حتى لا نلدغ من (الجحر) الأوروبي في المنتدى المتوسطي بقلم - الدكتور طلعت شاهين

يقول المثل العربي القديم (المؤمن لا يلدغ من جحر مرتين) , وهو مثل سائر ومعروف بين العامة قبل الخاصة, ولا يمكن لأحد أن يتجاهله في التعامل مع خبرات الحياة اليومية, لان هذه الخبرة اليومية في التعامل تؤكده على جميع المستويات, ولان من يتمثل هذا المثل بشكل جيد, ويعيه وعيا كاملا من خلال الوعي بالتراث الحضاري الذي ابدع هذا المثل فانه سيكون واعيا بالتالي بالوقائع والأحداث اليومية المتراكمة التي تنبهنا إلى خطورة كل خطوة نخطوها نحن العرب في رمال السياسة العالمية المتحركة. لكن يبدو أن السياسيين العرب في محاولاتهم للخروج من الأزمة التي تلفهم, وتضعهم على هامش السياسة العالمية, وتبعدهم بعيدا عن مركز اتخاذ القرار, حتى لو كان الأمر يتعلق بما يؤثر فيهم تأثيرا مباشرا, ذهبوا إلى أبعد مدى, وأصبحوا على استعداد إلى التنازل عن تراثهم, وبدأوا يتناسوه كما لو كان هذا التراث الحضاري عائقا أمام التقدم نحو موقع أفضل. فكرة (منتدى) البحر المتوسط كانت فكرة عربية مصرية, طرحها الساسة في مصر في محاولة خلق منطقة, أو تكتل يمكنه أن يمزج بين أفكار عربية خاصة بالدول العربية الواقعة على هذا البحر العجوز, والدول الأوروبية المطلة عليه, أي أن يستغل العلاقات الاستراتيجية بين الدول العربية المتوسطية, والعلاقات الاستراتيجية بين الدول الأوروبية, مما يعني خلق وجود قوي للكتلة العربية المتوسطية في السياسة العالمية. تحمست اسبانيا وفرنسا وايطاليا للفكرة, وتبنوها وبدأ العمل مع مصر من أجل خلق هذه المساحة السياسية من التعاون, وبدأت الاجتماعات بالاسكندرية عام ,1994 وكان من المتحتم عقد لقاءات أخرى في أماكن أخرى, في محاولة حثيثة لوضع أسس لقاء الاسكندرية موضع التنفيذ, وانضمت كل من المغرب والجزائر وتونس إلى هذا المنتدى, لتشكل مع مصر محورا عربيا قويا لم يكن ينقصه سوى أن تنضم ليبيا إليه, ولكن الدول الأوروبية المتوسطية خضعت للضغوط الأمريكية, وطلبت استبعاد الجماهيرية الليبية مؤقتا, إلى حين الوصول إلى حل للمشاكل العالقة بشأن لوكيربي. توالت اللقاءت بين أعضاء هذا المنتدى, وجرت حوارات عديدة لو أن الدول الأعضاء وضعت قراراتها موضع التنفيذ لكان هذا المنتدى يشكل الآن منطقة من التعاون المشترك, قادرة على التوصل إلى حل العديد من المشاكل, وبدا واضحا ان الجانب الأوروبي يمارس سياسة مزدوجة تجاه ما يختص بالقضايا العربية, لأن كل دولة من الدول الأوروبية الأعضاء في المنتدى المتوسطى تمارس سياستين, الأولى في علاقاتها الثنائية مع الدول العربية دولة دولة, والثانية على مستوى اللقاءات الدولية بما فيها لقاءات المنتدى, وكان على الدول العربية الأعضاء في المنتدى أن تعي ذلك, وأن تحاول دفع الدول الأوروبية المتوسطية إلى توحيد مستوى تعاملها مع الدول العربية الأعضاء في المنتدى, وذلك بهدف ازالة الشكوك تجاه الآخر, وعبر عن هذا أكثر من سياسي عربي ينتمي الى الدول الاعضاء في المنتدى المتوسطي, حيث كانت الشكوى المتزايدة من الجانب العربي تؤكد على ان الدول الاوروبية الاعضاء في المنتدى المتوسطي تحاول الاستفادة من وجودها فيه دون ان تقدم مقابلا لذلك, وأهم جوانب هذه الشكوى كان تغييب ليبيا القسري عن مكان للحوار تعتبر ليبيا جزءا منه باعتبارها دولة متوسطية, وايضا اصرار الدول الاوروبية المتوسطية على دفع الدول العربية التي تعاني من سرطان الارهاب الى مكافحته دون ان تساعد هذه الدول على تخطي الازمات الاقتصادية, التي تخلق مناخا يساعد على نمو هذا الارهاب. عندما بدأت فعاليات اللقاء الخامس المتوسط في جزيرة بالما دي مايوركا الاسبانية خلال يومي 20 و21 من شهر ابريل الجاري بحضور وزراء خارجية احدى عشرة دولة عربية واوروبية في مقدمتهم عمرو موسى وزير خارجية جمهورية مصر العربية, الذي كان دوره النشط خلال الاشهر الاخيرة سببا في التعجيل بعقد هذا اللقاء, ووزراء خارجية كل من اسبانيا والمغرب وفرنسا وايطاليا والجزائر وتونس وتركيا واليونان والبرتغال ومالطا, كان من المتوقع ان تضع الدول العربية الاعضاء في المنتدى شكواها على بساط البحث, وان تطلب من الدول الاوروبية ان تتحمل مسؤوليتها, وان تعلن عن مستوى واحد في التعامل مع الدول الاوروبية. لكن لقاء (بالما دي مايوركا) لم يخرج عن اللقاءات السابقة, لم يحاول الجانب العربي المشارك في اللقاء ان يتكلم بوضوح سوى فيما يختص بالقضية الفلسطينية, رغم ان المنتدى في هذا اللقاء ناقش العديد من الموضوعات المهمة والحيوية لجميع البلدان المطلة على البحر المتوسط شمالا وجنوبا, وفي مقدمتها مكافحة الارهاب الذي يعتبر من اخطر التحديات, التي تواجهها مع جميع دول العالم تقريبا, في ظل تطرف بدأت تمتد اعماله العنيفة الى كل بقاع الارض, اضافة الى بحث الوضع المتردي الذي آلت اليه (عملية السلام) على المسار الفلسطيني ــ الاسرائيلي, التي وصلت الى طريق مسدود يهدد بعودة العنف الى منطقة الشرق الاوسط, بسبب التعنت الذي تمارسه حكومة الليكود برئاسة بنيامين نتانياهو. عاد البيان الختامي لتلك الدورة الجديدة من المنتدى المتوسطي الى التأكيد على النقاط التي اكدت عليها اللقاءات السابقة دون ان تمس جوانب جديدة تشكل قلقا متزايدا للجانب العربي, وعاد العرب يلتمسون العذر للجانب الاوروبي بدلا من وضع الامور في نصابها حتى لا نعود الى المعاناة من التعامل الاوروبي مستقبلا كما هو الحال في السابق وحاليا, خاصة بعد ان عاد الاوروبيون الى التأكيد على مواقفهم السابقة, وكأنهم لا يجدون في هذه اللقاءات سوى مناسبة لمطالبة الدول العربية ببذل المزيد من الجهود لمنع انفجار الهجرة غير الشرعية الى اوربا بلا مقابل من الجانب الاوروبي يتعدى الوعود. لم تحاول اوروبا ان تزيد في خطابها عن كلمات رنانة تدعو الى دعم مجموعة الخبراء التي كانت تتناول الجانب الاقتصادي في المنتدى, والتي وضعت خططا لتطبيقها في الدول الاقل تقدما في المنتدى, والتي تشمل بشكل خاص الدول العربية المتوسطة, وذلك من خلال مشروعات مشتركة برؤوس اموال تقدمها دول الاتحاد الاوروبي, تمهيدا للوصول الى منطقة للتبادل التجاري الحر, دون ان تتحدث بشكل محدد عن تلك المشروعات وتضع لها جدولا زمنيا لتنفيذها. جاء لقاء (بالما دي مايوركا) ليؤكد من جديد على ان كل التحليلات التي خرجت عن اجتماع دول المنتدى المتوسطي الاوروبي تدور في الاطار نفسه الذي دارت فيه الحوارات في الاجتماعات السابقة, بدءا بالاسكندرية وحتى هذا اللقاء في جزيرة (بالمادي مايوركا) , ويمكن مقارنة البيانات السابقة الصادرة عن تلك الاجتماعات بالبيان الاخير, لا فارق في المحتوى والتأكيد على النقاط نفسها, ولكن على ارض الواقع لم يتحقق شيء يذكر يمكن ان يشجع حتى على التفاؤل في امكانية التوصل في يوم ما الى تحقيق بعض الحلم الذي كان شعار لقاء الاسكندرية الاول, وهو (تحويل البحر المتوسط الى منطقة امن وسلام) . دول جنوب المتوسط (العربية) المأزومة اقتصادياً لا تزال تنتظر ان تفرج اوروبا عن 4 آلاف و 600 مليون ايكوس (العملة الاوروبية المعمول بها حالياً), التي كان تم الاتفاق عليها في لقاء برشلونة عام 1995, ورغم ان اوروبا تملك هذا المال في بنوكها, فان الدول الاوروبية المشاركة في المنتدى عادت الى ترديد النغمة ذاتها دون ان تحاول ان تطرح على نفسها سؤالاً لا يملك احد غيرها الاجابة عليه, لأن من يملك مفاتيح الخزائن لا يجب ان يعد ثم يتملص من تنفيذ وعوده بادعاء الاجراءت البيروقراطية تعوق خروج هذا المال من مكمنه, ان مرور اربع سنوات على تنفيذ اتفاق عاجل وحساس يعتبر زمناً طويلاً, وعلى اوروبا الا تنتظر من دول جنوب المتوسط تعاوناً مجانياً للحفاظ على أمنها, لأن الامن في دول الجنوب معرض للخطر ايضاً, واذا ازداد الخطر في جنوب المتوسط فان انتقاله الى الشمال ليس سوى مسألة وقت. الوضع في الارض الفلسطينية المحتلة اصبح خطراً على جميع المستويات, والجميع وفي مقدمتهم الدول الاوروبية يعرفون من يعرض المنطقة للخطر, ورغم ان الاتحاد الاوروبي له دور في الاقتصاد الاسرائيلي, ويمكنه ان يساهم في التخفيف من غلواء بنيامين نتانياهو لينفذ ما تم الاتفاق عليه مع الفلسطينيين, ووقع عليه هو شخصياً بالموافقة, الا ان الدول الاوروبية تسوف في مواقفها, ولا تريد ان تتخذ موقفا حازماً من اسرائيل المسؤول الرئيسي عن ما آلت اليه الاوضاع بالنسبة لمسيرة السلام, ولا نسمع من الجانب الاوروبي سوى اعذار غير مقبولة, ان اوروبا مسؤولة عن تحقيق الامن الاقتصادي والعسكري لاسرائيل, ومساعداتها لاسرائيل مكملة للمساعدات الامريكية غير المشروطة, لذلك فان اوروبا تملك في يديها اوراقاً للضغط على اسرائيل, حتى لو رفضت الولايات المتحدة ممارسة هذا الضغط, لان الانفجار في الشرق الاوسط سوف تصل نيرانه وشظاياه الى اوروبا قبل ان تصل الى الولايات المتحدة. الامر كذلك بالنسبة لقضية تغييب ليبيا عن المنتدى, من جانب تشدد الدول الاوروبية دائما على ان يكون مبدأ الحوار طريقاً وحيداً لحل المشاكل العالقة من المبادىء الرئيسية في التعامل بين الدول, ليس بين الدول الاعضاء في المنتدى المتوسطي فقط, بل تعتبره مبدأ عاماً في السياسة الدولية, وتطالب الجميع بالالتزام به, ومن جانب آخر تتجاهل هذا المبدأ عندما يتعلق الامر بقضية يمكن ان تضعها في موقف النقيض مع الحليف الامريكي, وقضية (لوكيربي) التي تمس دولة عربية متوسطية لا تزال تجد الدول الاوروبية حساسية من التعامل معها من خلال الحوار, وفي اطار المنتدى, بل ان تلك الدول استطاعت ان تفرض على الدول العربية الاخرى تغييباً قسرياً لليبيا كعضو في المنتدى, رغم ان مساحة سواحلها على البحر المتوسط اكبر من مساحة اي دولة اوروبية متوسطية. هذا الموقف يكشف عن النظرة المزدوجة التي تتعامل بها اوروبا مع غيرها من الدول, وهذه النظرة يمكن ان تضع كل الجهود الاوروبية من اجل خلق منطقة سلام وامن وتعاون في البحر المتوسط محل شك الشركاء الآخرين, لأن القضايا لا تتجزأ, وليبيا جزء أصيل في أي اتفاق يشمل جميع الدول المتوسطية, بل يمكن للدول الاوروبية ان تحقق مكسباً سياسياً كبيراً لدى شعوب الدول العربية المتوسطية لو انها تبنت حل قضية (لوكيربي) في اطار المنتدى المتوسطي, خاصة بعد ان اعلنت محكمة العدل الدولية ان الموقف الليبي متسق مع الشرعية الدولية, ووضع الولايات المتحدة في موقف المعتدي من خلال تطبيق حصار غير شرعي على دولة عضو في الأمم المتحدة. لذلك على العرب ان يعودوا الى المنتدى للتأكيد من جديد على وضوح التعامل مع اوروبا, ومطالبة الدول الاوروبية التخلي عن ازدواجيتها في التعامل, والا سنكون تماماً كمن (يلدغ من الجحر مرتين) . كاتب مصري مقيم في اسبانيا

تعليقات

تعليقات