مع الناس: بقلم - عبد الحميد أحمد

لم يسمع القارئ, كما لم أسمع أنا, عن العالم هانز كريبس الذي حاز جائزة نوبل لعام 1953 لأنه اكتشف دورة حمض السيتريك, أو دورة الليمون سنة ,1940 والتي تدرس حاليا في منهج الاحياء لطلبة الثاني الثانوي القسم العلمي , وهذه معلومة مفهومة كما هو واضح, للقارئ ولي وحتى للطالب الذي يدرسها, لولا ان المنهج يقدم الدورة المعنية ضمن سياق منهج عن التنفس يحتاج الى العالم كريبس نفسه لكي يشرحه فنفهمه.. فلنأخذ هذه الفقرة مثالا من كتاب الاحياء: في عملية التنفس تتحرر الطاقة بالتدريج ذلك لأن الهيدروجين يتحد بالأكسجين بعد ان يمر بخطوات عديدة, وفي كل خطوة تتحد ذرات الهيدروجين بمادة مختلفة عن الاخرى تعرف كلها باسم ناقلات الهيدروجين مثل (NAD و FAD والسيتوكرومات وسواها), وفي كل مرة ينتقل الكترون الهيدروجين من ناقل الى آخر يتحرر جزء من الطاقة يتحد مع الـ ADP الموجود في الخلية ليعطي ATP... الخ. وبما ان القارئ الفهامة مثلي يطلب المزيد لكي يستطيع ان يفهم فأقدم له فقرة اخرى تقول: ان ذرة الهيدروجين كما تعلم مكونة من بروتون +H والكترون é وفي بعض خطوات نقل الهيدروجين ينتقل البروتون والالكترون معا من مادة ناقلة للهيدروجين الى اخرى, ولكن في بعض الخطوات الاخرى ينفصل الالكترون عن البروتون حيث يبقى البروتون في المحلول وينتقل الالكترون وحده من ناقل للالكترونات الى آخر. طبعا كل هذا الشرح الرائع والمبسط والواضح والعلمي جدا محشو علاوة على الرموز والشفرات والالغاز بكلمات فخمة تجعل كل طالب من أولادنا لو حفظها, أينشتاين زمانه, مثل حمض البيروفيك والانشطار السكري والروابط الفوسفاتية والكحول الاثيلي وحمض اللبنيك (اللاكتيك) والتخمر الزبدي, وفوقها معادلات كيميائية وسلاسل وايضاحات وحدها طلاسم ومتاهات, ما يذكرني بشعر الحداثة الذي يكتب خصيصا لكي لا يفهم. غير أن الطالب عليه ان يفهم لأن وراءه امتحان يكرم فيه المرء أو يهان, ومع مثل هذه المادة التي لا نعرف ان كانت أحياء أم كيمياء, ام غير ذلك, قبل ان نفكر في فهمها فان مصير الطالب, لا السقوط والرسوب فحسب, بل الاهانة, لأنه يظهر بمظهر الغبي الذي لا يستطيع ان يفهم ويستوعب الدرس, بمساعدة المدرس الأصلي, والمدرس الخصوصي وبمساعدة والديه وغيرهم, فينكفئ على نفسه مهموماً و... مهاناً. وهذه مجرد عينة من مناهجنا نقدمها للقارئ, وهي مناهج في أغلبها يبدو وضعت لكي تهين الطالب وتمتهن كرامته, قبل ان تعمل على تعجيزه وقهره واسقاطه قسرا في الامتحان, ما يصح معها ثورة تعليمية تعمل فورا على نسف هذه المناهج بالديناميت ان امكن, وحرق كل كتبها في أفران أعدت خصيصا, لنضع بدلا منها مناهج اخرى, أوضح وأرحب وأرحم وأكثر احتراما لعقول ابنائنا وقدراتهم وخيالهم. والخطوة الأولى في ذلك, استفتاء الطلاب أنفسهم في هذه المناهج الحالية التي يدرسونها وهم لها كارهون, لا لصعوبتها فذلك ليس مصدر الاعتراض, بل لسماجتها من ناحية وغموضها وعدم تلبيتها لمتطلبات المرحلة الذهنية للطالب من ناحية اخرى, ما يجعلها أشبه بالعقوبة بالنسبة لهم, فأؤكد مع مثل هذا الاستبيان رفض غالبية الطلاب لها سلفا ورغبتهم في تغييرها. ونختم بنموذج كتاب الاحياء الذي قدمنا فقرات منه, فهذا الكتاب على ما يحتويه من دروس غير مفهومة بالمرة, يجعلني أبصم بالعشرة ان المدرس لا يفهمها جيدا لكي يستطيع ان يشرحها للطالب فيفهمها هذا بدوره, كما أن أولياء الامور لن يستطيعوا فهمها لكي يساعدوا ابناءهم على مذاكرتها وفهمها, وهكذا لو فتشنا البلد كله لما وجدنا أحداً يستطيع ان يستوعبها ويعرفها بما في ذلك ربما من وضع الكتاب نفسه, وبما أن حفظها صعب على الطالب كما هو واضح, فلا نستطيع ان ننصحه بالحفظ لكي يتجاوز عقبة الامتحان, لذلك فكرت في استدعاء العالم كريبس هذا لكي يشرح لتلاميذنا هذا الكتاب, لولا أنني اكتشفت أنه رحل عن دنيانا عام ,1981 للأسف!

تعليقات

تعليقات