بمناسبة الذكرى الخمسينية لنكبة فلسطين: الى يافا الجميلة العنيدة: بقلم- شفيق الحوت

يقولون ان الزمن وادي النسيان ومقبرة الذاكرة. هذه مقولة لا تصح على من اقتلع من أرضه وأجبر على حياة المنفى القسرية بقوة القمع والارهاب, وقد يكون ممكنا اقتلاع الانسان من وطنه, غير انه يستحيل اقتلاع الوطن من وجدان الانسان . وهذا هو حال شعب فلسطين, كل شعب فلسطين, وحديثي هنا عن يافا, مسقط رأسي ومرعى طفولتي وصباي, ليس سوى حديث الجزء الذي ينسحب على الكل, لا في فلسطين وحسب بل في كل مكان تعرض فيه الانسان لمثل التجربة الاجرامية التي تعرض لها شعب فلسطين. تجربة اغتصاب الوطن واقتلاع المواطن الاصيل منه. اعود الى يافا, ما أحلى العودة الى يافا. قديمة هي قدم التاريخ المكتوب وأكثر, واسمها الكنعاني الاصيل (يافي) ومعناه (الجميلة) وهو اسم على مسمى, فما أجمل يافا المنتصبة كالقمر وسط الساحل الفلسطيني فوق رابية خضراء, تغسل ساقيها بمياه البحر المتوسط, بينما تتكفل ازهار البرتقال بتضفير جدائلها فوق كروم من فاكهة ورمان. ولكن يافا الجميلة عنيدة كذلك. ومن يقرأ كتاب تاريخ فلسطين, قديمه ووسطه وحديثه, يدرك ان ما بدأ على يافا من نعمة لحمى طبيعتها وأهمية موقعها, كان ايضاً سر عذابها ومعاناتها عبر التاريخ المديد وما ترويه ساحاتها من قصص الحروب والغزو, ابتداء من القرن الثالث عشر قبل الميلاد حتى الغزو الصهيوني في منتصف القرن العشرين بعد الميلاد. انا ما يثير الدهشة والاعجاب, في تاريخ هذه المدينة, هو قدرتها على الصمود واصرارها على الحياة ورفضها للاندثار كما حدث للعديد من المدن التي عاصرتها عبر الزمن, جميلة هي ولكنها عنيدة ايضاً. لقد تصدت يافا, في تاريخها القديم, للمصريين القدماء, ومن بعدهم للآشوريين فالبابليين والفرس, ثم اليونان والرومان, وبعد أن تم فتحها على يد عمرو بن العاص, ويقال على يد معاوية سنة 636م, عاشت ستة قرون من الصراع بين كر وفر الى ان تم فتحها لرابع مرة على يد الملك الظاهر بيبرس سنة 1267م, وبقيت منذ ذلك الحين ملكاً حلالاً لأهلها ومن يقيم في روابيها الى ان كانت الغزوة الصهيونية ــ العابرة هي الأخرى ــ منذ خمسين سنة. ولنترك تاريخ يافا, لنتحدث عن واقعها الراهن بعد النكبة, لنكتشف اذا ما كانت لا تزال على عهدها في عنادها ومقاومتها للغزاة الجدد. يافا منذ سقوطها في ايار 1948 وحتى هذه اللحظات ما تزال تقاوم. وهذه صورة عما تعرضت ولا تزال تتعرض له عروس فلسطين من محاولات دثرها ووأدها تحت التراب. وكل ما يلي من معلومات مستقاة من كتب وتقارير رسمية صدرت عن مراجع يافية لا تزال تقيم في البلاد, ولمن يريد التفاصيل احيله على كتاب (يافا: امام مفترق طرق) , للمحامي نسيب نجيب شقر, والكتاب الصادر عن دار الشرارة للنشر ــ القدس تحت عنوان (يافا في مواجهة المخطط التهويدي الجديد) . في أعقاب اغتصاب الأرض الفلسطينية عام 1948 الحقت السلطات الاسرائيلية يافا بتل أبيب, ونتيجة لسياسة التمييز العنصري في الهدم والإخلاء والاقتلاع والاهمال والانتقام, تم هدم حي المنشية عن بكرة ابيه ولم يبق من شاهد على ذلك الحي سوى بقايا جامع حسن بك الذي تعرض لعشرات المحاولات للنسف والتدمير لولا بطولة أهل يافا مسلمين ومسيحيين. أما حي العجمي فهدم منه 70% و30% من حي الجبلية على الرغم من أن سلطات الاحتلال حصرت الوجود العربي الذي تبقى في المدينة في هذين الحيين, وعملية الهدم ما زالت مستمرة, وقد تم تهديم 3125 منزلاً ما بين 1975 و1985, اي بمعدل 143 بيتاً في السنة. وكما هو معلوم فإن كل ما احتلته العصابات الصهيونية من املاك فلسطينية, أراض أو عقارات, وضعت تحت تصرف (المنهال) المشرفة على ما يسمونه أملاك الغائبين فباستثناء 20% من سكان يافا العرب الذين يسكنون في وحدات سكنية هي ملك لهم, فان ما تبقى منهم يعيشون كمستأجرين في أملاك إخوانهم المهجورة. ويقدر عدد اليافيين حالياً بعشرين الف نسمة يعيش اكثريتهم في حيين فقيرين, تم تدريجهما في جدول الوضع الاقتصادي في المرتبة الرابعة في سلم حده الادنى صفر والاقصى مئة وقد تزايد عدد اليافيين خلال العقود الخمسة الاخيرة بوتيرة متسارعة بلغت نسبتها 137% ولكن سياسة التمييز العنصرية لم تلحظ هذه الزيادة, وبالتالي فلم تعمد الحكومة لتطوير وضع هذه الاقلية المضطهدة, مما حول المجتمع اليافي الى مجتمع (سقاة ماء وحطابين) كما ورد في التوراة فعلاً فمستوى التعليم تدهور لا على مستوى البلاد ككل بل ومقارنة مع الأحياء اليهودية الفقيرة في يافا نفسها, ولذلك فليس غريباً ان يكون 45% من الرجال العرب في يافا عمالاً غير مهنيين. أما متوسط الدخل لعرب يافا فهو أقل من متوسط دخل الاجراء, وتحت ما يعرف في مؤسسة التأمين الوطني بـ (خط الفقر) ان حوالي ثلث الرجال وثلاثة ارباع النساء من أهل يافا العرب يعتبرون عاطلين عن العمل الامر الذي ادى الى تحويل الاحياء العربية الى مراكز لتهريب المخدرات مما يشكل كارثة اجتماعية على مستقبل الشباب هناك. وإمعاناً في تجويع الناس وانتقاماً من بحارة يافا ومواقفهم النضالية المعروفة فإن من تبقى من صيادين يعانون من شتى المشاكل, فهناك 200 عائلة تعتاش من صيد الاسماك بعد اغلاق الميناء وإقامة ميناء اسدود, ولكنهم محرومون من اي دعم او مساعدة, فلا يوجد خدمات اساسية ولا مراحيض او حمامات او اضاءة او اي بنية تحتية, ان سياسة الحكومة هي تحويل الميناء الى مارينا لاستقبال اليخوت السياحية, استكمالاً لخطتها في تحويل يافا القديمة كلها الى منتجع سياحي يجمع بين ما تبقى من تراث وجمال الطبيعة, وملحق بتل أبيب. اضافة الى هذه المشاكل الصعبة قررت حكومة اسرائيل نقل قسم كبير من العملاء الذين خانوا شعبهم للاقامة في يافا وفي قلب أحياء المجتمع العربي, وقد وصل عدد هؤلاء إلى حوالي 150 عائلة, وقد يزداد عددهم مع تقدم ما يسمى بمسيرة السلام. ويبدو أن هؤلاء العملاء لم يتوقفوا عن عمالتهم, انما تغير دورهم, فهم منذ قدومهم الى المدينة وهم يعيثون فيها فسادا بسبب حماية الاجهزة الامنية لهم, فأخذوا بالاستيلاء على منازل ليست لهم كان ينتظر اهل يافا الانتقال اليها للتوسع والإنفراج, كما اخذوا يعملون في بيع المخدرات والاعتداء على الشرفاء من أهل المدينة مما يشكل تهديداً على مستقبل المجتمع العربي بأسره هناك, وعلى الرغم من احتجاج أهالي يافا ضد هؤلاء والقيام بمظاهرات لابعاد وبائهم, الا ان سيفهم ما زال مسلطاً فوق الرقاب. ولم تقتصر اعمال النهب على الاملاك الفردية وانما تجاوزت ذلك الى الاوقاف الاسلامية والمسيحية وبواسطة (القانون) وفي وضح النهار فبموجب (قانون) املاك الغائبين تم الاعلان عن الوقف الاسلامي على انه من ضمن هذه الاملاك. وهي تشكل في فلسطين أكثر من 6% من مساحة الدولة وتقدر بـ 2.5 مليون دونم. ومن السخرية ان اللجنة المعنية بهذه الاوقاف يتم تعيينها من قبل الحكومة لقد اختفى جزء كبير من الوقف الاسلامي في يافا, واصاب الاهمال والعدوان العديد من المقابر والمقدسات التي تدنس باستمرار دون اي اعتبار لمشاعر المسلمين. وكذلك الوقف المسيحي فهو الآخر مستهدف ويتهدده خطر الزوال, لأنه مثل الوقف الاسلامي ليس بملكية اصحابه الاصليين من الطوائف العربية المسيحية المختلفة وخصوصاً فيما يتعلق بأملاك الطائفة الارثوذكسية العربية التي تشكل غالبية العرب المسيحيين في يافا, ان وقف هذه الطائفة موجود بأيدي رجال دين غرباء يتصرفون بأموال وممتلكات الوقف كما لو كانت لهم ويستغلونها لمصالحهم ولجني الارباح وعقد الصفقات من دون علم او استئذان ابناء الطائفة فهم يبيعون ويؤجرون لكبار المستثمرين اليهود دون اي اكتراث لاحتياجات الطائفة وضرورات العيش المقبول. هذا هو بعض حال يافا واليافيين الراهن, اما المستقبل فيبدو أكثر خطراً بعد الاطلاع على المشاريع المعدة لمزيد من التدمير في الاحياء العربية بهدف تطفيش سكانها نهائياً لكي تصبح تل أبيب يافا يهودية محضة تليق بسمعة المجتمع الصهيوني الخالي من غير اليهود. غير أن هذا الوضع على مأسويته لم يثبط من عزيمة اليافيين على المقاومة والصراع من أجل البقاء ضمن الإمكانيات الضئيلة المتاحة لهم. فلقد تمكنوا من اقامة رابطة لرعاية شؤونهم, كما استطاعوا في العام 1993 ادخال ممثل عنهم الى المجلس البلدي لمدينة يافا هو المحامي نسيب نجيب شقر رغم ضعفهم كتجمع من ناحية قوة التأثير الانتخابية, لأن نسبتهم أقل من 2.5% من عدد المقترعين في حين تستدعي الضرورة وجود ما يقارب 3.3% لادخال ممثل واحد للمجلس. ومما يؤكد صمود اليافيين ما ورد في تقرير للمجلس البلدي جاء فيه:(ان اهالي يافا, رغم عدم رضاهم عن الوضع الاقتصادي, وادراكهم لاحتمالاتهم الضئيلة للتقدم في الحياة والذي يمنحهم اياها جهاز التعليم المحلي للبلدية, فان الغالبية الساحقة (95%) من عرب يافا عبروا عن رغبتهم في مواصلة العيش حيث هم, وبالنسبة لهم فإن الانتقال للعيش الى مكان آخر والبحث عن مدارس افضل لأولادهم وحياة أفضل وبيئة أفضل غير موجود كإحتمال ممكن وواقعي) . ان يافا حقاً عنيدة, وهكذا أبناؤنا الطبيعيون الذين جاؤوا من ترابها ولم يفدوا اليها من وراء البحار, وورثوا حبها ابا عن جد منذ آلاف السنين, وليشهدوا على بقائها هي واندثار من حاول غزوها او شطبها من الخريطة. ولكن.. اليس من واجب يقع على شعبنا في الشتات, وعلى عربنا ما بين المحيط والخليج, وعلى ابناء يافا بالذات؟ فلنفكر معاً.. كلنا, كيف نستطيع دعم صمود اليافيين والابقاء على صورة يافا كمدينة عريقة ترفض ان تتغير هويتها وتاريخها لتصبح ضاحية لمدينة هجين لا علاقة لها بفلسطين وان وجدت فوق ترابها. قبل خمسين سنة, سنة السقوط, قال شاعر يافا, الذي كانت ملعب طفولته ومرتع صباه, الاستاذ محمود الحوت: يافا لقد جف دمعي فانتحبت دما/متى اراك وهل في العمر من أمد/أمسي وأصبح والذكرى مجددة/محمولة في طوايا النفس للأبد/ما بال قلبي اذا ما سرت في بلد/يصيح من وجده في الصدر وا بلدي/ مهما استقام له من عيشة رغد/وجدته هازئاً بالعيشة الرغد/تعبت لكني ما زلت في تعبي/ اشكو الى الله لا أشكو الى أحد/ والآن, وبعد خمسين سنة على النكبة وسقوط يافا, لا يجوز لنا الاستمرار في الرثاء والبكاء على الاطلال, وبات علينا ان نعمل كما عمل عدونا, وعلى نفس طويل, كي تعود يافا الينا ونعود اليها.

تعليقات

تعليقات