بعد اللقاء: بقلم - د. خليفة علي السويدي

خلال الاسبوع الماضي شاركت في احد البرامج التربوية التي تبثها قناة العرب الثقافية على الهواء مباشرة, وكانت حلقة ذلك الاسبوع تتحدث عن مهارات التفكير, ولأهمية الموضوع تناولناه في حلقتين , ويبدو ان الامر اثار العديد من التساؤلات والدليل على ذلك كثرة الاسئلة الواردة من الجمهور الكريم, بعد انتهاء البث المباشر استمرت الاسئلة ترد على حجرة المراقبة وقد طلب مني التوجه لتلك الغرفة للتحاور مع احد المتفاعلين من الجمهور, وكانت احدى تلك المشاركات من سيدة احسست في حديثها الحرقة على اخلاق الجيل المقبل, وكيف ان التربية اهملت جوانب كثيرة هي في حاجة الى اعادة نظر من المهتمين بموضوع التربية والتعليم, فذكرت السيدة الفاضلة اهمية تدريب المتعلمين على مهارات واخلاق كثيرة من ذلك احترام الكبير والاخلاق بشكل عام وكذلك التخطيط للحياة.. الى آخر هذه القائمة, لان هذه الامور هي آليات النجاح وهي اهم من تعليم الانسان بقية المواد التي قد تساعد في نجاح المتعلم في احدى جوانب الحياة, وكما اسلفت ركزت المتحدثة على الاخلاق في معظم حديثها وتطرقت الى بعض القضايا في الاسرة ساعدت على بروز الظواهر الاخلاقية السالبة ومن تلك اهمال الاباء الدور المطلوب منهم. وبعد ذلك اللقاء الهاتفي قررت مشاركة القارىء الكريم في بعض النقاط حتى يمتد الحوار عبر قناة اعلامية ثانية. السلوك المتعلم لاشك ان الاخلاق هي رأس مال الامة واول مؤشر على رقيها او انهيارها, وقد اجاد الشاعر عندما قال: إنما الامم الاخلاق ما بقيت فإن هم ذهبت اخلاقهم ذهبوا وماذا يبقى للامم بعد تغير اخلاق شبابها وتوجههم الى محاكاة سلوكيات وافدة هي ليست من اصالتنا ولا من قيمنا, وتقليد قيم المجتمعات الاخرى علامة خطرة على عدم قناعة الجيل المقبل بأمته مما دفعه الى البحث عن الجديد عند الامم الاخرى, وتبدأ المسألة بخلل في التربية توازية فكرة يروج لها الآخرون خلال الوسائط المختلفة, ومن ثم اعجاب الشباب بهذه الفكرة, وبعد الاعجاب يأتي دور المحاكاة والتقليد من البعض, والترقب والانتظار من الآخرين, فإذا لم يبادر المجتمع بانكار الامر تحول هذا السلوك الجديد الوافد الى ظاهرة عامة, وعندها يبدأ المجتمع في قرع اجهزة الانذار لعلاج هذا الامر, وكان بامكاننا ان نعالج الخرق في بدايته ولكننا انتظرنا حتى برزت الظاهرة ولايوجد حل سريع لعلاج الظواهر الاخلاقية ــ فما هدم في زمن بحاجة الى وقت مثله لعلاجه لان السلوك مسألة متعلمة في معظم الاوقات, فالانسان خرج من بطن امه لا يعلم شيئا ــ كما اشار القرآن الكريم الى ذلك لكن المجتمع بوسائل التربية المختلفة يساعد في بناء جوانب من شخصية الانسان وتحديد سلوكه, (فكل مولود يولد على الفطرة) كما قال نبي هذه الامة عليه السلام, وهذه الفطرة خيرة وحسنه ولكن المولود الجديد عنده استعداد مزدوج للخير والشر وهنا يأتي دور التربية بمفهومها الشامل والتي تشمل الاسرة والمدرسة والمجتمع, وهناك قواعد تربوية عامة لابد من التطرق اليها, وغرسها خلال مراحل التربية المختلفة التي ذكرتها آنفا فمن هذه الآليات: 1ــ القدوة الحسنة: فمن حقوق الجيل المقبل ان يرى امامه قدوة عملية تتحرك على الارض, وهذه القدوة تتمثل في الوالدين في بداية الامر ثم تمتد الى الرفاق فبقية عناصر المجتمع ومن هنا كان من الواجب على المجتمعات ابراز قدوات ونماذج عامة يتمنى ان تتكرر في اخلاق الجيل المقبل, فمن هي القدوات التي يراها الشباب امامهم؟ وهل هي نماذج تمثل قيم هذا المجتمع وتقاليده العريقة؟ 2ــ الاعداد للانفتاح اننا نعيش في زمن لاتستطيع دولة في العالم ان تغلق حدودها المادية والمعنوية عن التأثيرات المقبلة من الخارج, وهذا الامر دفع التربويين الى اثارة اهمية تزويد الجيل بمهارات تجعله قادرا على التأثير في اللآخرين واخذ ما هو حسن عندهم, ومن هذه المهارات قدرته على التفكير العلمي الناقد الذي يفحص به الامور قبل ان يقنع بها, ومن ذلك غرس الوازع الديني لدى الانسان فالمراقبة الذاتية خير ولاشك من الرقابة الخارجية فهي مع الانسان اينما كان. النواة الاولى مع تطور الزمن بدأت النواة الاولى في التربية, الا وهي الأسرة في التخلي عن العديد من مسؤولياتها للآخرين فأصبح في المجتمع مؤسسات متخصصة لمختلف الامور, فمحل للعلاج يسمى المستشقى ــ وكلنا يعلم ان الاسرة كانت هي التي تقوم بهذا الدور, ومكان آخر للتعلم يسمى بالمدرسة, وثالث للاكل يسمى بالمطعم وهكذا تمتد القائمة, فهل تتخلى الاسرة عن كل امورها لمؤسسات او افراد اخرين؟ فهل وصلت الاسر الى تفويض كافة صلاحياتها للآخرين حتى اصبح الخادم في المنزل يقوم بدور الاب والخادمة بدور الام وعندها نأتي للتباكي على اخلاق وسلوكيات الابناء, وقد تنبه الغرب الى خطورة هذه المسألة وطالب العقلاء منهم بالعودة الى الاصل آلا وهو ان للاسرة الدور الاساسي في تعليم الاخلاق القيم ومن الامور التي تساعد على ذلك. 1ــ مهمة ورؤية, فينبغي ان تكون لكل اسرة اهداف واضحة وطرائق معرفة لتحقيق هذه الاهداف فقد وجد ان نجاح الاسرة يرتبط ولاشك بمدى اقتناع المؤسسين لها باهدافهم ومدى جديتهم في نقل هذه الاهداف الى الابناء. 2ــ آليات واضحة, لايكاد يخلو منزل من وجود المشاكل فيه ومن هنا كان من الواجب وجود آليات لحل هذه الازمات التي تظهر لان عدم معالجة الازمة في اولها يؤدي الى تفاقمها ومن ثم تهز هذه المحنة استقرار المنزل مما يكون له اثر سلبي على سلوك الابناء. 3ــ اساليب تربية عصرية: لكل زمان ظروفه الخاصة به مما يحتم وجود خطط تربوية للاسرة تتناسب مع الزمن ومع المرحلة العمرية للابناء مما يقتضي توزيع الادوار بين الاب والام في التربية, فهناك دور لابد ان يقوم به الاب لانه ليس من سمات المرأة والعكس صحيح, ومن هنا يأتي تساؤل مهم كم هو الوقت الذي يخصصه الاب لتربية ابناءه ام ان دوره اختصر في العمل من اجل الراتب ــ فالاسرة مطالبة بوجود خطط تربوية تتناسب مع العصر الذي نعيش فيه لان المدرسة لن تعلم كل شيء ومن تلك الامور ان يكون الاب والام هما القدوة الحسنة للابناء في كل شيء. المؤسسة الرسمية تعتبر المدرسة هي المؤسسة الرسمية التي خطتها الدول لاعداد جيل المستقبل ودور المدرسة مزدوج في تعليم المتعلم مهارات العلم والمعرفة وكذلك نقل اخلاق وقيم هذا المجتمع عبر القنوات التعليمية, والى فترة قريبة حصر تعليم الاخلاق في مادة التربية الاسلامية حتى اصبح المتعلم يعيش فصاما نكدا بين اخلاق التربية الاسلامية وما يطرح في بقية المواد ففي بعض الدول مثلا يتعلم الطالب عن الخلافة العثمانية ونفس الموضوع يدرس في مادة التاريخ تحت مسمى الاستعمار التركي للوطن العربي, ومن المشاكل التي عانت منها التربية وجود فجوة واضحة بين القول والقدوة العملية تحت شعار (خذ من قولي واترك عملي) والمشكلة ان نفسية المتعلم لاتسمح بمثل هذه المقولة فهو يتعلم من القدوة العملية اكثر من الكلام المنمق وهذا ما يعرف في التربية المعاصرة بالصراع بين المنهج المكتوب والمنهج الخفي, ومن هنا اصبح من اللازم علينا اعادة تنظيم الابعاد التي تقوم بها المدرسة حتى تكون مؤسسة يتعلم فيها الانسان السلوك السوي قبل العلم الخقي, وقد بدأت بعض الدول تفكر جادة في ادخال مادة تحت مسمى التربية السلوكية وهي مسألة قد تكون ناجحة اذا ما اعد لها الاعداد المناسب وفق الضوابط المذكورة اعلاه. المدرسة المفتوحة بعد انتهاء المتعلم من التربية النظامية في المدرسة يتوجه الى المدرسة المفتوحة آلا وهي المجتمع بمختلف قنواته, ولعلنا في جانب الاخلاق والسلوك نركز على المؤسسات التالية: 1ــ مؤسسات الفراغ عندما قلت المؤسسات التي يقضي فيها الشاب وقت فراغة توجه الى قتل الوقت في الاسواق وهي اماكن لم تعد لمثل هذا الامر ومن هنا اصبح من الواجب وجود مؤسسات معدة الاعداد الجيد في كل حي سكني ليقضي فيها الانسان الفراغ الايجابي. 2ــ الاعلام يقضي المتعلم وقتا ليس بالبسيط امام اجهزة الاعلام المختلفة والتي من اصلها يأتي التلفاز, والسؤال الذي نطرحه دائما هل يمثل التلفاز في الامارات هذا المجتمع بقيمه واعرافه وتقاليده ام انه بعيد كل البعد عن خطط المجتمع وطموحاته. 3ــ المسجد الحي المسجد هو احد ادواة التأثير الايجابي في المجتمع اذا كان هذا المسجد به شيء من الحياة وحياة المسجد ليس فقط في بنائه الخارجي اي البعد المادي وان كان الاهتمام بذلك البعد من الامور التي يشكر القائمون بها, ولكن الامر يتعدى الى الدور الذي يلعبه امام المسجد (المطوع) في الحي الذي يعيش فيه واذا لاحظ القارىء الكريم ان امام المسجد الذي عاش معهم طوال هذه السنوات لم يكن دوره يتجاوز اقامة الشعائر فالحكم هنا على المسجد معروف وهذا الامر يتطلب تعديل كادر المساجد حتى يمتهن هذا العمل من عنده الكفاءة اللازمة. كانت هذه محاولة مني لتسليط الضوء على بعض العناصر المؤثرة في سلوك الجيل المقبل والامر مركز على محاور اهمها الاسرة فالمعلم وبقية مؤسسات المجتمع.

تعليقات

تعليقات