في المسألة الاعلامية ،الابداع بين الشظايا والزمن: بقلم- د. علي قاسم

ما الذي يجمع بين الزمن والشظايا غير رؤيا شفافة تحترق الوجود الانساني المتعب بالقلق والهم والوجع اليومي للانسان؟ ما الذي يجمع بين زمن الابداع وشظايا الابداع غير احساس مرهف وروح وثابة للعطاء والمعالجة والخروج على المألوف المفروض قصرا على ذائقة المتلقي من قبل تجار الشنطة الذين فرغوا لتوهم من توزيع شحنات الفراغ الفاسدة والملابس الداخلية المنسوجة بعرق الاطفال الصغار في شوارع وأزقة بومباي والاكوادور والباكستان وبعض الدول العربية, هؤلاء التجار امتلكوا حق صناعة ثقافة هذه الأمة وفق مقاييس الربح والخسارة ومقاييس الاختراق والهدم والتحطيم وزراعة اليأس في المستقبل, وطالما ان الامر مرتبط بسياسة الدولارات والجنيهات فإنه مشروع, ونظرية ميكافيللي تغدو مبررة لا محالة. في حالات اليأس من المشاهدة التلفزيونية الفجة تبحث بعد عناء اليوم عن واحة معرفية ثقافية ترفيهية تمنحك بعض الامل لمواصلة السير ولو خطوة واحدة نحو المستقبل, وأنت تتدحرج خارجا من قوقعة الزمن الرمادي وقبل ان ترتطم بصخرة تفتت جمجمتك الواهنة تتلقفك موجة عطاء مرة تكون قادمة من الشارقة عاصمة الثقافة العربية, ومرة اخرى من ارض عشقت الحضارة, تغتالك حبا ووجدا دلمون وتجد في الفضائية البحرينية فضاء في اللامنتهى يحلق بك في آفاق مترامية الاطراف وتأسرك غادة بحرينية وهي تمسك بيدك تطوف بك في عوالم الثقافة والشعر والادب تحاور وتعلق, غادة تمتلك بكل اقتدار أدوات المعرفة الحقة يساعدها في ذلك حب كبير للسفر في مجاهل الوجود الانساني, وتتبع بروين ــ دليلك الى نشيد الوعد من جديد ــ وهي تبحر من البحرين الى كل البحور وكيف لا وهي ابنة دلمون, لا تتركك بروين على الجزيرة يقتلك الملح والعطش ولكنها تروي تيبس الشرايين بماء المعرفة العذبة من خلال تجارب انسانية غاية في البساطة وغاية في العمق, وهي على كل حال تتركك امام مواجهة صادقة مع الذات والآخر تحاول ان تنقل اليك التجربة من خلال شخوصها يتحدثون اليك دما ولحما واحساسا يشكلون وجدانك ويدبون في خلاياك يزرعون بذرة التحدي والانفلات من أسر الفيديو كليب واخبار الراقصات والطبالين وجوقة استوديوهات الفن والليالي الملاح والالبومات المفتوحة والمغلقة, وما ان تنزل بروين اشرعة شظايا الابداع حتى ترتد موجة ثقافية اخرى وريح تهب من عاصمة الثقافة العربية ويبحر بك الثنائي الدكتور عمر عبد العزيز وهيفاء الكيلاني في مدارات حب جديدة لا تكفيهم الشظايا ولكنهم يتمسكون بالزمن, يصنعون دقائقه وساعاته وينسجون لحظاته المقبلة. (زمن الابداع) برنامج ثقافي ابداعي فيه طواف يتجاوز الزمن ذاته ولكنه يقدم الزمن الابداعي باعتباره كما معرفيا. يقدم الزمن ليس باعتباره وقتا يحسب بالثواني ولكن الزمن عند الدكتور عمر اعداد يتمثل في القدرة على تقديم العطاء الانساني منطوقا بلسان شخوصه, يحاورهم مقدما وتحاورهم معه السيدة هيفاء لا بصفتهم كأسماء ولكن كونهم حلقة من حلقات الاضافة الى الفعل الانساني الرائع, في هذا الزمن الابداعي الذي صنعته قناة الشارقة الفضائية فضاوات واسعة لا تعرف الحدود ولكنها فضاءات تقدم الانسان باعتباره تجربة تنبض بالحس والعطاء معا, كم شدني شدو وجرح مرسيل خليفة وهو يتحدث الى (زمن الابداع) ها هو انسان آخر نبت من بين خلايا هذه الأمة يقدم تجربته التي أعتقد أن عددا قليلا قد شاهدها, شاهدا على العصر لان الآخرين كانوا اسرى مئات اغنيات الفيديو كليب او اللقاء الصاخب مع الراقصة اللهلوبة, وفي المقابل ورغم عطاء مرسيل كتجربة انسانية لا تجربة لبنانية او عربية, لا يجد هذا المتألق دائما قناة عربية واحدة باستثناء ولنقل حصرا الشارقة تقدمه للعالم وتقدم اوتاره ليعزف عليها انشودة الانسان في كل مكان, ومرسيل خليفة ليس بحاجة الى شهرة او مجد, ولكنه يستحق وبكل قوة ان يرى وان يسمع لانه يكتب بالموسيقى تجربة حسية رائعة, وكما قلت فان مرسيل خليفة وآخرين غيره, يملأون حياتنا بالحب والامل لا تعرفهم اجيالنا لانهم وبكل صدق محاربون منفيون في اوطانهم في محاولة جادة لمسحهم من الذاكرة الجمعية للمجتمع العربي لانهم يحملون ألوية اخرى, ويبشرون برسائل اروع وانبل من رسائل تزييف الوعي وغرس الشعور بالدونية لكل ما هو عربي, كما قلت ان نجما مثل مرسيل خليفة لا تهمه التلفزيونات العربية الابهارية واتصور انه لن يكون سعيدا لو حاورته مذيعة واطنان الاصباغ تتساقط من على تجاعيد الوجنتين وتمتلك قدرا لا يستهان به من الخواء الروحي والمعرفي, ولا يمكن لفنان قدير مثل مرسيل ان يرضى بأن يكون ضيفا على برنامج يقدم اشباه المطربين واشباه الراقصات باعتبارهم من فلتات الزمن الابهاري, ورغم ان التقدير المادي ليس في قاموس مرسيل خليفة فحفلاته العالمية الطابع كفيلة بتوفير مردود مادي كبير يصر مرسيل على توزيع جلة ان لم يكن كله لخدمة اهداف رسالته الانسانية لمسح دمعة او اقالة عثرة, اقول ان ما جاء بمرسيل خليفة الى عاصمة الثقافة يتحدث من خلال زمنها الابداعي ليس المال وليس الشهرة ولكنه الالتزام والبحث عن فتحة صغيرة ينبعث منها النور الذي يمكن ان يخترق جدار الصمت في حياتنا الرتيبة رغم سرعة ايقاعها وتحولها الى ما يشبه الدائرة المغلقة في مسيرتها الحثيثة نحو التحول الى الاستهلاك رامية لتحويل الانسان الى مجرد حيوان مستهلك تتحكم فيه غرائزه وشهواته ويمارس عليه المصنعون والتجار والمعلنون كل التجارب لتحويله الى مستهلك نهم شره. المبدع الاخ الدكتور عمر عبد العزيز وهذا الدفق الحر والاصيل من العطاء المتجدد حكاية اخرى تضاف الى سجل قناة العرب الثقافية التي استطاعت ان توظف كامل الخبرة والمعرفة والابداع الكامن في الدكتور عمر والذي هو انتاج تجربة انسانية رائعة اتمنى ان نسمع شذرات منها ونحن نتحدث عن زمن الابداع. (زمن الابداع) برنامج لا يمكن ان تزرع بذرته في غير أرض مباركة من تربتها تخرج براعم الثقافة لتكبر اشجارا وارفة الظلال تنشر ظلها لنحتمي به من هجير رمضاء الفيديو كليب ومسلسلات تنسف الوعي وتهمش الانسان. كلية الاعلام جامعة الامارات*

تعليقات

تعليقات