بعد توقيع الاتفاقية العربية لمكافحة الإرهاب: حتى لا يظل الاتفاق حبرا على ورق: بقلم- جلال عارف

في احد اجتماعات اتحاد الصحافيين العرب قبل سنوات, لاحظ المجتمعون ان وزير الاعلام في الدولة المضيفة هو نفسه وزير الداخلية ! في البداية اندهش الصحافيون العرب... كيف يكون الوزير المسؤول عن الحريات هو نفسه الوزير المسؤول عن الضبط والربط, لكن بعض الحكماء ــ وما أقلهم في صفوفنا نحن الصحافيين! ــ خرجوا علينا بنظرية اخرى تتفاءل بهذه الخطوة وتعتبرها انجازا عربيا وتتوقع ان يكون له مردود ايجابي على العمل العربي المشترك! وسألنا كيف؟ وجاءت الاجابة الحكيمة تقول: ان وزراء الداخلية العرب هم الوحيدون الذين يعقدون اجتماعاتهم بصفة منتظمة. تختلف الحكومات وتتعقد الامور, وتتعطل اجتماعات القمة, وتتعثر اجتماعات وزراء الخارجية, وتصبح اجتماعات وزراء الدفاع من الذكريات... اما وزراء الداخلية فيعقدون اجتماعاتهم في مواعيدها... وبكل انتظام! واستطرد الحكماء في نظريتهم بأننا يمكن ان نستغل ذلك فما دام الوزراء سيجتمعون بصفة مستديمة فسيعرضون على الحد الادنى من العلاقات وبالتالي ستتوقف الحملات الاعلامية المتبادلة, او على الاقل ستخف حدتها. وهو مكسب لو تعلمون عظيم, فنحن في خصوماتنا لا نعرف حدودا وما ان يختلف حاكم مع آخر حتى تنطلق الحملات الاعلامية التي لا تكتفي احيانا بتبادل الاتهامات والتجريح, ولكنها ــ للأسف الشديد ــ تمتد لتسىء الى الشعوب وتضرب العلاقات التاريخية بينها. واستطرد الحكماء مؤكدين انه لو تم تعميم هذا النظام (الجمع بين الداخلية والاعلام في وزير واحد) لتجنبنا الكثير مما نشاهده من سلبيات العمل العربي. ولان التجربة لم يتم تعميمها, فقد تحققت نصف نبوءة الحكماء فقط... استمرت اجتماعات وزراء الداخلية في انتظامها من ناحية, واستمرت الحملات الاعلامية المتبادلة عند اي خلاف في وجهات النظر من ناحية اخرى. تذكرت هذه الواقعة, وانا اتابع انباء الجهود التي انتهت بتوقيع الاتفاقية العربية لمكافحة الارهاب, بعد اربع سنوات من المفاوضات الشاقة بين الدول العربية, وفي ظروف لم تكن العلاقات العربية في احسن حالاتها ومع ذلك استمرت المحاولات وتعددت اللقاءات بين وزراء الداخلية ثم وزراء العدل حتى تم التوصل الى الاتفاقية. ولاشك ان عوامل كثيرة قد ساعدت على انجاز الاتفاقية في مقدمتها ان كل الدول العربية احست بخطورة الظاهرة وضرورة التصدي لها. ومنها ان الدول التي حاولت تشجيع الظاهرة للنيل ممن تختلف معهم قد وجدت ان السلاح يرتد الى صدرها ومنها ان الارهاب نفسه قد اسفر عن وجهه القبيح بكل وضوح فاذا به يظهر للجميع ارهابا بلا عقل وبلا مبدأ تحيطه الشبهات من كل جانب, وتبدو عمالته للخارج اساسا لوجوده... ان الحماية التي اسبغتها امريكا على رموز الارهاب مازالت بلا تفسير مقنع الا محاولة ضرب استقرار الدول العربية من جانب, ومحاولة وصمها بالارهاب من ناحية اخرى. ان حادث الاقصر مثلا لا يمكن تفسيره بعيدا عن تطور الموقف المصري من القضايا القومية, هذا الموقف الذي دفع امريكا لممارسة كل الضغوط... من ورقة الاقباط الى التهديد بقطع المعونة, الى ضرب السياحة بعملية الاقصر. ان ما يحدث في الجزائر لا يمكن فهمه بدون ادراك الصراع حول مستقبل الجزائر وثرواتها ومحاولة امريكا من ناحية وفرنسا من ناحية اخرى ترتيب اوضاع الشمال الافريقي بما يخدم مصالحهما. وربما كانت المحاولة الآثمة لاغتيال الرئيس المصري حسني مبارك في اديس ابابا هي النقطة الفاصلة بهذا الصدد فقد اوصلت الامور بين مصر والسودان الى حافة الصدام العسكري, لولا الحكمة التي سيطرت في النهاية على ردود الفعل المصرية انطلاقا من ادراك أن الصدام سيكون كارثة على الجميع, وانه المطلوب لاستكمال الحصار حول مصر وضرب علاقتها الابدية بالشعب السوداني وابعادها عما يجري في الشرق والشمال الى ان يتم ترتيب الاوضاع فيهما على حساب العرب ولمصلحة امريكا واسرائيل... وربما تركيا. في مقابل هذه الصورة الكئيبة كانت هناك جهود المصالحة التي شاركت فيها الامارات بجهد كبير, وقام فيها زايد بدور كبير انضم الى ادوار مصرية وسعودية وادت في النهاية الى مصالحات مصرية ــ سودانية, وسورية ــ عراقية, وفلسطينية ــ خليجية. ومازال قطار المصالحة يسير ــ حتى ولو ببطء ــ يساعده الادراك العربي المتزايد بمأساة شعب العراق, وبمعاناة شعبنا في ليبيا, وبالمصيدة التي اوقعت فيها القيادة الفلسطينية شعبنا الصامد في الارض المحتلة, حيث يعاني من الاحتلال ومن معاناته مع السلطة ومن شبح الحرب الاهلية. انكشاف الارهاب وبشاعته, واليقين العربي بأن امريكا ستفعل كل شيء لاضعاف العرب بما فيها تشجيع عصابات الارهاب, والظروف السيئة التي تمر بها المنطقة في ظل التآمر الصهيوني والانحياز الامريكي... كلها عوامل صبت في طريق المصالحة العربية, وعززت الاتجاه الى وقفة واحدة في وجه الارهاب بكل انواعه... ارهاب العصابات التي تدعي الاسلام زورا في الداخل... وارهاب العصابات الصهيونية وحلفائها من الخارج. في هذا الاطار تأتي اتفاقية مكافحة الارهاب كخطوة هامة على طريق العمل العربي المشترك... ولعلها تأخرت قليلا او كثيرا ولكنها تأتي في النهاية لتقول لقوى الارهاب انها محاصرة. وهي تأتي لتقول للعالم ان العرب والمسلمين ليسوا قوى ارهاب كما تحاول اسرائيل والقوى المساندة لها ان تقول للعالم... فالاسلام برىء من هؤلاء الذين يرتكبون المذابح باسمه والعرب الذين علموا العالم معنى الحضارة وقيمة التسامح هم ضحايا الارهاب وليسوا صانعيه... وان الارهاب الحقيقي تصنعه اسرائيل وتنشره بينما العالم المنافق يطلق عليها واحة الديمقراطية في المنطقة. ومن هنا تأتي اهمية الحرص في الاتفاقية على التفرقة الدقيقة بين الارهاب وبين الكفاح الوطني. فما يفعله المقاتلون في جنوب لبنان وعلى ارض فلسطين المغتصبة لا يمكن ان يكون ارهابا انه الكفاح الوطني في اعظم صوره, وكل محاولات اسرائيل وامريكا لوصمة بانه ارهاب هي محاولات مرفوضة ولا ينبغي ان يكون لها مكان في ضمائرنا او اعلامنا حتى ولو خضع العالم كله للابتزاز الاسرائيلي الامريكي فنحن طلاب حق واصحاب وطن تم اغتصابه ولابد ان نعيده مهما طال الزمن ومهما بلغت التضحيات. وتبقى نقطتان جديرتان بالاهتمام في ملف هذه الاتفاقية. النقطة الاولى ان الاتفاقية ــ كغيرها من الاتفاقيات التي تتم تحت سقف الجامعة العربية ــ تفتقر الى آلية للتنفيذ... تنسق, وتراقب, وترصد ما يفعله الجميع, وتنبه وتحذر, ثم تحاسب على الخطأ ان حدث. الاتفاقية ــ كغيرها من الاتفاقيات التي تتم تحت سقف الجامعة العربية ــ تعتمد على حسن النوايا, ونحن نرجو ان تتوافر النوايا الطيبة من الجميع, خاصة في هذه المسألة الهامة, ولكن التجارب تعلمنا ان النوايا الطيبة ــ في العمل العربي المشترك ــ لا تكفي وحدها. ولقد تنبهت الامارات لذلك, وتقدمت باقتراح بمقاطعة العضو الذي يثبت عليه مخالفة احكام الاتفاقية... وهو جزاء رادع, لكن الامر لم يتعد ــ حتى الآن ــ مرحلة الاقتراح. وسواء تم الاخذ بهذا الاقتراح او بغيره, فالمهم ان تتوفر آلية في اطار الجامعة العربية تضمن التنفيذ الدقيق لاحكام الاتفاقية, وتجعل الخروج عليها مخالفة جسيمة لا ينبغي ابدا ان تمر بدون حساب. ** والنقطة الثانية هو ضرورة الادراك ان مكافحة الارهاب بكل الصور الممكنة ليست الا واجه واحد من وجهي العملة. اما الوجه الآخر فهو حقوق الانسان العربي في كل مكان. ان القضاء على الارهاب لا يمكن ان يتم اذا كانت الحريات مهددة, وحقوق الانسان في التعبير والاعلام وفي الصحة والتعليم, وفي العدل والحرية... هي الاساس الذي تبنى عليه المجتمعات المستقرة المتحضرة القادرة على وأد الارهاب والتطرف. ولاشك ان تقدما كبيرا قد حدث في اوضاع الحريات في معظم انحاء الوطن العربي, ولكن الكثير ايضا مازال ينقصنا... وبقدر ما يكون التقدم على هذا الطريق بقدر ما ننجح في القضاء على الارهاب. وبقدر ما ننشر روح التسامح ولغة الحوار وحق الاختلاف... بقدر ما تظهر الروح الحقيقية لنا كعرب ومسلمين... يحترمون العقل ويدعون للتفكير ويصنعون الحضارة وينشرون ـ مع الحق والعدل ــ روح المحبة والتسامح بين الجميع.

تعليقات

تعليقات