قضية للمناقشة: التحويلات الرأسمالية الدولية، هل يضع صندوق النقد الدولي قيودا عليها؟ ـ بقلم: المستشار يحيى المصري

كانت نظرة بعيدة المدى عندما قرر العلماء وخبراء النقد الذين وضعوا اتفاقية صندوق النقد الدولي في عام 1944 التمييز بين نوعين من المعاملات النقدية: المعاملات الجارية التي الزمت الاتفاقية بعدم فرض (القيود النقدية)عليها عندما تنتهي فترة الانتقال التي حددتها الاتفاقية, والمعاملات الرأسمالية التي سمحت الاتفاقية للدول الاعضاء بفرض القيود النقدية عليها بصفة دائمة كما اجازت فرض القيود الادارية على المعاملات الجارية للتأكد ان ايا من هذه المعاملات لا يعتبر من المعاملات الرأسمالية المجاز فرض القيود النقدية عليها. ولقد اوضحت المادة الثامنة من اتفاقية الصندوق ان الهدف الرئيسي من ذلك هو تسهيل التوسع في التجارة الدولية ونموها نموا متوازنا, ولذلك يسعى الصندوق الى التشجيع على بلوغ مستويات مرتفعة للعمالة والدخل الحقيقي والمحافظة عليها, وهو بذلك يسهم في اقامة نظام مدفوعات حر متعدد الاطراف بشأن المعاملات الجارية بين مختلف الدول الاعضاء على ان تتعهد هذه الدول بعد ان تقبل احكام المادة الثامنة من الاتفاقية بعدم فرض قيود على عمليات المدفوعات والتحويلات لاغراض المعاملات الجارية كما تتعهد بعدم الدخول في ترتيبات تمييزية خاصة بالعملات او في مضاربات او ممارسات تعدد سعر الصرف دون موافقة الصندوق. وقد يتساءل البعض لماذا فرق النظام النقدي العالمي, الذي يقوم صندوق النقد الدولي بتطبيقه بين هذين النوعين من المعاملات أي بين المعاملات الجارية والمعاملات الرأسمالية؟ وما هى الحكمة في الزام الدول الاعضاء بعدم فرض القيود النقدية على المعاملات الجارية والسماح لهم بفرضها على المعاملات الرأسمالية؟ لقد استهدف العلماء والخبراء الذين وضعوا خطة التعاون الاقتصادي الدولي في عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية, استهدفوا قيام نظام دولي يقوم على حرية تبادل التجارة الدولية وحرية اجراء المدفوعات النقدية بين الدول المختلفة حيث تقرر حينئذ ان يضطلع بمسؤولية تنظيم العلاقات النقدية والتجارية الدولية منظمتان: صندوق النقد الدولي ومنظمة التجارة العالمية, غير ان الاخيرة تعثر قيامها لعدم موافقة بعض الدول الكبرى على انشائها خاصة وانها كانت تضم ابوابا كاملة في نواحي متعددة بخلاف تجارة السلع كالتشغيل والعمالة والنهوض الاقتصادي والاستثمار الدولي والمعونة الخارجية لتنشيط التنمية الاقتصادية وغيرها من النواحي التي كان يصعب الاتفاق عليها بشكل جماعي, لذلك استبدلت اتفاقية المنظمة باتفاقية الجات التي تم الغاؤها ايضا منذ ثلاث سنوات وحل محلها اتفاقية انشاء منظمة التجارة العالمية التي انضم اليها حتى الآن اكثر من نصف دول العالم. ولم يكن المقصود من تحرير النقد ان تنتهي القيود تماما على المعاملات النقدية التي تتم بين الدول الاعضاء لان واضعوا النظام النقدي العالمي عندما اجتمعوا في مؤتمر (بريتون وودز) بالولايات المتحدة الامريكية رأوا ان هذا النظام الذي يقومون بوضعه حينئذ لتنظيم العلاقات النقدية الدولية لا يتعين ان يكون مماثلا لنظام (قاعدة الذهب) تتحرك في ظله النقود والاموال من بلد الى آخر بحرية كاملة دون قيد او شرط فاذا تردت اقتصاديات دولة معينة نتيجة ازمة اقتصادية مؤقتة او لنقص في انتاج بعض السلع المعروضة محليا, وهو ما يؤدي الى استيراد سلع مثيلة لتغطية الاستهلاك المحلي وهروب رؤوس الاموال منها, وبالتالي الى عجز كبير في ميزان مدفوعاتها يتم مواجهته بالخصم على موارد وثروة الدولة المستوردة مما قد يؤدي الى هبوط في اقتصادياتها وضعف في انتاجياتها وزيادة العاطلين فيها الى مستوى قد يدفعهم الى الهجرة الى دول اجنبية بحثا عن العمل وبذلك يدخل العالم في ازمة اقتصادية تنتقل من بلد الى آخر وتمتد الى عدد كبير من الدول المختلفة. ان مثل هذه الازمات المحلية كادت تنتشر عالميا نتيجة ازمة المكسيك في عام 1995 لولا وقوف الولايات المتحدة الامريكية الى جانبها ليس حبا فيها ولكن باعتبارها عضوا في منظمة التجارة الحرة لامريكا الشمالية التي تضم كل من كندا والمكسيك والولايات المتحدة الامريكية والتي تتبادل فيها السلع والاموال دون قيد او شرط وبالتالي فان الامراض الاقتصادية التي تحدث في المكسيك, من السهل ان تنتقل الى الولايات المتحدة الامريكية او كندا بل قد تنتقل الى دول اخرى ايضا لا تفرض قيودا على معاملاتها النقدية والتجارية لذلك كانت السرعة الكبيرة من الولايات المتحدة ومن كندا ايضا ومن صندوق النقد الدولي ومن مؤسسات اخرى لتطويق الازمة المكسيكية التي كلفت العالم ما يقرب من 48 مليار دولار امريكي تم سداد اغلبها فورا خوفا من انتقال الازمة واتساعها. وهذه الازمة نراها تحدث حاليا في دول جنوب شرق آسيا وكوريا الجنوبية, وهي الازمة التي صورتها الدول المتقدمة على انها عقاب طبيعي من آليات السوق على نظم مصرفية ملتوية مثقلة بديون وقروض سيئة السمعة تورط فيها سياسيون وشبكة احتكارات وحكومات فاسدة وفقاعة عقارات مؤهلة للانفجار بينما صورها مهاتير محمد رئيس وزراء ماليزيا على انها افرازات سامة نجمت عن الضغط الامريكي المتواصل لفتح الاسواق النقدية والمالية امام المنافسة الشرسة وهجمات جديدة من مضاربين جشعين يتسترون وراء لافتات العولمة ليزدادوا ثراء على حساب ازدياد الفقراء فقرا, وهو ما يعني ان التحرير النقدي المتكامل وبما يزيد عن الشروط الواردة في المادة الثامنة من اتفاقية الصندوق ساعدت على وجود هذه الازمات وهو ما يتطلب اعادة النظر بالنسبة لاجراءات تحرير النقد في الدول وحتى في اتفاقية منظمة التجارة العالمية التي تطالب بتحرير النقد مع ضرورة اعادة دراسة الاتفاقية الدولية لتبادل رؤوس الاموال والتي ينتظر ان يتم توقيعها قريبا. ولاشك ان هناك عوامل عديدة ساعدت على وجود ازمة دول جنوب شرق آسيا من بينها انتقالات رؤوس الاموال الاجنبية من هذه الدول الى الخارج وبتخطيط يعمل على ان يبقى الوضع الاقتصادي العالمي كما هو عليه اي تبقى الدول الغنية على نفس مستوى ثرائها دون تراجع وتبقى الدول الفقيرة على فقرها دون ثراء والاهم من ذلك يبقى الاغنياء كما هم على مستوى ثرائهم بل ويزدادون على حساب الفقراء الذين يزدادون ايضا فقرا, هذه هي الاستراتيجية الاقتصادية الدولية التي تتمسك بها الدول الغنية ودون وعي او مقاومة قوية من الدول النامية والفقيرة. ان تحرير النقد الكامل دون قيد او شرط ودون تنظيم اداري نصت عليه اتفاقية الصندوق جاء نتيجة ما يأتي: 1 ــ تكالب مفاوضي صندوق النقد الدولي في مشاوراتهم مع الدول الاعضاء والتي كانت تطالب وتلح على تحرير النقد الكامل ودون فصل للمعاملات الجارية عن المعاملات الرأسمالية التي اشارت اليها اتفاقية الصندوق, ويبدو ان ذلك تم لاسباب سياسية عندما كانت الدول الشيوعية تفرض القيود الكاملة على كل المعاملات دون استثناء وتسعى لان تحذو حذوها الدول التي تصادقها او تحصل منها على معونات. 2 ــ جهل مفاوضي الدول الاعضاء الذين كان يتم تكليفهم باجراء المشاورات مع مندوبي الصندوق, خاصة بالنسبة للدول التي كان يلزمها الصندوق ببرامج معينة في مشاورات الاصلاح الاقتصادي الذي قام بوضعه معهم كشرط لاستمرار معونته المادية والعينية علما بأن موافقة الصندوق الدورية على برامج الاصلاح كانت بمثابة الضوء ان الكثيرين من الاقتصاديين والمثقفين يتفقون مع رئيس وزراء ماليزيا في ان حرية التحركات الرأسمالية دون شرط او قيد مع عدم وضع تنظيمات او قيود ادارية لها كانت الشرارة الاولى التي اشعلت الازمات النقدية والمالية في العصر الحديث, وهي التي اوقعت دول جنوب شرق آسيا في مأزق بعد ان سايرت مفاوضي صندوق النقد الدولي في الغاء القيود النقدية على كافة المعاملات, وبعد ان فتحت الباب على مصراعيه لاستقبال رؤوس الاموال الاجنبية والتي يتم وضع تنظيمات لتحويلاتها الخارجية حتى في الدول المتقدمة اقتصاديا والدول البترولية الغنية لان هذه الدول كان من الصعب عليها ان تتراجع عن تحرير النقد الكامل الذي وافقت عليه من قبل وبتوجيهات من صندوق النقد الدولي على الاقل وهي تجتاز هذه المحنة وتطالب بمعونة الصندوق والدول الكبرى التي يهمها عدم تراجع النظام الرأسمالي المفتوح والسوق الحر ربما لاسباب سياسية اكثر منها اسباب تنموية او انسانية. اما بالنسبة لرؤوس الاموال الاجنبية التي سكنت فعلا دول جنوب شرق آسيا دون قيود ودون تنظيم سابق ودخلت في مشاريع كاملة وكبيرة مملوكة بالكامل او جزئيا لاصحاب هذه الاموال فانه من الصعب ايضا المساس بها, بل ان كوريا الجنوبية اعلنت منذ ايام عن بعض اجراءات لتهدئة الاسواق هناك من اهمها كان السماح للمستثمرين الاجانب بشراء 50 في المائة من اصول الشركات المدرجة بالبورصة اما ماليزيا فقد قامت برفض الشروط النقدية التي وضعتها واشنطن لتنظيم ملكية المؤسسات المالية المحلية والتي كانت تتضمن امكان زيادة ملكية الاجانب في الشركات المحلية عن 51 في المائة وهو الحد الاقصى الذي وضعته ماليزيا لتملك الشركات الاجنبية في المؤسسات المحلية وذلك على اساس ان ملكية المستثمرين الاجانب كانت من اهم العوامل التي ادت الى تدهور البورصات في دول جنوب شرق آسيا. من هنا فان الدول النامية التي لم تصاب بعد بأزمة دول جنوب شرق آسيا والتي تسعى للتنمية المتصاعدة اقتصاديا وبشريا فانه يتعين عليها ان تعيد النظر في تنظيم وضبط حرية التحويلات النقدية بالنسبة للمعاملات الرأسمالية حتى لا تكون هذه التحويلات سببا في تدهور اقتصادياتها بما يؤدي اليه هذا التحرير من انتقالات سريعة لرؤوس الاموال الاجنبية اذا ما وجد اصحابها انهم لا يستفيدون الفائدة المادية الكبيرة التي كانوا يتوقعونها عند قرار الاستثمارات وبصرف النظر عن اوضاع التنمية في الدول النامية, لان ذلك امر لا يهمهم من قريب او بعيد وما حدث في دول جنوب شرق آسيا يمكن ان يمتد الى كافة الدول النامية وبسهولة وبسرعة خاصة وانها لم تصل بعد الى مرحلة التقدم الاقتصادي ولم تحقق معدلات التنمية المتصاعدة التي وصلت اليها دول جنوب شرق آسيا. ومن ناحية اخرى فانه يتعين على الدول النامية ايضا ان تعيد النظر في استثمار رؤوس الاموال الاجنبية في بورصات محلية وبحيث تظل ضعيفة في تمويل الاقتصاد القومي وحتى لا ترى اليوم الذي تسيطر فيه هذه الاموال على اقتصاديات هذه الدول وتسوقها الى الاتجاه الذي يتفق وصالحها في الحصول على الارباح بعيدا عن العطاء القومي والتنمية الاقتصادية. على ان ذلك يتطلب فعلا تشكيل مجموعة عمل من الاقتصاديين العرب والخبراء الفنيين... يبحثون اعادة النظر في القواعد والانظمة الموضوعة للتحويلات الجارية والتحويلات الرأسمالية الخارجية لكي تتمشى مع صالح المنطقة وتمنع حدوث كوارث اقتصادية مستقبلية سواء عن طريق العدوى او عن طريق ثغرات اخرى قد تأتي من قوانين او انظمة يتم وضعها دون النظر الى ما نسعى اليه من تقدم ورفاهية وحماية وتحصين ضد الامراض الاقتصادية القادمة من الخارج.

تعليقات

تعليقات