أبجديات: بقلم - عائشة ابراهيم سلطان

كلنا قرأنا نزار قباني, واحببنا شعره, في تلك الأيام التي غادرتنا فيه الطفولة, وتلبستنا الغواية حتى آخر المدى, يومها أغوانا نزار بموسيقاه وانغامه وزنابقه وياسمينه, فتركنا حضن حكايا الجدات وتبعناه الى عالم من الاسرار ما كان يخطر بالبال . في تلك الأيام العتيدة, كان نزار أفيوناً, وخبزاً وقمراً, وكان شعره فعلاً محرماً, كان (عيباً) لا يجوز التورط بقراءته, ولكن معايير العيب تغيرت في زمن الفضاء المفتوح. لقد صارت العائلات العربية (المحافظة) تجتاز حدائق أوروبا حيث العري عرضاً حياً أمام عيون ربات الصون والعفاف! وحيث الحسان على شواطىء نيس وكاليفورنيا واسبانيا يقدمن أفيوناً أشد فتكاً. ما كان عيباً في دواوين نزار أصبح محافظة وتحشماً مبالغاً أمام الخدمات المذكورة التي صارت خدماتها متوفرة في احيائنا وشوارعنا العربية (المحافظة). ومع كل ذلك.. ظل شعر نزار عيباً يخدش الحياء!! مات نزار, ودعته دمشق البارحة, وقرأت عليه الفاتحة, دفنته في قلبها, ووسدته حاراتها وساحاتها وشرفاتها وسيوفها الدمشقية. ولا نقول سوى .. رحمك الله يا نزار.. ولا خلود لأحد.. (أحبب من شئت فانك مفارقه) . لقد أعجبني ما كتبه الشاعر (سالم الزمر) في رثاء نزار منذ أيام, لقد كان صادقاً ومتوافقاً مع نفسه ومع مواقفه الشعرية, فلم يمل كل الميل ولم يتجن كل التجني, كان عادلاً مع نزار ومع نفسه ومع قرائه, لم ينسق وراء نزار الشاعر كما فعل كل المثقفين الذين يجيدون وببراعة صناعة أهرامات وأقواس نصر ومدن خرافية في دقائق لمن يشاءون, وينسفون بالكلمات ذاتها كل العالم في ثوان.. حين يهوون ويريدون. فإذا كان الشعراء يتبعهم الغاوون.. فان المثقفين هم الغواية ذاتها والادعياء في زمن الدعاية اكثر من الهم على القلب! لست ضد نزار, ولست معه على طول الخط, فما زلت اذكر انني كونت ابجديتي من بعض لغته, وعشقت مفرداته, ووجدت فيه وما زلت علماً متفرداً في دنيا الشعر والشاعرية, ومن لم يعجبه نزار, او اختلف معه فذلك حق مشروع لم يكن يغضب نزار, ولا يزعجه, فقد اختلف نزار نفسه مع زمانه كله. لكن مجلات الادب وملاحق الثقافة في عالمنا, تصنع من كل مناسبة عرساً, وفي المآتم, كما في الاعراس والافراح, تتسابق المجلات والصحف للتفرد والانفراد, وضخ طوفان من الجمل والكلمات التي تذهب بعيداً جداً الى حيث يصبح الاعتراض عليها ضربا من التجديف ضد التيار. ومع الذين يرحلون عنا من مبدعينا, يجب الا ننساق بعيداً عن الموضوعية وننسى ما كان واجباً حقاً.. لقد كان نزار حياً منذ سنين, وحتى قبل وفاته لماذا لم يتحدث عنه احد, ولم يحاول فرسان الثقافة والادب في صحفنا ان يقربوه من الذين لم يفهموه او اولئك الذين اختلفوا معه.. لماذا لم يسدوا لنزار هذه الخدمة في حياته.. فيبرزوا جوانب نضاله في ميادين وساحات اخرى غير ساحات الصبايا والنساء! لم يتابع احد (الجواهري) في منافيه البعيدة, ولم يسأل الفرسان عن صحة نزار في مشافي لندن, ويوم غادر الدنيا وعاد حطاما في صندوق, ولول الجميع, وكتبوا وتنادوا وذرفوا الدموع ودبجوا المقالات.. ومات نزار.. وقبض الجميع ثمن ما كتبوا. في صورة استقبال جثمان نزار.. رأيت الدنيا والقاعات والعشاق والشهرة والمعجبات كلها قبض ريح وتراب على طرف صندوق خشبي لا يساوي شيئاً.

تعليقات

تعليقات