التوجهات المستقبلية لسياسات التنمية الخليجية ـ بقلم : حسن العالي

تدارس وزراء التخطيط بدول مجلس التعاون الخليجي مؤخرا التوجهات والسياسات المستقبلية لمسيرة التنمية بدول المجلس خطة خليجية للتنمية. وتتمحور التصورات الأولية المقترحة من الدول الأعضاء بشأن التوجهات المستقبلية الموحدة لمسيرة التنمية بصورة خاصة حول العمل على انشاء سوق خليجية مشتركة تتلاشى فيها كافة العوائق والعقبات, وتعزيز ودعم دور القطاع الخاص في الدول الخليجية للارتقاء بدوره الفاعل في عمليات التنمية, وكذلك التركيز على احلال الأيدي العاملة الوطنية محل الأجنبية بشكل لا يؤثر سلبا على الكفاءة الانتاجية ومستوى الأداء وتقليص ازدواجية المشاريع بين دول المجلس. وتشمل بعض التصورات المقترحة ترسيخ جوانب التكامل الاقتصادي بين دول المجلس من خلال الاهتمام بالبعد التكاملي في خطط وبرامج التنمية بدون مجلس التعاون مع التوسع في المشروعات الخليجية المشتركة والسعي لانشاء السوق الخليجية. كما تشمل التصورات المقترحة تبني برامج الخصخصة لزيادة دور القطاع الخاص في دول المجلس مع مراعاة الابعاد الاجتماعية ودراسة التحديات التي تفرضها العولمة وما بعد مرحلة قيام منظمة التجارة العالمية كي تتعامل معها دول المجلس مجتمعة ككيان اقتصادي موحد, وكذلك التنسيق بين خطط التنمية في دول مجلس التعاون في ضوء خبرات التخطيط الماضية والمتغيرات المحلية والاقليمية والعالمية الجديدة. وكذلك تشمل هذه التصورات الأولية تبني برامج للاصلاح المالي والاقتصادي لمواجهة العجز في الموازنات العامة في دول المجلس, والحرص على تحقيق الاستقرار الاقتصادي والاهتمام بالتطوير التقني كأحد أهم محاور السياسات الاقتصادية, وتنسيق أسواق العمل بين دول مجلس التعاون بهدف معالجة مشكلة البطالة في دول المجلس واحداث تغييرات ايجابية في التركيبة السكانية. كما تتمحور التصورات الأخرى المطروحة من قبل دول المجلس على أهمية تنمية الموارد البشرية كمحور رئيسي لمسيرة التنمية ورفع مستوى التعليم الأساسي ووضع سياسة سكانية واضحة تهدف إلى ايجاد توازن بين معدلات النمو الاقتصادي والسكاني بغرض رفع المستوى المعيشي للفرد وتحديد دور الحكومة في النشاط الاقتصادي وتطويره ليقتصر على دور الموجه الاستراتيجي وتوجيه الانفاق العام تجاه تحقيق وتطوير الوظائف الأساسية للدولة, وما يعجز القطاع الخاص عن القيام به أو لا يرغب في أدائه. وتشمل أيضا الحاجة إلى بناء قاعدة متطورة للمعلومات بهدف تحسين مستوى التنسيق بين دول المجلس وبالذات في مجالات التخطيط والتنمية والتعامل بكفاءة مع التكتلات الاقتصادية والدولية, بالاضافة إلى الحاجة للتعاون التام والكامل بين دول المجلس في مجال التجارة الخارجية وصياغة سياسة تجارية موحدة لدول المجلس على ضوء التطورات المتعلقة بالعولمة الاقتصادية وتحرر التجارة الدولية والاتفاق على تعرفة جمركية موحدة تحمي مصالح دول المجلس الحيوية وصياغة سياسات مناسبة لجذب الاستثمارات الأجنبية ونقل وتوكين التقنية. ان مجلس التعاون الخليجي يشهد دون شك في الوقت الحاضر مرحلة جديدة في مسيرته التكاملية والتنموية وخصوصا بعد ارساء البنى التحتية, وبعد مرور زمني أعطى نضجا جيدا لتجربته, وأمام التحديات الراهنة التي يواجهها المجلس والمتغيرات الخارجية التي تتواكب مع مجيء القرن الحادي والعشرين فقد أصبح من الضروري أن يكون هناك تصور شاملا الاطار يجمع وينسق جهود وفاعليات المسيرة التنموية في مختلف مجالاتها وأبعادها الرسمية والشعبية في المرحلة المقبلة. لذلك فان أي مجهود حقيقي لوضع خطط تنموية تكاملية بين دول مجلس التعاون الخليجي لابد أن يقوم على أطر وأهداف وسياسات واضحة. ففيما يخص الأطر العامة فانها تتضمن جميع المجالات السياسية والأمنية والبيئية ومجالات السكان والتنمية البشرية, وأسواق العمل, إلى جانب التنمية الاقتصادية والتكنولوجية والاجتماعية فضلا عن مجالات تفعيل مناخ الاستثمار ودور القطاع الخاص, وذلك كله ضمن اطار شامل ورؤية متكاملة للمناهج والسياسات والآليات (اللجان الوزارية والمشاريع المشتركة) اللازمة لتحقيق الأهداف التنموية بعيدة المدى لدول المجلس. أما على صعيد الأهداف لهذه الخطط, فانها يجب ان تحدد أولوياتها, والتي نعتقد ان أهمها هو خلق اقتصاد متنوع ومتين ومتوازن بين التوجيه والتحرر, وكذلك تحقيق الشراكة الاقتصادية التكاملية في اطار سياسات ازالة اسباب هيمنة القطاع الخارجي على توليد الدخل, وتأمين الحد الكافي للاحتياجات التنموية من المصادر المائية. وكذلك السعي لتحقيق هدف تحقيق قدرة اقتصادية ذاتية على المدى البعيد والارتقاء بالعمالة الوطنية وتطوير مشاركتها في جهود التنمية وبناء قاعدة علمية وتكنولوجية ومعلوماتية متطورة وتحقيق الاستفادة القصوى من طاقات البنى الأساسية المتاحة. وكذلك تبرز أهمية وضرورة تفعيل دور القطاع الخاص أفراد ومؤسسات وقيام مشروعات مشتركة على أساس الحجم الكبير وقيام المشروعات الصغيرة على أسس ملائمة لتعزيز درجة التشابك. بالاضافة إلى ذلك, ضرورة تأكيد الترابط بين الخطة التكاملية بعيدة المدى, والخطط الوطنية متوسطة الأجل وأيضا التفعيل الاعلامي لمجهودات التعبئة الشعبية والالتفاف حول أهداف وسياسات التكامل. وفيما يخص السياسات, فمن الضروري التنويه في البدء إلى أهمية وجود إدارة فعالة وديناميكية لبرامج التنمية تستجيب إلى المتغيرات والظروف الخاصة حيث تمتزج أشكال التدخلات الحكومية المعتدلة لحماية الاقتصاد مع صور اطلاق المبادرات والحريات للقطاع الخاص ليأخذ دوره كاملا في التنمية. أما الوسائل الرئيسية لتحقيق النمو الاقتصادي المستهدف فتتمثل في تراكم رأس المال المادي والبشري وتخصيص هذا الرأسمال للاستثمارات ذات الانتاجية العالية وحيازة التكنولوجيا واتقانها وأخيرا تحقيق نمو سريع للانتاجية. ففيما يخص بناء رأس المال البشري, تبرز هنا أهمية الاستثمار في التعليم الأساسي. وفي دول شرق آسيا على سبيل المثال تركز الانفاق العام على التعليم الابتدائي والثانوي (حوالي 80% من اجمالي الانفاق على التعليم) وذلك بهدف نشر التعليم ما بين أوسع قدر ممكن من القطاعات. كما استخدمت الاعتمادات المالية المتبقية تحت هذا البند أساسا لتعليم العلوم والتكنولوجيا والهندسة في حين تم تدبير التعليم الجامعي في مجال الانسانيات والعلوم الاجتماعية عن طريق القطاع الخاص. كما تم استيراد الخدمات التعليمية على نطاق واسع وخاصة في المجالات التي تتطلب مهارات تخصصية. اما فيما يتعلق بالرأسمال المادي, فتبرز هنا أهمية حشد المدخرات عن طريق أسعار فائدة حقيقية ايجابية بشكل عام على الودائع والاشراف الدقيق على الأنظمة والأجهزة المصرفية ووضع أنظمة لحماية صغار المودعين. اما في مجال تشجيع الاستثمار, فان الجهود تنصب أولا على انشاء بنية أساسية مكملة للاستثمار الخاص, وثانيا خلق بيئة مواتية للاستثمار عن طريق مزيج من التدابير التحفيزية والسعرية. وقد ساعد على تطبيق هذه السياسة في بلدان مثل اليابان وكوريا وماليزيا لفترات طويلة هو ان المدخرات لم تكن تستجيب بدرجة كبيرة للتغيرات في أسعار الفائدة الحقيقية فوق الحد الأدنى الايجابي المطلوب لها. وقد مكن ذلك من زيادة الاستثمارات الموجهة للقطاعات الانتاجية وتقديمها بكلفة أقل دون الحاق ضرر واضح بالمدخرات. ولعله من المفيد أن نسجل بصورة سريعة هنا بعض الدروس المستخلصة من تجارب النمو الاقتصادي لبلدان شرق آسيا والتي تتطلب دراسة متأنية للاستفادة منها في مجال التنمية بالدول الخليجية. لعل الملاحظة الأولى التي ترد هنا من خلال قراءة تجارب بلدان شرق آسيا هي انه ليس هناك فاتورة جاهزة للسياسات الاقتصادية الواجب اتباعها أو تلك الواجب الغائها. ان البداية السليمة هي دائما تكمن في دراسة السمات الخاصة لكل بلد وموارده وامكاناته, ومن ثم اختيار نهج التنمية الذي يحقق الرفاهية الاجتماعية في اطار تلك السمات والموارد والامكانات والتي بضوءها أيضا يتم اختيار السياسات الاقتصادية والاجتماعية الأكثر ملائمة وسلامة. كذلك ترد ملاحظة هنا هويذلك الخليط من سياسات السوق والتدخل الحكومي الذي دأبت بلدان شرق آسيا على اتباعه لضمان النجاح. وقد تم هذا المزج سواء من حيث توقيت هذه التوليفة في اطار زمني يتغير وتتغير معه تلك التوليفة كلما دعت الحاجة إلى ذلك بصورة ديناميكية قادرة على معرفة الامكانات والموارد والاحتياجات المحلية من جهة, واستيعاب صلة ذلك بالتطورات العالمية من جهة أخرى. وهذا يعني ضمنيا ان أساس نجاح التنمية الاقتصادية الآسيوية هو وجود العنصر البشري المحلي والكفأ الذي هو المخطط والمنفذ لتلك السياسات وتوليفاتها. ان العنصر البشري يجب أن يحظى بأولوية رئيسية في برامج التنمية, كما ان مراكمة المعرفة الاقتصادية هدف يجب أن نسعى إليه بشتى الطرق والامكانات. اما برامج التنمية المادية كمراكمة رأس المال وتخصيصه وتشجيع الانتاج والصادرات والتكنولوجيا فقد نجحت الدول العربية في تنفيذ العديد منها بمستويات مختلفة الا ان الحاجة تبقى ملحة لتعزيز القناعة بدور القطاع الخاص وأهميته وخلق البيئة الاستثمارية الملائمة والمحفزة لقيامه بتوجيه مزيد من أمواله لتنمية اقتصاده الوطني. وأخيرا فان الدول الخليجية بحاجة فعلية لترسيخ الايمان بمبدأ المشاركة بين مختلف فئات المجتمع وبينها وبين قياداتها. لقد اعتادت فئات واسعة من الناس أن تحصل على كل ما تريده من خدمات وأسباب رفاهية دون أن تقدم ما يوازي ما تحصل إليه على صورة عمل انتاجي واجتماعي مثمر. ومن الضروري أن يتم تطوير أشكال اجتماعية واقتصادية تربط بين حجم ونوعية الخدمات الاجتماعية والترفيهية التي تحصل عليها فئات المجتمع بحجم ونوعية مشاركتها في الانتاج والعمل لتطوير وتقدي مجتمعاتها.

تعليقات

تعليقات