتركه قوانا وادواتنا التي نملكها ونحركها على الساحة الاقتصادية والسياسية العالمية, وللأسف فإن الاحداث اكدت اننا ما زلنا على حالنا, بل أسوأ حال يمكن ان يتخيله انسان منذ زمن بعيد. خلال الأسبوع الماضي تم الاعلان عن اصدار العملة الاوروبية الموحدة( اليورو) الذي يعني ببساطة قيام حقيقي لقوة كبرى جديدة, يمكنها ان تخل بموازين القطبية الواحدة, التي ارتكزت على نظرية واحدية القطبية التي تتزعمها الولايات المتحدة, وهذا يعني وجود منافس للولايات المتحدة ولو نظريا او حتى على المستوى الاقتصادي, لأن اصدار عملة موحدة من جانب الاتحاد الاوروبي خلق منطقة تنافس جديدة مع الحليف الامريكي, وسوف يكون هذا التنافس موضع خلاف منذ لحظة الاعلان عن تلك العملة الجديدة, نظراً للمنافسة بين عملة كانت حتى الآن العملة المسيطرة على كل عملات العالم, وصعودها او هبوطها كان يعني صعودا وازدهاراً اقتصاديا او انهياراً بكل المقاييس, وامامنا المثل الذي وقع قبل قليل, ولا تزال آثاره تدمر اقتصاد عدد من الدول التي كانت تسمى (النمور الآسيوية) التي كانت حتى وقت قريب تعتبر من اقوى دول العالم اقتصادياً, وفجأة تبين ان النمور التي كان الاقتصاد الحر يتفاخر بها, ويعتبرها نموذجاً يجب ان تحتذيه الدول التي تبحث لنفسها عن مكان تحت الشمس, تحولت الى نمور من ورق. مولد العملة الجديدة, كان في الوقت نفسه تأكيداً على مولد هذه القوة الجديدة, التي سوف تحاول خلال الفترة القادمة ان تتحسس موضع اقدامها في ساحة الاقتصاد العالمي, لأن العملة الجديدة سوف تمثل واقعياً اقتصاداً لا يقل عن 30 في المائة من حجم الاقتصاد العالمي, وسوقه تفوق بمراحل كبيرة اي اقتصاد تمثله اية كتلة اقتصادية قائمة الآن, اي على من يريد ان يتعامل مع تلك السوق عليه ان يتعامل مع تلك العملة اجباراً, لأنها وجه جديد لتلك الوحدة التي كانت في الخمسينيات حلماً, مجرد حلم في عقل بعض الاوروبيين الذين قرروا انه حلم بعيد المنال, لكنه ليس حلما مستحيلاً, ولأنهم كانوا يؤمنون انه ليس من المستحيل تحقيقه, فقد عملوا على وضع اللبنات الاولى في بناء كانوا متأكدين انهم لن يروه لكن ايمانهم بالفكرة جعلتهم يضحون من اجل ان ترى الاجيال المقبلة تحقيق ذلك الحلم. عندما تم توقيع اول اتفاقية نحو تكامل اقتصادي اوروبي عام 1957 لم يكن الموقعون على قلة عددهم يتخيلون ان يتحول هذا التوقيع الى خطوة اولى, تلاها بعد ذلك خطوات حثيثة, فقد تم قيام السوق الاوروبية المشتركة, اي مجرد سوق يمكن للتاجر الاوروبي ان يتحرك فيه بحرية, يبيع ويشتري دون النظر الى هويته او جنسيته, اي كما يقول الذين يعارضون هذه الفكرة, انها مجرد سوق للتجارة, والتاجر والرأسمالي هما الوحيدان اللذان تتحقق لهما فائدة من قيامه, ثم سرعان ما تحولت السوق الى (اتحاد) الهدف كان يبدو ولا يزال هدفاً اقتصادياً, لكن من يحك جلد الذين عملوا ويعملون على تحقيق هذا الهدف الاقتصادي, سوف ترتطم اظافره بالسياسيين الذين يعملون على تحقيق هذا الهدف. لذلك علينا الا نخدع انفسنا امام المشهد الخارجي الوضع الحالي للاتحاد الاوروبي, ونقول انه مجرد سوق للبيع والشراء والا نقلل من شأن العملة الموحدة الجديدة, ونعتقد انها مجرد صكوك مطبوعة لتشهيل الانتقال المالي, ان وراء هذه الورقة المالية سياسة, والذين يعملون على دفع الدفة من اتجاه الى آخر سياسيون يعرفون ما يريدون, لذلك علينا ان نبحث عن الكامن وراء الكلام الذي يعلنه هؤلاء, ويجب الا تخدعنا ابتساماتهم امام عدسات التصوير ولا على شاشات التلفزيون, علينا ان نحاول تعويض ما فاتنا من خطوات ضائعة بسبب الشك في قيمة او امكانية قيام مثل هذا التجمع. الاتحاد الاوروبي حقيقة اقتصادية وسياسية واقعة والعملة الموحدة (اليورو) ايضاً تأكيد لذلك الواقع, ومن هذا المنطلق يجب ان نتحرك, ولا يجب ان نترك الامور تسير, وننتظر ان تهب الرياح في الاتجاه الذي نريده نحن, لان طريقة التفكير هذه لم تعد تصلح, خلال اشهر قليلة سوف نرى تلك العملة تدخل بنوكنا, واسمها سوف يطفو على صفحات اعلامنا, وعندما نتحرك باتجاه اوروبا سوف نقارن بين قيمة (اليورو) و(الدولار) ومن هذه المقارنة البسيطة سوف نميل نحو شراء واحد منهما دون الآخر, وهنا يكمن الخلاف الحتمي بين الاتحاد الاوروبي والولايات المتحدة, رغم انهما حلفاء على المستوى الاستراتيجي, ومن هنا تكون فرصتنا لو احسنا التعامل مع هذا الواقع الجديد, وتوظيفه لمصلحتنا, من الآن يجب ان ننسى تلك المقولات التي تعلق تحقيق احلامنا على علاقتنا مع الولايات المتحدة الامريكية وحدها, هنا يجب ان تكون نهاية هذه المقولات التي سيطرت على تفكير سياسيينا خلال عقود, لان قوة جديدة بدأت وجودها في واقعنا الاقتصادي والسياسي. دليل قيام تلك القوة حتى قبل الاعلان رسمياً عن ميلاد العملة الاوروبية الموحدة, ان اوروبا بدأت في تطبيق بعض الخطوات التي لا يمكن تجاهلها نحو سياسة مستقلة بعض الشيء عن السياسات الامريكية, وأصبح من الممكن لمس هذا التغيير في محاولات الاتحاد الاوروبي دفع بعض المشكلات العالمية, ومنها المشكلة الفلسطينية نحو حل واقعي, حل يمكن ان يحقق استقرارا لا يزعزع الواقع الناشىء عن تلك العملة, وجهود (ميجيل انخيل موراتينوس) المبعوث الاوروبي في الشرق الاوسط وتصريحاته خلال الاشهر الاخيرة, وزيارات رئيس المجلس الاوروبي (جاك سانتر) , وما حدث من تصريحات علنية لاول مرة من جانب بريطانيا باعتبارها الرئيس للاتحاد خلال الفترة الحالية, كل هذا لم يكن مجرد صدفة, لان تصريحات وزير خارجية بريطانيا في القدس, لم تكن مجرد تعبير فردي, انها تعبير عن تذمر اوروبي جماعي من مواقف اسرائيل التي تهدد المنطقة بالانفجار, كلنا يعلم ان بريطانيا عميل الولايات المتحدة في الاتحاد الاوروبي, مع ذلك ما تعلنه باسم الاتحاد الاوروبي يختلف عما تعلنه كدولة لها سياساتها الخارجية التي قد لا تتوافق مع سياسات الاتحاد الاوروبي, وهذا حدث خلال الازمة الامريكية العراقية الاخيرة, كانت وقتها بريطانيا تتحدث باسمها, ولكن زيارة وزير خارجيتها للقدس كانت باسم الاتحاد الاوروبي. يمكن للعرب ان يستغلوا هذا الواقع الجديد, ليس على مستوى العلاقة الجديدة التي تولدت عن قيام العملة الاوروبية (اليورو) في مواجهة (الدولار) , بل ايضاً من خلال استغلال التناقضات الناشئة عن تأثير قيام تلك العملة في الاتحاد الاوروبي, نفسه, لان كل دولة سوف تحاول ان تجذب الى اسواقها اكبر عدد من الزبائن, على اعتبار ان المنافسة في السوق حرة, ومن هنا يمكن توزيع الادوار بين احتياجات الدول العربية من اوروبا, ويمكن بذلك وضع اكثر من دولة اوروبية في وضع المدافع عن القضايا العربية أمام سياسات الاتحاد الاوروبي ككل, ومن هنا يمكن ضمان اصوات مؤيدة للقضايا العربية اكثر داخل المجلس الاوروبي, لكن توزيع الادوار يتطلب ايضاً امكانية التوصل الى حد ادنى من الاتفاق بين الدول العربية, لان الخلاف العربي العربي اكثر خطورة على قضايانا من الاتفاق الاوروبي الامريكي, انه حلم, لكنه ليس اكثر استحالة من حلم تحقيق الوحدة الاوروبية, تلك الوحدة التي تأكدت بالعملة الموحدة (اليورو) لان اليورو ليس مجرد حملة بل واقع سياسي. كاتب مصري مقيم في اسبانيا*

تعليقات

تعليقات