الهولوكوست المعكوس ـ بقلم: محمد الخولي

بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية, كان قرار الحلفاء الأوروبيين والأمريكيين هو: ــ تشويه الطابع القومي لكل من ألمانيا واليابان. وكان معنى هذا إعادة كتابة تاريخ البلدين ــ ألمانيا بالذات ــ بحكم قيادتها لدول المحور ابّان النظام النازي في سنوات الحرب, حيث كان الهدف هو غرس عقدة الذنب في نفوس من يأتي من أجيال الشعب الألماني بحيث تكف عن الاعتزاز بتاريخها رغم كل مآثره, سواء تلك التي سجلتها العسكرية البروسية بتقاليدها التي قامت على الانضباط والاتقان والفروسية, أو التي سجلها فلاسفة الألمان ما بين (عمانويل كانت) الى (هيجل) صاحب نظرية الصراع والتفسير الجدلي (الديالكتيكي) للتاريخ, الى (فخته) فيلسوف الوحدة على اساس اللغة والفكر والثقافة وهو الذي ترجمت أفكاره الوحدوية الى خطة عمل في أرض الواقع تولى أمرها المستشار الألماني (بسمارك) واستطاع على اساسها ان يحول ألمانيا من دوقيات ودويلات متناثرة الى واحدة من أغنى الدول قوة ومنعة مع بدايات القرن العشرين, هذا ناهيك عن مآثر المبدعين الألمان ما بين (بتهوفن) عبقري الموسيقى الى (جيته) سيد الشعراء الناطقين بالألمانية, وما كان هذا التراث الحافل للشعب الألماني ليشفع له عند الذين قرروا ان يجعلوه عبدا لعقدة الذنب وكأنها لعنة تلاحق ابناءه بعد الحرب الكونية الثانية جيلا بعد جيل, هناك برز الى مقدمة الاحداث الخبراء اليهود في مجالات الثقافة والاعلام والاتصال وفي رحم هذه الفترة ــ النصف الأخير من عقد الأربعينات ــ جاء مولد علوم الاعلام ونظريات الاتصال الجماهيري وخاصة في الولايات المتحدة التي تسلمت مقاليد الزعامة في عالم ما بعد الحرب. لماذا فشلوا مع اليابان؟ ولأن الانسان ابن ماضيه, ولأن الشعوب بنت تراثها فقد كان التركيز على الذاكرة الجمعية الشاملة للشعب الألماني من أجل ان تتحول أفعاله الى أفاعيل وتتحول منجزاته الى جرائم, بل يتحول تاريخه كله, على امتداد الحقبة النازية (عقد الثلاثينات الى منتصف الأربعينات) الى كابوس طويل ومتصل لا يدعو سوى الى الشعور بالخزي والذنب العميق. وربما لم يستطع القوم ان يباشروا هذا الضرب من ضروب التشويه بالنسبة للشخصية اليابانية أو الطابع القومي للشعب الياباني... وقد يرجع ذلك أولا الى ان ثأرهم الاساسي كان عند الألمان وقادتهم النازيين من اتباع هتلر وهم الذين اشتد الصراع بينهم وبين اليهود وتأججت على عهدهم نيران (المشكلة اليهودية) كما عرفتها أوروبا بفعل رواسب انحدرت عبر القرون من البغض المشترك والحقد المتبادل بين اليهود الذين عاشوا وسط شعوب أوروبا يأكلون خبزها وينعمون بالمشاركة في ثرواتها ولكن يحرصون على عدم الانتماء اليها بل ينغلقون على ذاتهم الخاصة داخل حارات أو أحياء اليهود (الجيتو) التي كانت معازل نفسية وثقافية قبل ان تكون أسوارا من التباعد واللاانتماء بل وعدم الاخلاص لمنظومات القيم التي تعارفت عليها الشعوب الحديثة ومنها قيمة الوطنية أو المشاعر القومية أو الانتماء القومي أو الحياة الحضارية المشتركة أو النسيج الاجتماعي المتكامل والمتلاحم. هنالك شاعت المقولة الخطيرة المنسوبة الى قمة القيادة النازية وهي مقولة (الحل النهائي) لإنهاء ما كان يمثله اليهود في ألمانيا وربما في شرق أوروبا من رموز للتآمر والبغض والتخريب المالي والنفساني وعدم الاخلاص أو الانتماء للأوطان التي آوتهم ومنحتهم حقوق المواطنة فيها. وأيا كان نصيب مثل هذه المقولات من الصحة فالذي حدث هو ان شهدت تلك المراحل من التاريخ المعاصر اقامة معسكرات التجميع أو العمل أو الاعتقال التي سيقت إليها جموع بالآلاف من بلدان أوروبا بل وضمت عناصر من أوطان اخرى خارجها يهودا وغير يهود وفي تلك المعسكرات أهينت بحق كرامة الانسان وأزهقت أرواح البشر. وهكذا لصقت بالقيادات الألمانية معظم الجرائم المرتكبة في حق الانسانية خلال الحرب الثانية, ونقول (معظم) تلك الجرائم لأن هناك من الباحثين من يتحدثون عن معسكرات تجميع أو اعتقال جماعية نصبها اليابانيون بدورهم في بعض الأصقاع التي احتلوها من جنوب شرقي آسيا وان على نطاق أضيق مما أقدم عليه حلفاؤهم الألمان النازيون. الثأر اليهودي من ناحية أخرى لم يكن اليابانيون مستهدفين قدر استهداف الألمان. لماذا؟ هنا فتش من جديد عن ثأر اليهود ودور اليهود اذ كانت مشكلتهم الأولى هي تدمير الحياة الألمانية من جذورها, واذا كانت قنابل المارشال زولوف قد تكفلت بهدم مقر المستشارية ومن ثم وكر رودلف هتلر ومخبئه في برلين, فقد تكفلت طائرات الجنرال ايزنهاور بالقضاء على ما تبقى في عاصمة هتلر من مبان ومؤسسات وصروح... وبعد ان انجز المارشال السوفييتي والجنرال الامريكي مهمتهما في القضاء المادي على النظام والدولة الألمانية, عمد علماء الغرب في امريكا بالذات وفي مقدمتهم يهود مهاجرون أو مواطنون امريكان ــ الى استلام زمام المبادرة للاجهاز على ما تبقى من معالم الشخصية والنفسية الألمانية وكأنما تعين علىهم ان يزرعوا فوق رأس كل مولود ألماني بعد الحرب (بطحة) أو (ندبة) يتحسسها ويعتذر عنها كلما أثاروا في وجهه ذكريات ما اصطلحوا على تسميته باسم اضطهاد اليهود, أو محارق اليهود فإذا برأس الألماني ينكس في الأرض واذا به يعتذر عما لم يفعل ويكاد يجأر طلبا للتوبة نادما ومنيبا عن افعال سبقت في غير جيله ولم يعرف عنها الا بالسماع. ونظن ان القوم قد عمدوا في هذا المضمار الى استخدام أو استقلال عاملين في غاية الأهمية: الأول: يرتبط بالتراث العقيدي المسيحي الذي يقول في جوهره بالخطيئة الموروثة التي قد تمتد لغتها الى الجيل الرابع حيث يأكل الآباء الحصرم فيما الأبناء يضرسون, وحيث يكفّر الجيل الأحدث عن خطايا الأجيال التي سبقت على الطريق. ولو كان قد استقر في وجدان الشعب الألماني أو غيره من شعوب أوربا ان كل امرىء بما كسب رهين, وانه لا تزر وازرة وزر أخرى, وأن كل انسان الزمناه طائره في عنقه... لقال قائلهم يومئذ: مالنا وما فعل الأسلاف منا... واذا كنا نرفض اي عدوان على كرامة البشر... فدعونا مما حدث, وكفانا ما نالته بلادنا (ألمانيا) من هدم وتدمير, ولنطو صفحة الماضي, علينا ان نبدأ من جديد. العامل الثاني: ويرتبط بما لجأ اليه اليهود من الدق على وتر (الذاكرة) , سواء كانت ذاكرة محدودة للفرد أو الأفراد, أو كانت ذاكرة جماعية للأمم والأقوام والشعوب (ليس صدفة مثلا أن يكون تكريس الذاكرة واللجوء إليها ومحاولة استنطاقها والتوغل إلى حد الايغال في الاستشهاد بها ــ من الركائز أو المحاور الاساسية لما جاء به عالم النفس الشهير (سيجموند فرويد) وهو كما نعلم يهودي ونحن لا نعرض هنا للعقيدة الموسوية فلسنا في مبحث عن علم مقارنة الأديان, ولكننا نعرض إلى نسق السلوك لجماعة أو جماعات اليهود من حيث تكريسهم للذاكرة واحالتهم إليها وأحيانا محاولات تلاعبهم بها تشويها أو طمسا أو خداعا أو استغلالا أو تحريفا. ألا ترى إلى عالم الذرة اليهودي, مثلا, تحترمه لعلمه, وتقدر فيه عكوفه في مختبره بين الأنابيق والأنابيب, يحدثك على التلفاز أو في سطور الصحيفة عن أحداث الانجازات النووية أو آخر الاكتشافات الفضائية. فإذا ما اتجه الحديث إلى الشرق الأوسط أو اسرائيل ــ اذا به يروعك حين يتحدث مثلا عن ضرورة تفجير المزارات المقدسة للمسلمين أو المسيحيين من أجل بناء الهيكل الثالث الذي تنسبه كتاباتهم وأهواؤهم وأساطيرهم إلى سليمان! تحقيق ديني أمريكي كتب الصحفي الأمريكي جوستاف نيبور تحقيقا في زاوية (رسالة الدين) (نيويورك تايمز, 25/4/1998) تحت هذا العنوان: الأحداث القديمة والجديدة هي التي تساعد على انعاش (أو تعزيز) ذاكرة اليهود. ومن الأحداث القديمة ــ الجديدة الاحتفال بذكرى (يوم هاشوا) أو يوم الهولوكوست ــ وقد يستمد اسمه في العبرية من معنى الشواء أو محرقة العذاب. وقد كانت المعابد اليهودية في أمريكا ــ كما يوضح الكاتب الامريكي - تحرص في هذا اليوم (22 ابريل) على أن يركز الاحتفال على استحضار واحد من الباقين على قيد الحياة, أو الناجين من معسكرات النازي الشهيرة.. وحبذا لو استحضروا أكثر من واحد أو واحدة لزوم الروايات والحكايات المستدرة للدموع والمثيرة للشهقات والزفرات في اطار دراما ــ تراجيديا متقنة العرض والتنفيذ والأداء والاخراج. كيف لا وقد استوى على المسرح امام جموع الاجيال المتوسطة العمر أو الشابة نفر في الشيخوخة الفانية: رجال مهدمون ونساء بلغن او فلنقل تجاوزن ارذل العمر.. وهم يسوقون قصص العذابات التي لاقوها على يد (الجستابو) الهتلري أو على يد الألمان الغلاظ الاكباد من ضباط وجنود, ومرة أخرى, إذا كنا ندين من منظورنا الحضاري والانساني والعقيدي أي عدوان على كرامة البشر, الا ان هؤلاء الرواة لا يسألهم أحد عن أدوارهم التي كانوا يلعبونها أو يلعبها رفاقهم وقتها أو أقرانهم في دولاب الاقتصاد الالماني أو في التآمر على مصالح ألمانيا أو التواطؤ ضدها مع أعدائها أو على الأقل لم يسأل أحد - ولا يجرؤ أحد أن يسأل - عن شهادة الجانب الألماني في هذا المقام. الذكرى في حالة تآكل مع هذا كله ــ يشير الكاتب الأمريكي (نيبور) ــ إلى أن الزمن, اذ يدور دورته المعهودة فانما لينقص معها عدد الذين شهدوا, أو قيل انهم شهدوا, وقائع الهولوكوست وهم جديرون أن ينقرضوا ربما مع غروب شمس هذا القرن, وبالتالي ينقطع هذا المعين من البشر الجاهزين من أجل (احياء) وتجديد مشاهد الاضطهاد, وابقاء الذاكرة الجمعية للعالم كله في حال من التوقد أو الانتعاش أو التعزيز وفي هذا السياق بالذات يقول الحاخام الأمريكي (آفي فايس) : يساورني قلق عميق لانه لن يكون متاحا لنا بعد ذلك هؤلاء الأفراد الذين يتكلمون من واقع التجربة التي عايشوها بأنفسهم. وأتصور ان من الضرورة بمكان أن نفعل شيئا جديدا إذا ما كان لنا أن نحافظ على.. ذاكرتنا. ويعلق الكاتب (نيبور) على هذه العبارات بقوله: ان هذا ليس بالرأي المنفرد أو الوحيد. وعلى مدى العشرين سنة الأخيرة, ظل هذا القلق سائدا بين الأوساط اليهودية (في أمريكا). ومحور القلق هو على وجه التحديد: ضرورة العمل على تأمين استمرار ذكرى الهولوكوست حية ومتوقدة في الأذهان بعد أن ينسحب من عايشوها من مسرح الحياة. من هنا دارت الجهود اليهودية, في أمريكا بالذات على قدم وساق من أجل تكريس وتجديد ذكرى الهولوكوست. وفي مدن أمريكا فوجئ سكانها الأمريكيون العاديون بعدد من النصب التذكارية لضحايا الهولوكوست وكلها تندد بالالمان بالنازي وبالألمان بشكل عام. وضمت العاصمة واشنطن أكبر متحف لذكريات الهولوكوست الذي فتح أبوابه في يوم الذكرى - وهل هناك غيره - في ابريل عام 1993. مع ذلك فيهود أمريكا لم يسكتوا ولا أكفاهم كل هذه النصب والشواهد والمتاحف التي تحظى بأوسع تغطية من تحت الضرس أو من فوق الضرس في وسائل اعلام الأمريكيين. عقدة الطمع بغير حدود لقد حاولوا ــ وربما أفلحوا ــ في زرع عقدة الذنب التاريخية في نفوس أجيال من الألمان - ولكنهم لم يفلحوا - أو بالأدق لم يحاولوا ــ ان يتخلصوا من عقدة الطمع في داخلهم هم عقدة أن هذا لا يكفي و.. هل من مزيد؟ وهي عقدة ما زالت تستبد بالمفاوض الاسرائيلي ازاء أراضي الفلسطينيين بالضفة الغربية, تماما كما انها ما زالت تستبد بالعقلية والسلوكية اليهودية في الولايات المتحدة.. كيف لا.. وأمامهم في أمريكا مشروع حافل حول ذكرى الهولوكوست يحمل هذا العنوان: مؤسسة التاريخ المرئي (المصور) للضحايا الناجين من الشواء (المحرقة) أو الهولوكوست في لوس انجلوس. والمنطق وراء هذه المؤسسة التي بدأت عملها منذ أربع سنوات هو تصوير كل هؤلاء الناجين - وقد يموتون من بعد أو لا يموتون, لا شيء يهم, بل الأهم هو الاحتفاظ بالصور والايماءات والكلمات والتجاعيد والتقلصات وهو (أرشفة الذاكرة الجماعية عند اليهود وقد أنجزت المؤسسة المذكورة لتسجيل (42276) شهادة أولى بها رجال ونساء من 51 بلدا. ولان احتفالات هذه الذكرى مستحدثة, إذ يرجع عمرها إلى نحو 40 سنة فقط فليس هناك طقوس خاصة بها.. وان كانوا يضيئون شموعا ويلتزمون لحظات صمت, وقد يتلو بعضهم صلوات.. ولكن ها هم يستعدون لادخال مشاهد أفلام الفيديو التي سجلتها المؤسسة التي ألمحنا اليها لتشكل جزءا من طقوس مثل هذه الاحتفالات. وأيديهم في كل حال على قلوبهم.. فليس من رأى انسانا من لحم ودم كمن يشاهد شريطا من مادة السليولوز. وليس من سمع صوت البشر مباشرة كمن يسمع تسجيلات تدخلت فيها بالضرورة أيادي الصنعة ومهارات الحرفيين. انهم يخشون أن يطوي الزمن مثل هذه الذكريات وهم في أشد الاحتياج إليها كي يطمسوا عن العالم رؤية الهولوكوست الراهن أو الهولوكوست المقلوس الذي يلحقونه بشعب فلسطين العربي وآماله الوطنية المشروعة في حق تقرير المصير وفي وطنه القوي وفي دولته المستقلة التي لابد أن يقيمها على ترابه الوطني.

تعليقات

تعليقات