اللحن التربوي: بقلم- د. خليفة علي السويدي

قبل أن تكمل هذا السطر ضع يدك على قلبك!! ثم أتم موضوع هذا المقال, هل أدركت ان لقلبك لحن يمضي عليه! ووتيرة منتظمة ينبض بها! والجواب دونما تردد هو: نعم, فالقلب البشري يتحرك بلحن معروف , ولو تغير هذا النغم وهذا اللحن, كان ذلك التغيير علامة خطأ لابد أن يعالج هذا القلب إذا اردنا لصاحبه الحياة, فحركة القلب تمضي وفق ذبذبات معينة في الحالات الاعتيادية, وتزيد الوتيرة في حالة ممارسة الرياضة ولكن لن يعيش الانسان طويلا إلا اذا رجع القلب إلى لحنه الاعتيادي, وقد لمس الشاعر هذه المعاني فقال: دقات قلب المرء قائلة له/ إن الحياة دقائق وثوان ولو دققنا النظر في امور كثيرة في حياتنا لوجدنا انها تسير على لحن معين أو نغم معروف, فحركة الاصوات: هي نوع من الموجات الصوتية, وهي عبارة عن تخلخل أو تضاغط بين جزيئات الهواء, وعدد هذه الموجات في الثانية يقودنا إلى التردد ومن هنا فالأذن البشرية تستقبل بعض الترددات ولا تتمكن من سماع بعضها الاخر, وكذلك حاسة البصر فالضوء طاقة كهرومغناطيسية تسير على شكل امواج لكل موجه طولها وحسب طول هذه الامواج تتمايز الالوان, فموجات الاشعة فوق البنفسجية اقصر من موجات الضوء البنفسجي, لذلك هي اشعة غير مرئية وكذلك اشعة X والاصغر منها موجات اشعة جاما, وهكذا تكون حساسية العين للاشعة حسب انتظام الموجة التي تسير عليها ومن هنا نرى بعضها ولا نتمكن من التقاط الاخرى, ولو تأملنا الحياة من حولنا لرأينا هذا النسق وهذا الجمال في الصورة والحركة, فلو اختلت موجات القلب كان الخطر, ولو تغيرت الموجات الصوتية أو الضوئية عن لحنها ووتيرتها التي تمضي عليها كان الخطأ ــ والتربية لحن لابد ان نمضي عليه إذا اردنا ان نعيش في نسق جميل من الحياة أو اردنا ان نشعر بجمال هذه الدنيا. الوتر التربوي يعد الوتر من اهم اجزاء الآلات الموسيقية الوترية لذلك يحرص اصحابه على صيانته وكذلك شده بالطريقة المناسبة, فلو ارخى الوتر اكثر عن اللازم اصدر صوتا غليظا, وذلك من الاصوات المنكرة والعكس صحيح لو شد هذا الوتر بطريقة زائدة لانقطع عند اول معزوفة, وقياسا على الوتر تأتي السمات التربوية عند الانسان بين طرفين كلاهما على خطأ لابد من تصويبه, فالمسرف في انفاق المال هو طرف مبالغ فيه من الكرم, والحريص على كنز المال نوع من البخل المذموم والمطلوب الاعتدال. وكذلك الامر في مختلف الامور النفستربوية, كالحب, والكره, والصداقة, والعداوة, والشجاعة, والجبن, انها معزوفات على وتر النفس لايفضل شدها اكثر من اللازم لكي لا تنقطع ولا ينبغي ان ترخى لكي لا يصدر الصوت الناشز ــ ومهمة التربية تدريب الانسان على العزف بلحن جميل, ولن يصل الانسان إلى ذلك الايقاع المناسب في الحياة إلا بتمام التدريب وحسن اختيار السلم الموسيقي وكذلك المدرب. السلم التربوي عندما يبدأ العازف في الفرقة الموسيقية القيام بدوره يدرب حسب سلم معين, وكذلك يعطى كتابا به اشارات واضحة تجعل عزفه منسجما مع بقية افراد الفرقة ــ فالآلات الموسيقية على اختلاف الصوت الذي يصدر منها متى ما حدد لكل آلة دورها صدر عندنا اللحن المطلوب, وكذلك السمات البشرية لابد لها من معايير معينة تضبط ايقاعاتها لكي تتحقق للبشرية غاياتها, فلو ترك لكل انسان حرية العزف لتحولت الارض إلى مزيج غير مقبول من التصرفات التربوية, ولعلنا نقف هاهنا على بعض المعايير التي تضبط سلوكيات الانسان النفستربوية حتى نمضي في الحياة على هدى وبصيرة. 1ــ المعتقدات الدينية: تعد العقيدة من اهم العوالم التي تحدد معايير الحسن والقبح في تصرفات الانسان ولا يوجد إنسان إلا وله عقيدة ــ ولا اتكلم هاهنا عن صحة أو خطأ المعتقد لدى هذا الانسان ــ لكني اتحدث عن اثر المعتقد في بناء نفسية الانسان, فالخنزير, مثلا, محرم على المسلمين ويشعر المسلم اذا اكل قطعة أو مادة من الخنزير بأنه ارتكب امرا عظيما بينما يتنافس الاخرون في اكل لحمه, والنباتيون, مثلا, حرموا على انفسهم اللحوم لذلك نجدهم في ضيق اذا رأوا مسلما يأكل أو يذبح الحيوانات, اذا يعد المعتقد من اهم العوامل المؤثر في بناء نفسيه الانسان. 2ــ الاعراف البشرية تعارف الناس على امور جعلوها من المؤثرات في حياتهم النفسية وجزءا من الاعراف, نتج عن التقاء عقول البشر حول موضوع معين واقرارهم له ومن ثم تعودهم على ذلك الامر والفتهم له, ومن هنا عد العرف من المؤثرات في بناء نفسية الانسان فلو تأملنا في وجبة الغداء تجد انه من النادر ان نحس بالشبع من وجبة مابها (عيش ــ رز) , وكلمة العيش هذه جاءت مما يعيش الناس عليه فهي في دول تربط بالرز وفي دول اخرى بالخبز, وكثيرا من سماتنا النفسية تكونت بسبب الاعراف, والعرف كما نعلم يتغير مع تبدل المكان على عكس المعتقد فهو ثابت لذلك نجد ان امورنا النفسية المرتبطة بالعرف تتبدل عند السفر. 3ــ القدرات العقلية: ومن اسرار اختلاف السمات البشرية اختلافهم في قدراتهم العقلية, ومدى تعامل الانسان مع هذا الجهاز المهم في الكائن البشري, فنجد ان سمات الناس النفسية واخلاقهم تختلف حسب مهارات التفكير لديهم, فمن يفكر بطريقة سوداء ان جاز التعبير يكون متشائما في حياته النفسية وكذلك تصرفاته, على عكس من يفكر بطريقة ايجابية, فانه ينظر للحياة من زاوية اخرى وتكون هذه الزاوية, هي سر من اسرار سعادته لان التفكير كما يقول علماء النفس هو العمليات التي تسبق الفعل أو القول فحياتنا الخارجية تعد انعكاسا واضحا لما يجري في داخلنا من عمليات. هذه بعض المعايير التي تجعل الناس يختلفون في نفسياتهم وتصرفاتهم, وهنا يبرز دور التربية في تعديل هذه التصرفات بعد تطوير المعايير التي يرجع لها الناس. طبول الحرب نظرا لاختلاف المعايير التي بين الناس تختلف طرق حياتهم واساليبهم النفسية والاخلاقية, وليس من الخطأ ان نختلف في طريقة عزفنا اذا كان العزف سيؤدي إلى ما فيه خير المجتمع, لان الاختلاف سنة كونية وبها تتكامل الحياة, فالفرقة الموسيقية بها ادوات مختلفة عندما تقوم كل اداة بالدور المطلوب منها ينشأ اللحن العذب, وكذلك البشر خلقهم الله تعالى بتفاوت معين ليكمل بعضهم بعضا متى ما ادركوا ان الله تعالى قد انزل لهم من السماء معايير تنظم لهم ادوارهم, عندها تصفو حياة الفرد وبهذا تسعد البشرية فبدلا من قرع طبول الحرب بين فترة واخرى دعونا نرجع إلى المعايير الثابتة وعندها تتغير نظرتنا للحياة. بدأنا هذا المقال بطلب تلخص في البحث عن اللحن الذي يمضي عليه قلبنا واختمه بطلب آخر, عندما تترك الجريدة وتخطوا للامام لاحظ انك تمضي على لحن معين ــ هل يتناسب هذا اللحن مع المعايير الثابتة عندنا؟ اذا كان الامر كذلك فأكمل الخطوة, وان لم يكن فحاول حتى تصل إلى النظم المطلوب, حاول ان تتحكم بشد الوتر وارخائه حتى تصل إلى النغمة التي تجعلك ناجحا في الدنيا والآخرة. * وكيل كلية التربية ــ جامعة الامارات*

تعليقات

تعليقات